العدد : ١٧٥٥٠ - السبت ١١ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٥٠ - السبت ١١ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

مخاطر تزييف الوعي على متطلبات الأمن الوطني

بقلم: عبدالهادي الخلاقي

السبت ١١ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

التاريخ‭ ‬دائماً‭ ‬ما‭ ‬يثبت‭ ‬أن‭ ‬الأزمات‭ ‬سحابة‭ ‬صيف‭ ‬عابرة،‭ ‬بينما‭ ‬يظل‭ ‬الوطن‭ ‬هو‭ ‬الثابت‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬ينكسر‭ ‬ولا‭ ‬يتغير،‭ ‬ومن‭ ‬متطلبات‭ ‬الوطنية‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الشعوب‭ ‬مؤمنة‭ ‬بصلابة‭ ‬وطنها‭ ‬وبحكمة‭ ‬قيادته‭ ‬وبعزيمة‭ ‬رجال‭ ‬أمنه‭ ‬البواسل‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬المحن‭ ‬والتحديات‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬مكتسبات‭ ‬الوطن‭ ‬وحماية‭ ‬أرضه‭ ‬وسمائه،‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يعيها‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬أمن‭ ‬واستقرار‭ ‬الوطن‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يضعف‭ ‬أو‭ ‬يتقهقر‭ ‬أمام‭ ‬أي‭ ‬عدوان‭ ‬خارجي‭ ‬أو‭ ‬محاولات‭ ‬لانتهاك‭ ‬سيادته‭.‬

إن‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬رغم‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية‭ ‬الصاروخية‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيرة‭ ‬التي‭ ‬يشنها‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬الإرهابي‭ ‬فإنها‭ ‬قوية‭ ‬لا‭ ‬تُقهر‭ ‬ولا‭ ‬تنكسر،‭ ‬وقد‭ ‬اثبتت‭ ‬هذه‭ ‬الاحداث‭ ‬أن‭ ‬دفاعات‭ ‬البحرين‭ ‬بعزيمة‭ ‬رجالها‭ ‬كانت‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬المسؤولية‭ ‬بقدرتها‭ ‬المهنية‭ ‬العالية‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬وحماية‭ ‬أراضي‭ ‬الوطن‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬انتهاك‭ ‬إرهابي‭ ‬يضمر‭ ‬لأرضها‭ ‬وسمائها‭ ‬ومكتسباتها‭ ‬شراً،‭ ‬أو‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬جبهتها‭ ‬الداخلية‭ ‬سوف‭ ‬تضعف‭ ‬أو‭ ‬تتنصل‭ ‬من‭ ‬انتمائها‭ ‬الوطني‭ ‬أو‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬وحدتها‭ ‬الوطنية‭.‬

لقد‭ ‬أثبت‭ ‬شعب‭ ‬البحرين‭ ‬عبر‭ ‬المحطات‭ ‬التاريخية‭ ‬المختلفة‭ ‬أن‭ ‬الولاء‭ ‬والانتماء‭ ‬ليسا‭ ‬مجرد‭ ‬شعارات،‭ ‬بل‭ ‬هما‭ ‬نهج‭ ‬حياة‭ ‬يتجلى‭ ‬في‭ ‬التكاتف‭ ‬المجتمعي‭ ‬والالتفاف‭ ‬حول‭ ‬قيادة‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭. ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬الوطني‭ ‬هو‭ ‬الصخرة‭ ‬التي‭ ‬تتحطم‭ ‬عليها‭ ‬كل‭ ‬التحديات،‭ ‬وهو‭ ‬الضمانة‭ ‬الأساسية‭ ‬لاستمرار‭ ‬مسيرة‭ ‬التنمية‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬المكتسبات‭ ‬الوطنية‭ ‬التي‭ ‬تحققت‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الميادين،‭ ‬وإن‭ ‬وقوف‭ ‬المواطن‭ ‬البحريني‭ ‬صفاً‭ ‬واحداً‭ ‬خلف‭ ‬قيادته‭ ‬يعكس‭ ‬عمق‭ ‬الشراكة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬مستقبل‭ ‬الوطن‭ ‬وحماية‭ ‬أمنه‭ ‬واستقراره‭.‬

في‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬والتجارب‭ ‬التي‭ ‬مررنا‭ ‬بها‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭ ‬أثبتت‭ ‬الازمات‭ ‬أن‭ ‬الحروب‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تُخاض‭ ‬بالسلاح‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬لها‭ ‬امتداد‭ ‬آخر‭ ‬أكثر‭ ‬خطراً‭ ‬يضاهي‭ ‬قوة‭ ‬السلاح،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إثارة‭ ‬وتجنيد‭ ‬العقول،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬المجتمعات‭ ‬واختراق‭ ‬وعي‭ ‬الأفراد‭ ‬لجمع‭ ‬بياناتهم‭ ‬أو‭ ‬توظيفهم‭ ‬لتنفيذ‭ ‬أجندات‭ ‬معينة‭ ‬عبر‭ ‬التحريض‭ ‬أو‭ ‬إثارة‭ ‬النعرات،‭ ‬وهذا‭ ‬يضعنا‭ ‬أمام‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الاستقطاب‭ ‬الحاد‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬البعض‭ ‬يغلب‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬أو‭ ‬العاطفة‭ ‬السياسية‭ ‬على‭ ‬مقتضيات‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬الوطني‭.‬

هناك‭ ‬من‭ ‬يضع‭ ‬أفكارا‭ ‬أو‭ ‬ايديولوجيات‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود‭ ‬فوق‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية،‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬تخريب‭ ‬وطنه‭ ‬وسيلة‭ ‬لتحقيق‭ ‬غاية‭ ‬أسمى‭ ‬في‭ ‬نظره،‭ ‬وهذا‭ ‬يُعد‭ ‬أعلى‭ ‬مراحل‭ ‬تزييف‭ ‬الوعي،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬التحريض‭ ‬ضد‭ ‬استقرار‭ ‬الوطن‭ ‬أمرا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬قبوله‭ ‬على‭ ‬الاطلاق،‭ ‬اذ‭ ‬يتجاهل‭ ‬من‭ ‬يتورطون‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأفعال‭ ‬أنهم‭ ‬سيصبحون‭ ‬أول‭ ‬ضحايا‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬الشائنة،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬فقدان‭ ‬خطورة‭ ‬فقدان‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬والمكتسبات‭ ‬الشخصية‭ ‬والوطنية،‭ ‬حيث‭ ‬يعتقد‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬مصادر‭ ‬القوة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬ما‭ ‬يدفعهم‭ ‬إلى‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬دعايات‭ ‬الخصوم‭ ‬والإعلام‭ ‬المضلل‭.‬

إن‭ ‬الخطر‭ ‬الأكبر‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬المعلومة‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬تسريبها‭ ‬لأعداء‭ ‬الوطن‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬اخبار‭ ‬وشائعات‭ ‬كاذبة‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع،‭ ‬ما‭ ‬يضعف‭ ‬الجبهة‭ ‬الداخلية‭ ‬أمام‭ ‬التهديدات‭ ‬الخارجية،‭ ‬فالوطن‭ ‬ليس‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬قابلة‭ ‬للتفاوض،‭ ‬ومن‭ ‬لا‭ ‬يهتم‭ ‬بضرب‭ ‬مقدرات‭ ‬وطنه‭ ‬تحت‭ ‬أي‭ ‬شعار‭ ‬أو‭ ‬مبرر‭ ‬فقد‭ ‬قطع‭ ‬خيط‭ ‬الانتماء‭ ‬الذي‭ ‬يربطه‭ ‬بالأرض‭ ‬التي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها‭ ‬والمجتمع‭ ‬الذي‭ ‬يعش‭ ‬فيه‭. ‬إن‭ ‬مواجهة‭ ‬هذا‭ ‬الأفكار‭ ‬الغريبة‭ ‬تتطلب‭ ‬رفع‭ ‬مستوى‭ ‬الوعي‭ ‬السياسي‭ ‬والحس‭ ‬الوطني‭ ‬لدى‭ ‬فئات‭ ‬الشباب‭ ‬بصفة‭ ‬أساسية‭ ‬لتمييز‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬التضامن‭ ‬مع‭ ‬القضايا‭ ‬الوطنية‭ ‬والارتهان‭ ‬لمشاريع‭ ‬الهدم‭ ‬والإرهاب‭ ‬المتطرف‭ ‬الذي‭ ‬يسعى‭ ‬لدمار‭ ‬الأوطان‭ ‬وفنائها‭.‬

ورغم‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأزمات‭ ‬تفرز‭ ‬المواقف‭ ‬وتُظهر‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يقف‭ ‬في‭ ‬صف‭ ‬وطنه‭ ‬وقيادته‭ ‬بثبات‭ ‬ومن‭ ‬يتلوّن‭ ‬وفق‭ ‬المتغيرات‭ ‬والانتماءات‭ ‬الأيديولوجية،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تعيد‭ ‬تأكيد‭ ‬أن‭ ‬تعزيز‭ ‬الوعي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬خياراً‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬تكريسها،‭ ‬وأن‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المعلومات‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تدقيق‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬اندفاع‭ ‬أو‭ ‬تهليل‭ ‬عاطفي‭.‬

إن‭ ‬الأزمات‭ ‬مهما‭ ‬اشتدت‭ ‬تظل‭ ‬مؤقتة،‭ ‬لكنها‭ ‬تترك‭ ‬آثاراً‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬وعي‭ ‬الشعوب‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬تجاوز‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬الخروج‭ ‬منها‭ ‬أكثر‭ ‬وعياً‭ ‬وأكثر‭ ‬تماسكاً‭ ‬وأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الحق‭ ‬والباطل‭ ‬وتأكيد‭ ‬الولاء‭ ‬والانتماء‭ ‬الحقيقي‭ ‬للوطن‭.‬

 

{ باحث‭ ‬وكاتب‭ ‬صحفي‭.‬

Abdulhadi‭.‬alkhalaqi@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا