تمثل الولايات المتحدة السند الدولي الأكثر أهمية لـ«إسرائيل»، ومع أن تيارا هامشيا في الفكر السياسي الأمريكي كان يُطل بين الحين والآخر ولو بخجل شديد ليلقي بعض النقد على هذه العلاقة، إلا أن العلاقة بقيت تتطور باطراد واضح رغم بعض التلكؤ أحيانا كما جرى خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، أو في فترة جون كينيدي حول البرنامج النووي الإسرائيلي، أو خلال فترة ضرب العراق لـ«تل أبيب» بالصواريخ خلال أزمة الكويت ..إلخ، لكن هذه «الأحداث» لم تعطل الاتجاه التاريخي لتنامي العلاقات الأمريكية الإسرائيلية لتصبح علاقة استراتيجية وثيقة.
لكن صدور الكتاب المهم جدا وعنوانه «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية» The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy» عام 2007، والذي ألفه اثنان من أبرز منظري العلاقات الدولية المعاصرين وهما جون ميرشايمر John Mearsheimer (جامعة شيكاغو) و ستيفن والت Stephen Walt (جامعة هارفارد)شكل نقلة «فكرية» مهمة رغم الهجوم الحاد والمتتالي على المؤلفين من أنصار اللوبي اليهودي (آيباك وحلفاؤها)، فالكتاب يرى أن اللوبي الإسرائيلي يقود السياسة الأمريكية باتجاهات ليست في مصلحة أمريكا، وأن «إسرائيل» تحولت من عون للسياسة الأمريكية إلى عبء عليها، كما أن التقارب الأمريكي الإسرائيلي بفعل اللوبي ساهم في تشويه صورة الولايات المتحدة عالميا بسبب السياسات العنصرية الإسرائيلية التي تُحسب على الولايات المتحدة، إلى جانب أن امتلاك «إسرائيل» للسلاح النووي يمثل تحريضًا لدول المنطقة على مجاراتها في هذا الجانب لدواعيها الأمنية، وكل ذلك –حسب الكتاب – يضر المصالح الأمريكية.
ثم جاء طوفان الأقصى ليشكل تكثيفا لفكرة تحميل العالم أمريكا مسؤولية السلوك العنصري الإسرائيلي، وهو ما أكدته قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة وقرارات الهيئات القضائية الدولية، وامتد الأمر وبشكل متسارع وعريض إلى الرأي العام الدولي، وأصبحت «إسرائيل» مثالا على الإبادة الجماعية، لكن ذلك يمتد لاعتبار الولايات المتحدة شريكة لـ«إسرائيل» في صناعة هذا المشهد الأسود.
المرحلة الثالثة تتمثل في سياسات ترامب منذ اعترافه بالقدس عاصمة لـ«إسرائيل» وما تلا ذلك من سياسات مساندة لـ«إسرائيل» بشكل مطلق وبكيفية استفزت حتى بعض الدول الأوروبية.
أما المرحلة الرابعة فكانت مع الحربين على إيران خلال 2025 و2026 والتي شارك فيها ترامب نتنياهو، مما نتج عنه اضطراب واسع في علاقات الولايات المتحدة مع أقرب الحلفاء لها في الاتحاد الأوروبي أو الناتو أو كندا ...إلخ.
كل ذلك ترتبت عليه تداعيات تمثلت في أن الموقف من «إسرائيل» داخل الولايات المتحدة بدأ يعتريه التحول رغم أنها لا تزال علاقات قوية للغاية، وكما أقول دائما الظواهر الاجتماعية والسياسية لا تولد ناضجة، ولا تتطور خطيا بالضرورة، لكن الرصد لها يحتاج إلى استثمارها للإسراع في حركيتها وتطورها، لكن ذلك بحاجة إلى وعي وجودها وقانون صيرورتها.
رغم قوة العلاقة بين «إسرائيل» وأمريكا، لا بد من إدراك أن البراجماتية الأمريكية لا ترى ضيرا في التخلي عن الحلفاء إذا تناقصت المنفعة منهم (فأمريكا طردت تايوان من الأمم المتحدة وأقرت بمبدأ صين واحدة لمجرد مقايضة مع الصين خلال الحرب الفيتنامية)، وها هي تدير ظهرها لأوروبا بكل ما لأوروبا من وزن دولي. ذلك يعني ضرورة فهم مؤشرات التحول الأولية (دون مبالغة أو تمنيات)، ولكن للتفكير في كيفية استثمار هذه المؤشرات:
1- التناقص الواضح والمتواصل في تأييد التيار الديمقراطي الأمريكي للحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، فنسبة المعارضة للحرب على إيران حاليا من هذا التيار تتراوح طبقا لاستطلاعات الرأي الأمريكية المعروفة بين 82-92%.
2- تسارع تناقص التأييد لـ«إسرائيل» بين الشباب الأمريكي، فتأييد الحرب مع إيران بين من هم بين 18-30 سنة لم يتجاوز 23%، وهؤلاء هم حكام المستقبل، أما من هم في أعمار فوق 65 فالتأييد بينهم 47% فقط.
3- بلغ معدل التأييد الشعبي من كل الأطياف الأمريكية لحرب «إسرائيل» وأمريكا على إيران بين 39 و42%، بينما المعارضة تراوحت بين 58 و61%.
4- يرى 44% من الأمريكيين أن المساعدات الأمريكية لـ«إسرائيل» أكثر مما يجب مقابل 5% فقط يرونها أقل مما يجب.
5- بروز «بعض بوادر» التذمر من السياسات الإسرائيلية بين اليهود الأمريكيين والمسيحيين الأمريكيين المعروفين بتأييدهم لـ«إسرائيل»، ولعل ظاهرة حاكم كاليفورنيا الحالي (جافن نيوسوم) والذي يحتمل أن يكون مرشحا للرئاسة الأمريكية عام 2028 دليل على ما نشير له، فقد تزايدت انتقاداته للسياسات الإسرائيلية، وبدأ يبدي بعض النقد للسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط بل بدأ يحرض أوروبا على ترامب، مع ضرورة التنبه إلى أن كاليفورنيا هي أكبر ولاية أمريكية (39 مليون نسمة، وتمثل وحدها خامس أكبر اقتصاد في العالم بإجمالي ناتج محلي يصل إلى حوالي 4 تريليونات دولار).
6- تزايد ظهور واستضافة نقاد اللوبي الإسرائيلي على المواقع الإلكترونية والفضائيات الأمريكية وبقية وسائط التواصل الاجتماعي من مفكرين وممثلين وإعلاميين وسياسيين، وتقدر أحد الدراسات الجديدة أن مضمون النقد لدور اللوبي الصهيوني ارتفع منذ طوفان الأقصى والحربين على أيران بمعدل تجاوز 17%.
كل ما سبق، يحتاج إلى موقف عربي لاستغلال هذا الوضع لتعميقه،، وهذه المؤشرات تفتح فرصة للعرب بضرورة العمل على ربط حل القضية الفلسطينية بشكل عادل بالاستقرار في الشرق الأوسط، فهناك حاجة إلى استغلال بوادر هذا التحول الدولي ضد «إسرائيل» وتدعيمها.
{ أكاديمي فلسطيني مختص
في العلاقات الدولية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك