أدت الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من ناحية وإيران من ناحية ثانية إلى بروز أزمة حقيقية في الطاقة، لا ترتبط فقط بموضوع ارتفاع الأسعار الذي له علاقة مباشرة بمنطق العرض والطلب، بل في تأمين الطاقة إلى دول العالم كافة. فالطاقة هي المحرك الأساسي للحياة الاجتماعية والصناعية والتجارية واللوجستية والصحية والتعليمية وغيرها، فإذا تعطلت تعطل معها كل قطاع من قطاعات الحياة.
وهذا يطرح سؤالين مهمين:
الأول: إلى أين تتجه أزمة الطاقة في ظل هذه الظروف والأوضاع؟ والثاني: كيف ستتعامل دول الخليج معها في المستقبل المنظور؟.
للإجابة عن السؤالين لا بد من العودة إلى التقارير المختصة في هذا المجال فالتقارير الحالية تشير إلى أن أزمة الطاقة العالمية دخلت مرحلة حرجة نتيجة اندلاع صراع عسكري مباشر شمل ضربات جوية واسعة النطاق إضافة إلى غلق إيران لمضيق هرمز غلقا شبه كامل مما يعيق تدفق الطاقة نحو الشرق والغرب والشمال والجنوب. هذا الصراع أدى إلى شلل شبه كامل في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، مما وضع أمن الطاقة العالمي أمام تحديات هيكلية غير مسبوقة.
وتتجه الأزمة نحو حالة من «عدم اليقين المزمن» مع احتمالية حدوث ركود اقتصادي عالمي. أبرز ملامح المسار الحالي:
{ انقطاع سلاسل الإمداد: تعطل خُمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالمياً، خاصة بعد ضربات استهدفت محطة «رأس لفان» القطرية، مما أدى إلى ارتفاعات قياسية في أسعار الغاز في أوروبا وآسيا.
{ ضغوط الأسعار: حيث تشير أغلب التوقعات أكثرها تفاؤلا أن أسعار النفط قد تقترب من 150 دولارا في حال مواصلة الحرب، مع احتمالية القفز لمستويات أعلى في حال استمرار إغلاق المضيق.
{ تراجع الإنتاج الإقليمي: انخفض إنتاج النفط في العراق وفي بلدان مجلس التعاون وتأثرت أنشطة الحفر في معظم دول الخليج نتيجة التوترات الأمنية.
لمواجهة هذه الأزمة الخانقة تعمل دول الخليج العربية على تبنى استراتيجية تقوم على محاولة عدم التورط في هذه الحرب المفروضة عليها ومحاولة تحييد الاقتصاد عبر المسارات جديدة مثل البدائل اللوجستية الفورية بالاعتماد المكثف على خط أنابيب شرق-غرب في السعودية (ينقل 7 ملايين برميل يومياً إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر) للالتفاف على مضيق هرمز، إضافة إلى دراسة بناء خطوط أنابيب جديدة عابرة للحدود لتأمين وصول النفط والغاز إلى الأسواق العالمية بعيداً عن نقاط الاختناق.
هذا فضلا عن استمرار انتهاج سياسة «ضبط النفس» لتجنب الانجرار لمواجهة إقليمية شاملة كما تريده إيران وإسرائيل بوجه خاص. بالرغم مما تتعرض له بلداننا من الاعتداءات الإيرانية الآثمة فإنها تحاول ضبط النفس وعدم الرد.
وفي خط مواز تعمل دولنا على دعم التحركات الدولية لضمان حرية الملاحة، والعمل على تحصين الداخل بالتركيز على حماية منشآت الطاقة الحيوية من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة التي باتت تستهدف البنية التحتية النفطية بشكل مباشر.
لقد أدت الحرب إلى تسريع تحولات كانت في الأوضاع العادية سوف تستغرق سنوات عديدة من بينها على وجه الخصوص: إعادة رسم خريطة التصدير: التحول من الاعتماد على الناقلات البحرية عبر المضائق إلى الاستثمار في «أنابيب الطاقة البرية» كضرورة أمنية قصوى. والعمل على تسريع الطاقة البديلة: زيادة الاستثمارات في الطاقة المتجددة (الشمسية والرياح) كبديل استراتيجي لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد من مناطق النزاع في مختلف أرجاء العالم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك