لا يستطيع المنخل أن يغطي شمس الحقيقة التي تقول إن التحول السريع من التعليم التقليدي إلى التعليم الرقمي الذي حدث الشهر الماضي يُعد واحدة من إنجازات البحرين التي حدثت خلال هذا الوضع الراهن.
ففي 28 فبراير 2026، أعلنت وزارة التربية والتعليم في البحرين تحويل الدراسة إلى نظام التعلم عن بُعد في جميع المدارس والجامعات حتى إشعار آخر، وجاء هذا القرار كإجراء احترازي لضمان سلامة الطلبة والكوادر التعليمية في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتعرض البحرين لهجمات صاروخية ومسيرات.
ولعل هذه الاستجابة السريعة جاءت بفضل الاستثمار المسبق في البنية التحتية الرقمية للتعليم، والتي تم تطويرها وتجربتها خلال جائحة كوفيد – 19. وقد اعتمدت الوزارة على (المنصة الرقمية لوزارة التربية والتعليم)، التي أثبتت كفاءتها في استيعاب أعداد كبيرة من الطلبة والمعلمين، مسجلة نسب حضور عالية في الفصول الافتراضية.
وهذه التجربة على ما لها من إيجابيات نفتخر بها، عليها بعض الأمور التي تحتاج إلى تحسين كأي نظام إداري تعليمي، فلا توجد أنظمة وتجارب كاملة مكتملة، فكل نظام لا بد وأن يحتاج إلى تحسين بين الفينة والأخرى، وهذا لا يقلل من شأن تجربة البحرين في شيء أبدًا، فمن القواعد التي تقوم عليها إدارة الأزمات والمشكلات أن نتعلم من التجربة التي حدثت ونحاول أن نطورها مهما كانت ناجحة، حتى وإن تكررت الأزمة أو المشكلة فإنه يمكن تجاوزها بطريقة أكثر منهجية ومنطقية، لذلك سنحاول أن نتحدث من منطلق أولياء الأمور بقدر الإمكان حتى تصل رسالتنا واضحة للمسؤولين في وزارة التربية والتعليم.
أولاً: الإيجابيات التي برزت خلال التجربة
تجلت عدة جوانب إيجابية في إدارة البحرين لهذه الأزمة التعليمية، مما أسهم في استمرارية العملية التعليمية بفعالية، من ذلك:
{ الجاهزية الرقمية المسبقة: استفادت مملكة البحرين من بنيتها التحتية الرقمية القوية والخبرات المتراكمة، مما مكنها من الانتقال السلس والسريع إلى التعلم عن بُعد من دون تأخير.
{ الاستجابة السريعة والحاسمة: يعكس قرار التحول الفوري إلى التعلم عن بُعد كفاءة عالية في إدارة الأزمات، حيث كانت سلامة الطلبة والكوادر التعليمية هي الأولوية القصوى للمملكة.
{ المرونة التشريعية والإدارية: أظهرت الوزارة مرونة كبيرة في تعديل الأنظمة واللوائح التعليمية، بما في ذلك إدخال (نظام التقويم المرن) وتقليص بعض من أجزاء المناهج الدراسية وتحديث الجداول الدراسية، مما خفف العبء على الطلبة وأولياء الأمور.
{ الكفاءة التقنية للمنصة الرقمية: أثبتت المنصة الرقمية قدرتها على استيعاب أكثر من 150 ألف طالب وطالبة بانتظام وكفاءة عالية، مع تسجيل نسب حضور مرتفعة.
{ استمرارية التعليم: نجحت المنظومة التعليمية في الحفاظ على سير العملية التعليمية دون توقف، على الرغم من الظروف الأمنية المعقدة، مما يضمن عدم ضياع الفرص التعليمية على الطلبة.
{ الاستجابة المجتمعية الإيجابية: عكست نسب الحضور المرتفعة والتفاعل الإيجابي من قبل الطلبة وأولياء الأمور ثقة المجتمع في الإجراءات الحكومية وقدرته على التكيف مع الوضع الجديد.
ثانيًا: السلبيات والتحديات التي واجهت التجربة
على الرغم من الإيجابيات التي نفتخر بها، إلا أن التجربة واجهت بعض التحديات وهذا واقع في كل التجارب والأعمال، بمعنى أن هذا لا يقلل من شأن التجربة في شيء، ولكن نجد أنه من الموضوعية أن نذكر بعضًا من تلك الأمور، منها:
{ القلق المالي لأولياء الأمور: برز استياء بين أولياء الأمور، خاصة في قطاع التعليم المبكر (الحضانات ورياض الأطفال)، بسبب استمرار تحصيل الرسوم كاملة على الرغم من عدم الحضور الشخصي، مما دفع مجلس النواب إلى التدخل بمقترح مستعجل لتنظيم هذه الرسوم.
وكذلك من الجوانب المالية أيضًا أن الوزارة وضعت كل التكاليف المالية من شراء الأجهزة (الحواسيب والحواسيب اللوحية) وربما طباعة الأوراق وبعض الأمور الأخرى كلها على عاتق أولياء الأمور، بغض النظر عن عدد أطفال كل أسرة، وهذا شكل ضغطًا كبيرًا على أولياء الأمور، لدرجة أن بعض المدارس كانت ترسل أوراق الواجبات إلى أولياء الأمور وتطلب منهم طباعتها حتى يتمكن الطالب من حل واجباته. فنقص موارد بعض الأسر، يمكن أن يؤثر في مبدأ الإنصاف التعليمي.
{ عدم التنسيق بين عمل الوزارات ووزارة التربية والتعليم: واجه كثير من أولياء الأمور مشكلة التوزان ما بين عملهم والوظيفة التي يشغلونها وتعليم أطفالهم، فالأم الجالسة في البيت أو الأب مطلوب منهما أن يقوما بعملهما عبر الإنترنت، وفي ذات الوقت عليه أن يقوم بمتابعة طفله وهم يتعلمون عبر المنصة التعليمية، فلنتصور أن تلك الأسرة لديها 3 أطفال، فكيف تستطيع تلك الأم أو هذا الأب أن يقوم بعمله خير قيام كما هو مطلوب منه وفي الوقت ذاته أن يقوم بمتابعة أطفاله؟
هذا جانب، فبالإضافة إلى ذلك فإن بعضا من أولياء الأمور كان المطلوب منهم أن يقوموا على عملهم في مكان العمل، وخاصة الأعمال ذات الأولوية والتي لا يمكن إتمامها عبر الإنترنت وإنما يجب مباشرتها بصورة تامة ومباشرة، هؤلاء وقعوا في حيرة من أمرهم، فبعضهم دفعوا مبالغ مالية إضافية لبعض المعلمين الخصوصيين لمتابعة أطفالهم، وبعضهم استعانوا بالأهل، وبعضهم بحث عن حلول أخرى، فوقع الأهالي في حيرة وقلق.
ثالثًا: بعض الحلول والمقترحات
لسنا نريد أن نطرح على وزارة التربية والتعليم المقترحات والحلول ونحن في غرف مكيفة كما يقولون، إلا إننا نرفع إلى المسؤولين في الوزارة المعنية بعض المقترحات التي جاءتنا من عدد من أولياء الأمور، ونحن على يقين أن الوزارة أيضًا لديها الكثير من وجهات النظر التي سوف تفكر فيها بالهدوء بعد أن يسود المنطقة بإذن الله الهدوء، من هذه المقترحات:
{ إجراء تقييم شامل للتجربة: نجد أنه من المناسب أن تقوم الوزارة بعمل استبانة قصيرة لأولياء الأمور تستطلع بها آراءهم ومقترحاتهم حول التجربة، من حيث الإيجابيات والسلبيات، وكذلك المقترحات، فمثل هذا المسح الميداني سيسهم بصورة كبيرة في توضيح الأمور وكشف الحقائق التي قد تكون مغيبة بسبب سرعة التجربة والاستجابة، وبناء على نتائج المسح الميداني يمكن إعادة التنظيم والترتيب، وتحسين العمل بصورة مستمرة.
{ تدريب الأطفال: فجأة ومن غير مقدمات وجد الأطفال وأولياء الأمور أنفسهم أنهم مجبرون على الدخول إلى منصة إلكترونية وهم لا يعرفون كيفية التعامل معها، فكان الأطفال وكذلك أولياء الأمور يتخبطون بين الروابط، والحصص الدراسية وما إلى ذلك. لذلك يقترح أولياء الأمور أن يخصص من ضمن المنهج الدراسي والأيام الدراسية يوم في الشهر أو في الأسبوع أو ما تراه الوزارة مناسبًا يتم فيه تدريب الأطفال على استخدام المنصة والبوابة الإلكترونية وخاصة المراحل الأولى من التعليم، على أن يكون من ضمن المقرر الدراسي، هذا التدريب يفضل أن يتم وخاصة في المراحل الأولى في المدرسة، وتقوم المعلمة بتدريب الأطفال باستخدام الحواسيب والأجهزة اللوحية وكيفية التعامل معها، وكيفية سريان الحصة التعليمية، وهذا التدريب يكون إلزاميًا ومن ضمن المنهج التعليمي، أولاً لأنه المستقبل، وثانيًا إن حدث لا سمح الله أي أمر غير طبيعي فإن الطلبة سيكونون على دراية تامة بالتعامل مع هذا النوع من التعليم.
{ إعادة صياغة المناهج والاختبارات التقييمية وفق نظام التعلم الإلكتروني: ما زالت المناهج الدراسية مكتوبة ومصاغة حسب النظام التقليدي، وهذا أمر لا خلاف عليه، وإنما في ظل الدخول إلى عالم الرقمنة، فنحن نعتقد أنه آن الأوان لإعادة صياغة المناهج الدراسية وفق العالم الافتراضي، وخاصة عمليات الاختبارات والتقييم، فنجد أن التقييم والاختبارات يجب أن تتم بطريقة لا يمكن لولي الأمر أن يتدخل فيه، إذ وجدنا أن الكثير من أولياء الأمور إما أن يجلس مع الطفل خلف الحاسوب ويقوم بتعليم الطفل كلمة كلمة، وإما أن يقوم بعض من أولياء الأمر بالدخول في المنظومة باسم الطفل ويقوم هو بحل الاختبار، وما إلى ذلك. ونعتقد أن هذا الأمر مرفوض ولا ترضاه الوزارة، لذلك فإن صياغة الاختبارات بطريقة تتوافق مع المنظومة الرقمية يسهم بصورة كبيرة في تجنب تدخل أولياء الأمور، أو على الأقل إن كان موجودًا فإن تأثيره سيكون محددًا.
{ توزيع الأجهزة اللوحية على الطلبة بدلاً من الكتب الورقية: هذا العبء المادي الذي وقع على أولياء الأمور يمكن التخلص منه بأن تقوم الوزارة بالتقليل من طباعة الكتب الورقية، وتوزيع الأجهزة اللوحية على الطلبة والأطفال، على أن تحوي كل الكتب والمناهج، فيصبح الطفل غير ملزم بالتعامل مع الكتب الورقية، إلا من خلال كتب الأنشطة مثلاً أو بعض الأوراق التي سيقوم بحل الواجبات فيها. وهذا يقلل من مصاريف الكتب الورقية والعبء الكبير الذي يقع على الوزارة سنويًا لطباعة الكتب، ولكن نجد أن هذا الموضوع يحتاج إلى دراسة جدوى وبعض المقارنات المادية حتى يتم إقراره.
{ توعية المجتمع وأولياء الأمور: ما زال الكثير من أولياء الأمور لا يحب التعامل مع هذا النوع من التعليم، أو حتى يخاف التعامل مع هذه الأجهزة، لذلك فإنه يجب أن يكون هناك توجه تام وتوعية تامة للمجتمع في هذا الشأن.
هذه بعض الأمور التي جاءتنا من بعض أولياء الأمور، ومن خلال استطلاعنا حول هذا الموضوع، ومرة أخرى فإن هذا لا يقلل من شأن التجربة، وإنما من أجل التحسين والاستمرار في تطوير التجربة.
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك