التاريخ دائماً ما يثبت أن الأزمات سحابة صيف عابرة، بينما يظل الوطن هو الثابت الذي لا ينكسر ولا يتغير، ومن متطلبات الوطنية أن تكون الشعوب مؤمنة بصلابة وطنها وبحكمة قيادته وبعزيمة رجال أمنه البواسل على تجاوز المحن والتحديات والدفاع عن مكتسبات الوطن وحماية أرضه وسمائه، هذه الحقيقة لا بد أن يعيها كل من يعتقد أن أمن واستقرار الوطن يمكن أن يضعف أو يتقهقر أمام أي عدوان خارجي أو محاولات لانتهاك سيادته.
إن مملكة البحرين رغم الاعتداءات الإيرانية الصاروخية والطائرات المسيرة التي يشنها النظام الإيراني الإرهابي فإنها قوية لا تُقهر ولا تنكسر، وقد اثبتت هذه الاحداث أن دفاعات البحرين بعزيمة رجالها كانت على قدر المسؤولية بقدرتها المهنية العالية على الصمود وحماية أراضي الوطن من كل انتهاك إرهابي يضمر لأرضها وسمائها ومكتسباتها شراً، أو يعتقد أن جبهتها الداخلية سوف تضعف أو تتنصل من انتمائها الوطني أو الدفاع عن وحدتها الوطنية.
لقد أثبت شعب البحرين عبر المحطات التاريخية المختلفة أن الولاء والانتماء ليسا مجرد شعارات، بل هما نهج حياة يتجلى في التكاتف المجتمعي والالتفاف حول قيادة جلالة الملك المعظم. هذا الوعي الوطني هو الصخرة التي تتحطم عليها كل التحديات، وهو الضمانة الأساسية لاستمرار مسيرة التنمية والحفاظ على المكتسبات الوطنية التي تحققت في مختلف الميادين، وإن وقوف المواطن البحريني صفاً واحداً خلف قيادته يعكس عمق الشراكة في بناء مستقبل الوطن وحماية أمنه واستقراره.
في هذه الأزمة والتجارب التي مررنا بها خلال العقود الماضية أثبتت الازمات أن الحروب لم تعد تُخاض بالسلاح فقط، بل أصبح لها امتداد آخر أكثر خطراً يضاهي قوة السلاح، وذلك من خلال إثارة وتجنيد العقول، ومن خلال التأثير على المجتمعات واختراق وعي الأفراد لجمع بياناتهم أو توظيفهم لتنفيذ أجندات معينة عبر التحريض أو إثارة النعرات، وهذا يضعنا أمام حالة من الاستقطاب الحاد الذي جعل البعض يغلب الأيديولوجيا أو العاطفة السياسية على مقتضيات الأمن القومي الوطني.
هناك من يضع أفكارا أو ايديولوجيات عابرة للحدود فوق الدولة الوطنية، ما يجعله يرى في تخريب وطنه وسيلة لتحقيق غاية أسمى في نظره، وهذا يُعد أعلى مراحل تزييف الوعي، حيث يصبح التحريض ضد استقرار الوطن أمرا لا يمكن قبوله على الاطلاق، اذ يتجاهل من يتورطون في مثل هذه الأفعال أنهم سيصبحون أول ضحايا هذه الممارسات الشائنة، فضلا عن فقدان خطورة فقدان الأمن والاستقرار والمكتسبات الشخصية والوطنية، حيث يعتقد البعض أن مصادر القوة تكمن في الخارج، ما يدفعهم إلى الوقوع في فخ دعايات الخصوم والإعلام المضلل.
إن الخطر الأكبر ليس في المعلومة التي يتم تسريبها لأعداء الوطن فحسب، بل في نشر اخبار وشائعات كاذبة داخل المجتمع، ما يضعف الجبهة الداخلية أمام التهديدات الخارجية، فالوطن ليس وجهة نظر قابلة للتفاوض، ومن لا يهتم بضرب مقدرات وطنه تحت أي شعار أو مبرر فقد قطع خيط الانتماء الذي يربطه بالأرض التي ينتمي إليها والمجتمع الذي يعش فيه. إن مواجهة هذا الأفكار الغريبة تتطلب رفع مستوى الوعي السياسي والحس الوطني لدى فئات الشباب بصفة أساسية لتمييز الفارق بين التضامن مع القضايا الوطنية والارتهان لمشاريع الهدم والإرهاب المتطرف الذي يسعى لدمار الأوطان وفنائها.
ورغم كل ذلك فإن مثل هذه الأزمات تفرز المواقف وتُظهر الفارق بين من يقف في صف وطنه وقيادته بثبات ومن يتلوّن وفق المتغيرات والانتماءات الأيديولوجية، كما أنها تعيد تأكيد أن تعزيز الوعي لم يعد خياراً بل ضرورة لا بد من تكريسها، وأن التعامل مع المعلومات يحتاج إلى تدقيق لا إلى اندفاع أو تهليل عاطفي.
إن الأزمات مهما اشتدت تظل مؤقتة، لكنها تترك آثاراً طويلة الأمد في تشكيل وعي الشعوب. ومن هنا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تجاوز المرحلة الراهنة بل في كيفية الخروج منها أكثر وعياً وأكثر تماسكاً وأكثر قدرة على التمييز بين الحق والباطل وتأكيد الولاء والانتماء الحقيقي للوطن.
{ باحث وكاتب صحفي.
Abdulhadi.alkhalaqi@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك