استيقظتُ ذلك الصباح على غير عادتي، لا على صوت صفارة الإنذار أو منبه أو ضوء نافذة، بل على شعورٍ ثقيلٍ بالضيق. كان هاتفي يضج برسائل متلاحقة، ومجموعة تتناقل خبرا مقلقا بلا مصدر واضح.
في لحظات، تسلّل الخوف إلى قلبي، وتضخّم مع كل سطر أقرأه، حينها لم أفكّر إلا في أبنائي… أين هم الآن؟ هل هم بخير؟ كيف أحميهم من شيء لا أراه ولا أفهم حقيقته؟
تلك اللحظات كانت كفيلة بأن تُربك داخلي بالكامل. بين القلق والتساؤل، وجدت نفسي أسيرة شائعة، لا أعرف مدى صدقها، لكنها نجحت في أن تزرع الخوف في داخلي. وهنا أدركت أن الخطر الحقيقي لا يكون دائماً فيما يحدث حولنا، بل فيما يُقال لنا عنه… وكيف نسمح له أن يصل إلى أعماقنا، ومن تلك اللحظة أدركت أن وعينا هو خط الدفاع الأول، وأن ما نواجهه ليس فقط أحداثًا، بل أيضًا ما يُبث حولها من شائعات.
في أوقات الأزمات، لا تُقاس قوة الدول فقط بما تملكه من إمكانات عسكرية أو اقتصادية، بل تُقاس بدرجة وعي مجتمعها، وتماسك أفراده، وقدرتهم على التمييز بين الحقيقة والزيف.
ومع تصاعد التوترات في المنطقة، وارتباطها بعدوان سافر وحرب غاشمة تلقي بظلالها على الاستقرار الإقليمي، تجد البحرين نفسها، كما غيرها من الدول، في حالة استثنائية تتطلب يقظة جماعية ومسؤولية وطنية عالية.
هذه المرحلة لا تُدار فقط في غرف القرار السياسي، بل تُدار أيضًا في عقول الناس، وفي طريقة تفاعلهم مع ما يُنشر ويُتداول من معلومات، وهنا يظهر الدور الحقيقي للمجتمع البحريني، الذي عُرف تاريخيًا بتماسكه ووعيه، في التصدي لواحدة من أخطر أدوات الحروب الحديثة ألا وهي الشائعات.
الشائعة في زمن الأزمات ليست مجرد خبر غير دقيق، بل قد تكون أداة مدروسة لإثارة القلق، وزعزعة الثقة، وإرباك المؤسسات، بل وحتى التأثير في القرارات الفردية والجماعية، تنتشر بسرعة، وتستند غالبًا إلى عاطفة الخوف أو الغضب، وتُغلف أحيانًا بنصف حقيقة تجعلها أكثر إقناعًا، وهنا تكمن خطورتها.
في البحرين، حيث المجتمع مترابط جدًا، والعلاقات الاجتماعية متداخلة، يمكن للشائعة أن تنتشر بسرعة مضاعفة، خصوصًا مع الاستخدام الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي.
لكن في المقابل، هذا الترابط ذاته يمكن أن يكون نقطة قوة، إذا ما تم توظيفه في نشر الوعي، وتعزيز المسؤولية، والوقوف صفًا واحدًا في وجه أي محاولة لزعزعة الاستقرار.
إن أول خطوة في مواجهة الشائعات هي عدم التسرع في تصديقها أو إعادة نشرها، ليس كل ما يصلنا عبر الهاتف أو يُتداول في المجموعات (القروبات) صحيحًا، حتى وإن بدا منطقيًا أو صادرًا من شخص نثق به، التحقق من المصدر، والرجوع إلى الجهات الرسمية، والتأكد من دقة المعلومة، كلها خطوات بسيطة لكنها حاسمة في كسر سلسلة انتشار الشائعة.
كما أن الوعي لا يقتصر على الامتناع عن نشر المعلومات غير الموثوقة، بل يمتد إلى تصحيحها. فحين نرى معلومة خاطئة، لا يكفي أن نتجاهلها، بل من المهم توضيح الحقيقة بأسلوب هادئ ومسؤول، دون تهجم أو تصعيد، فالتوعية لا تكون بالصدام، بل بالحكمة.
ومن المهم أيضًا إدراك أن بعض الشائعات قد تُصاغ بطريقة تستهدف إثارة الفتنة أو التشكيك في مؤسسات الدولة. وهنا يصبح التعامل معها أكثر حساسية، إذ يجب ألا نكون أدوات - دون قصد- في تمرير رسائل قد تضر بالوطن والمواطن. ذلك أن الثقة في القيادة، والاعتماد على القنوات الرسمية، يمثلان ركيزة أساسية في الحفاظ على الاستقرار.
الدور لا يقتصر على الأفراد فقط، بل يشمل المؤسسات التعليمية والإعلامية والمجتمعية، الجامعات والمدارس يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في تعزيز التفكير النقدي لدى الطلبة، وتعليمهم كيفية التعامل مع المعلومات في العصر الرقمي، كما أن الإعلام المسؤول مطالب بتقديم المعلومة الدقيقة في الوقت المناسب، وبأسلوب واضح يحد من مساحة التأويل.
أما الأسرة، فهي الخط الأول في بناء الوعي، الحوار داخل البيت، وشرح ما يحدث بلغة بسيطة، خاصة للأبناء، يسهم في تقليل القلق، ويمنحهم شعورًا بالأمان، ويُعلمهم في الوقت ذاته كيفية التمييز بين الحقيقة والشائعة.
وفي مثل هذه الظروف، تظهر القيم الحقيقية للمجتمع: التضامن، والتكافل، والهدوء، والالتفاف حول الوطن. البحرين، بقيادتها وشعبها.
لقد مرت البحرين بتحديات سابقة، وأثبتت أن قوتها في وحدتها، وأن وعي شعبها هو خط الدفاع الأول. لا يمكن منع الشائعات بالكامل، لكن يمكن الحد من تأثيرها، وهذا يبدأ من كل فرد، من قراره البسيط: هل أنشر هذا الخبر أم أتأكد منه؟ هل أسهم في التهدئة أم في التصعيد؟ هذه القرارات الصغيرة تصنع فارقًا كبيرًا.
في النهاية، تبقى الحقيقة واضحة، الأزمات تمر، لكن ما يبقى هو أثر تصرفاتنا خلالها. إما أن نكون جزءًا من الحل، أو جزءًا من المشكلة. وفي البحرين، حيث الوعي متجذر، والولاء راسخ، يبقى الرهان دائمًا على الإنسان البحريني.
إننا بوعينا نرتقي… وبمسؤوليتنا نحمي وطننا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك