العدد : ١٧٥٥١ - الأحد ١٢ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٥١ - الأحد ١٢ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

المجتمع البحريني ومواجهة الشائعات خلال الأزمات

بقلم: د. فاطمة المالكي

السبت ١١ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

استيقظتُ‭ ‬ذلك‭ ‬الصباح‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬عادتي،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬صوت‭ ‬صفارة‭ ‬الإنذار‭ ‬أو‭ ‬منبه‭ ‬أو‭ ‬ضوء‭ ‬نافذة،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬شعورٍ‭ ‬ثقيلٍ‭ ‬بالضيق‭. ‬كان‭ ‬هاتفي‭ ‬يضج‭ ‬برسائل‭ ‬متلاحقة،‭ ‬ومجموعة‭ ‬تتناقل‭ ‬خبرا‭ ‬مقلقا‭ ‬بلا‭ ‬مصدر‭ ‬واضح‭.‬

في‭ ‬لحظات،‭ ‬تسلّل‭ ‬الخوف‭ ‬إلى‭ ‬قلبي،‭ ‬وتضخّم‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬سطر‭ ‬أقرأه،‭ ‬حينها‭ ‬لم‭ ‬أفكّر‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬أبنائي‭ ‬أين‭ ‬هم‭ ‬الآن؟‭ ‬هل‭ ‬هم‭ ‬بخير؟‭ ‬كيف‭ ‬أحميهم‭ ‬من‭ ‬شيء‭ ‬لا‭ ‬أراه‭ ‬ولا‭ ‬أفهم‭ ‬حقيقته؟

تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬كانت‭ ‬كفيلة‭ ‬بأن‭ ‬تُربك‭ ‬داخلي‭ ‬بالكامل‭. ‬بين‭ ‬القلق‭ ‬والتساؤل،‭ ‬وجدت‭ ‬نفسي‭ ‬أسيرة‭ ‬شائعة،‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬مدى‭ ‬صدقها،‭ ‬لكنها‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تزرع‭ ‬الخوف‭ ‬في‭ ‬داخلي‭. ‬وهنا‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬الخطر‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬دائماً‭ ‬فيما‭ ‬يحدث‭ ‬حولنا،‭ ‬بل‭ ‬فيما‭ ‬يُقال‭ ‬لنا‭ ‬عنه‭ ‬وكيف‭ ‬نسمح‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬أعماقنا،‭ ‬ومن‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬وعينا‭ ‬هو‭ ‬خط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأول،‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬نواجهه‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬أحداثًا،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬ما‭ ‬يُبث‭ ‬حولها‭ ‬من‭ ‬شائعات‭.‬

في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات،‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬قوة‭ ‬الدول‭ ‬فقط‭ ‬بما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬إمكانات‭ ‬عسكرية‭ ‬أو‭ ‬اقتصادية،‭ ‬بل‭ ‬تُقاس‭ ‬بدرجة‭ ‬وعي‭ ‬مجتمعها،‭ ‬وتماسك‭ ‬أفراده،‭ ‬وقدرتهم‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الحقيقة‭ ‬والزيف‭.‬

ومع‭ ‬تصاعد‭ ‬التوترات‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وارتباطها‭ ‬بعدوان‭ ‬سافر‭ ‬وحرب‭ ‬غاشمة‭ ‬تلقي‭ ‬بظلالها‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬الإقليمي،‭ ‬تجد‭ ‬البحرين‭ ‬نفسها،‭ ‬كما‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الدول،‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬استثنائية‭ ‬تتطلب‭ ‬يقظة‭ ‬جماعية‭ ‬ومسؤولية‭ ‬وطنية‭ ‬عالية‭.‬

هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬لا‭ ‬تُدار‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬غرف‭ ‬القرار‭ ‬السياسي،‭ ‬بل‭ ‬تُدار‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬عقول‭ ‬الناس،‭ ‬وفي‭ ‬طريقة‭ ‬تفاعلهم‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يُنشر‭ ‬ويُتداول‭ ‬من‭ ‬معلومات،‭ ‬وهنا‭ ‬يظهر‭ ‬الدور‭ ‬الحقيقي‭ ‬للمجتمع‭ ‬البحريني،‭ ‬الذي‭ ‬عُرف‭ ‬تاريخيًا‭ ‬بتماسكه‭ ‬ووعيه،‭ ‬في‭ ‬التصدي‭ ‬لواحدة‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬أدوات‭ ‬الحروب‭ ‬الحديثة‭ ‬ألا‭ ‬وهي‭ ‬الشائعات‭.‬

الشائعة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الأزمات‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬خبر‭ ‬غير‭ ‬دقيق،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أداة‭ ‬مدروسة‭ ‬لإثارة‭ ‬القلق،‭ ‬وزعزعة‭ ‬الثقة،‭ ‬وإرباك‭ ‬المؤسسات،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬القرارات‭ ‬الفردية‭ ‬والجماعية،‭ ‬تنتشر‭ ‬بسرعة،‭ ‬وتستند‭ ‬غالبًا‭ ‬إلى‭ ‬عاطفة‭ ‬الخوف‭ ‬أو‭ ‬الغضب،‭ ‬وتُغلف‭ ‬أحيانًا‭ ‬بنصف‭ ‬حقيقة‭ ‬تجعلها‭ ‬أكثر‭ ‬إقناعًا،‭ ‬وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬خطورتها‭.‬

في‭ ‬البحرين،‭ ‬حيث‭ ‬المجتمع‭ ‬مترابط‭ ‬جدًا،‭ ‬والعلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬متداخلة،‭ ‬يمكن‭ ‬للشائعة‭ ‬أن‭ ‬تنتشر‭ ‬بسرعة‭ ‬مضاعفة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬مع‭ ‬الاستخدام‭ ‬الواسع‭ ‬لوسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭.‬

لكن‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬هذا‭ ‬الترابط‭ ‬ذاته‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬نقطة‭ ‬قوة،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬توظيفه‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬الوعي،‭ ‬وتعزيز‭ ‬المسؤولية،‭ ‬والوقوف‭ ‬صفًا‭ ‬واحدًا‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬لزعزعة‭ ‬الاستقرار‭.‬

إن‭ ‬أول‭ ‬خطوة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الشائعات‭ ‬هي‭ ‬عدم‭ ‬التسرع‭ ‬في‭ ‬تصديقها‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬نشرها،‭ ‬ليس‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يصلنا‭ ‬عبر‭ ‬الهاتف‭ ‬أو‭ ‬يُتداول‭ ‬في‭ ‬المجموعات‭ (‬القروبات‭) ‬صحيحًا،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬بدا‭ ‬منطقيًا‭ ‬أو‭ ‬صادرًا‭ ‬من‭ ‬شخص‭ ‬نثق‭ ‬به،‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬المصدر،‭ ‬والرجوع‭ ‬إلى‭ ‬الجهات‭ ‬الرسمية،‭ ‬والتأكد‭ ‬من‭ ‬دقة‭ ‬المعلومة،‭ ‬كلها‭ ‬خطوات‭ ‬بسيطة‭ ‬لكنها‭ ‬حاسمة‭ ‬في‭ ‬كسر‭ ‬سلسلة‭ ‬انتشار‭ ‬الشائعة‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬الوعي‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الامتناع‭ ‬عن‭ ‬نشر‭ ‬المعلومات‭ ‬غير‭ ‬الموثوقة،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬تصحيحها‭. ‬فحين‭ ‬نرى‭ ‬معلومة‭ ‬خاطئة،‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬نتجاهلها،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬توضيح‭ ‬الحقيقة‭ ‬بأسلوب‭ ‬هادئ‭ ‬ومسؤول،‭ ‬دون‭ ‬تهجم‭ ‬أو‭ ‬تصعيد،‭ ‬فالتوعية‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬بالصدام،‭ ‬بل‭ ‬بالحكمة‭.‬

ومن‭ ‬المهم‭ ‬أيضًا‭ ‬إدراك‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الشائعات‭ ‬قد‭ ‬تُصاغ‭ ‬بطريقة‭ ‬تستهدف‭ ‬إثارة‭ ‬الفتنة‭ ‬أو‭ ‬التشكيك‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭. ‬وهنا‭ ‬يصبح‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية،‭ ‬إذ‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬نكون‭ ‬أدوات‭ - ‬دون‭ ‬قصد‭- ‬في‭ ‬تمرير‭ ‬رسائل‭ ‬قد‭ ‬تضر‭ ‬بالوطن‭ ‬والمواطن‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬القيادة،‭ ‬والاعتماد‭ ‬على‭ ‬القنوات‭ ‬الرسمية،‭ ‬يمثلان‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭.‬

الدور‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الأفراد‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬والإعلامية‭ ‬والمجتمعية،‭ ‬الجامعات‭ ‬والمدارس‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تلعب‭ ‬دورًا‭ ‬محوريًا‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬لدى‭ ‬الطلبة،‭ ‬وتعليمهم‭ ‬كيفية‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المعلومات‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الرقمي،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الإعلام‭ ‬المسؤول‭ ‬مطالب‭ ‬بتقديم‭ ‬المعلومة‭ ‬الدقيقة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب،‭ ‬وبأسلوب‭ ‬واضح‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬مساحة‭ ‬التأويل‭.‬

أما‭ ‬الأسرة،‭ ‬فهي‭ ‬الخط‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الوعي،‭ ‬الحوار‭ ‬داخل‭ ‬البيت،‭ ‬وشرح‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬بلغة‭ ‬بسيطة،‭ ‬خاصة‭ ‬للأبناء،‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تقليل‭ ‬القلق،‭ ‬ويمنحهم‭ ‬شعورًا‭ ‬بالأمان،‭ ‬ويُعلمهم‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬كيفية‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الحقيقة‭ ‬والشائعة‭.‬

وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الظروف،‭ ‬تظهر‭ ‬القيم‭ ‬الحقيقية‭ ‬للمجتمع‭: ‬التضامن،‭ ‬والتكافل،‭ ‬والهدوء،‭ ‬والالتفاف‭ ‬حول‭ ‬الوطن‭. ‬البحرين،‭ ‬بقيادتها‭ ‬وشعبها‭.‬

لقد‭ ‬مرت‭ ‬البحرين‭ ‬بتحديات‭ ‬سابقة،‭ ‬وأثبتت‭ ‬أن‭ ‬قوتها‭ ‬في‭ ‬وحدتها،‭ ‬وأن‭ ‬وعي‭ ‬شعبها‭ ‬هو‭ ‬خط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأول‭. ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬منع‭ ‬الشائعات‭ ‬بالكامل،‭ ‬لكن‭ ‬يمكن‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬تأثيرها،‭ ‬وهذا‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬فرد،‭ ‬من‭ ‬قراره‭ ‬البسيط‭: ‬هل‭ ‬أنشر‭ ‬هذا‭ ‬الخبر‭ ‬أم‭ ‬أتأكد‭ ‬منه؟‭ ‬هل‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬التهدئة‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬التصعيد؟‭ ‬هذه‭ ‬القرارات‭ ‬الصغيرة‭ ‬تصنع‭ ‬فارقًا‭ ‬كبيرًا‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬تبقى‭ ‬الحقيقة‭ ‬واضحة،‭ ‬الأزمات‭ ‬تمر،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يبقى‭ ‬هو‭ ‬أثر‭ ‬تصرفاتنا‭ ‬خلالها‭. ‬إما‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الحل،‭ ‬أو‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬المشكلة‭. ‬وفي‭ ‬البحرين،‭ ‬حيث‭ ‬الوعي‭ ‬متجذر،‭ ‬والولاء‭ ‬راسخ،‭ ‬يبقى‭ ‬الرهان‭ ‬دائمًا‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬البحريني‭.‬

إننا‭ ‬بوعينا‭ ‬نرتقي‭ ‬وبمسؤوليتنا‭ ‬نحمي‭ ‬وطننا‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا