في الوقت الذي يعد العقار أكبر الأصول التي يمتلكها أغلب الأفراد، تشير الدراسات إلى أن ارتفاع دخل الأفراد في أي مجتمع يدفعهم إلى الإنفاق بصورة أكبر على جانبين أساسيين هما السفر والسكن. وهذا ما يعني أن وجود عدد أكبر من الأفراد يصنفون ضمن طبقة «الأجور المرتفعة»، يعني ارتفاعا في الطلب على العقارات، وهو ما يعني تبعا وجود دافع ومحفز لارتفاع الأسعار، الأمر الذي يستفيد منه أصحاب العقارات.
ولكن السؤال هنا، هل أن ارتفاع أسعار العقارات يعني دائمًا تحقيق أرباح؟
أسواق العقارات في عديد من دول العالم تشهد ارتفاعا مطردا في الأسعار. وهنا قد يعتقد المستثمرون العقاريون أن شراء العقار يضمن تحقيق أرباح مؤكدة على المدى القريب أو البعيد. ولكن في الواقع هذا التصور لا يعكس بالضرورة الصورة الواقعية للسوق العقاري، فالموضوع أكثر تعقيدا من ذلك وأكثر تداخلا في العوامل الاقتصادية والاجتماعية وحتى السلوكية. بل إن ارتفاع أسعار العقارات الذي يُنظر إليه أحيانا كعلامة صحة اقتصادية وفرصة استثمارية، قد يتحول إلى نقمة تؤثر سلبًا في الأفراد والاقتصاد ككل.
بداية من المهم التمييز بين ارتفاع قيمة العقار في السوق، وبين تحقيق الربح الفعلي. فارتفاع الأسعار يعني أن القيمة السوقية للعقار قد زادت، لكن الربح الحقيقي لا يتحقق إلا عند البيع وبعد خصم جميع التكاليف المرتبطة بالعقار مثل رسوم الشراء والتسجيل وفوائد البنوك المترتبة على تكاليف التمويل وتكاليف الصيانة والتشغيل والضرائب وغيرها.
وهذا ما يعني أن سعر العقار قد يرتفع بنسبة 10%، ولكن بالمقابل قد تتجاوز التكاليف الإجمالية هذه النسبة، وبالتالي فإن المستثمر لن يحقق ربحًا فعليًّا.
هنا يبرز عامل مهم وهو التوقيت. فالسوق العقاري يمر بدورات صعود وهبوط، تُعرف بالدورات العقارية. والمستثمر الذي يدخل السوق في مرحلة الذروة عندما تكون الأسعار مرتفعة بالفعل، قد يواجه صعوبة في تحقيق أرباح، خصوصًا إذا تبع ذلك تصحيح سعري أو ركود.
وهناك جانب لا يقل أهمية وهو التضخم وما قد يمثله من تأثير خادع. حيث تكون زيادة الأسعار مدفوعة بالتضخم وليست زيادة حقيقية في القيمة. وهو ما يعني أن القوة الشرائية للنقود تنخفض، أي أن القيمة الفعلية للعقار لم تتغير كثيرًا، ولكن قد يبدو في الظاهر أن الأسعار قد ارتفعت وإنها فرصة لتحقيق مكاسب، وفي الواقع إن المستثمر بالكاد حافظ على قيمة أمواله، إن لم يكن قد خسر منها إذا ما كانت هناك تكاليف إضافية أو كانت نسبة انخفاض القيمة الشرائية كبيرة.
ومن العوامل التي تحدد ما إذا كان ارتفاع الأسعار يعني تحقيق أرباح، هو الموقع ونوع العقار. فليس كل العقارات ترتفع قيمتها بنفس الوتيرة، وإنما يرتبط الأمر بعدة عوامل منها: الموقع كالقرب من الخدمات والبنية التحتية، نوع العقار كأن يكون سكنيا أو تجاريا أو صناعيا، جودة البناء والتشطيبات، العرض والطلب في السوق.
وبالتالي قد ترتفع أسعار الشقق في منطقة معينة بسبب زيادة الطلب، بينما تبقى أسعار الفلل أو العقارات التجارية مستقرة أو حتى تنخفض. وهنا فإن اختيار نوع العقار والموقع يعد أساسيًا لتحقيق الربح.
العائد الإيجاري والتمويل
أضف إلى ما سبق، عاملا مهما هو العائد الإيجاري مقابل العائد الرأسمالي، فالاستثمار العقاري لا يعتمد فقط على ارتفاع السعر أو ما يعرف بالعائد الرأسمالي، بل أيضًا على الدخل الناتج عن الإيجار وهو العائد الإيجاري.
ففي بعض الحالات، قد يصاحب ارتفاع الأسعار انخفاض في العائد الإيجاري، نتيجة زيادة المعروض أو ضعف الطلب على الإيجارات. وهذا ما يعني أن المستثمر قد يملك عقارًا مرتفع القيمة، لكنه لا يدر دخلاً كافيًا لتغطية التكاليف.
بالعكس، قد تكون هناك عقارات لا ترتفع أسعارها كثيرًا، لكنها تحقق عائدًا إيجاريًا ثابتًا ومجزيًا، ما يجعلها استثمارًا أفضل على المدى الطويل.
من جانب آخر، يعد التمويل أحد المؤثرات الأساسية على الربحية. فالاعتماد على القروض العقارية مع ارتفاع أسعار الفائدة يؤدي إلى زيادة تكلفة التمويل، وانخفاض الطلب على الشراء، مع تراجع الأسعار في بعض الحالات. وفي حال كان العائد من العقار أقل من تكلفة القرض، فإن المستثمر قد يتعرض لخسائر، حتى لو ارتفعت قيمة العقار.
عامل آخر يعتبره الخبراء العقاريون مؤثرا في الأسعار والأرباح وهو سلوك المستثمرين. فحين ترتفع الأسعار، يتزايد الإقبال بدافع الخوف من (تفويت الفرصة)، ما يؤدي إلى مزيد من الارتفاع، وربما يقود إلى فقاعة. والكارثة تحدث عند أول إشارة للهبوط، حيث يحدث العكس ويتجه المستثمرون إلى البيع، ما يضغط على الأسعار ويؤدي إلى خسائر.
ومع وجود عوامل مصاحبة تتحكم هي الأخرى في الأرباح مثل أسعار النفط وحجم الاستثمارات الأجنبية والسياسات الحكومية المتعلقة بالإسكان. فإن الارتفاع في الأسعار لا ينعكس دائمًا على تحقيق أرباح للمستثمرين، خاصة في ظل زيادة المعروض في بعض القطاعات، مثل الشقق الفاخرة.
المخاطر الخفية
الى جانب هذه العوامل التي تتحكم في مدى تحقيق أرباح من العقارات، هناك مجموعة من المخاطر تلعب هي الأخرى دورا في هذا الجانب، بل قد تحول الارتفاع الحالي إلى خسارة مستقبلية، والكثير من المستثمرين قد لا ينتبهون لها، ومن ذلك:
- الفقاعات العقارية، فعندما ترتفع الأسعار بشكل مبالغ فيه دون مبررات اقتصادية حقيقية، لا يكون السوق في الوضع الأمثل للاستثمار.
- تغير التشريعات مثل فرض ضرائب جديدة أو قيود على التملك.
- التغيرات الاقتصادية كارتفاع أسعار الفائدة، مما يقلل من القدرة الشرائية ويؤثر في الطلب.
- زيادة المعروض مقابل الطلب، مثل دخول مشاريع جديدة قد يؤدي إلى انخفاض الأسعار أو حتى ركود السوق في بعض الأحيان.
بين الإيجاب والسلب
أمام ما سبق، متى يكون ارتفاع الأسعار مؤشرًا جيدًا؟ ومتى يكون نذيرا بالمخاطر؟
بشكل عام، ارتفاع الأسعار قد يكون مؤشرًا إيجابيا إذا كان مدفوعًا بعوامل حقيقية مثل نمو اقتصادي مستدام، وزيادة عدد السكان، وتطوير البنية التحتية، مع ارتفاع مطرد في الطلب الفعلي.
في هذه الحالة، يكون الارتفاع أكثر استقرارًا، ويزيد من فرص تحقيق أرباح حقيقية. لذلك، فإن اتخاذ قرار الاستثمار يجب أن يكون مبنيًا على دراسة دقيقة وتحليل شامل، وليس فقط على ملاحظة اتجاه الأسعار، حتى لا تتحول فرص الربح إلى مصدر خسارة بسبب عدم التعامل معه بوعي واحترافية. فالمسألة ليست في الارتفاع نفسه، بل في أسبابه وسرعته وانعكاساته.
وهذا ما يقودنا الى الشق الثاني من السؤال، متى يكون الارتفاع نقمة وليس نعمة، ومصدر قلق وخسارة بدلا من أن يكون مكسبا؟
هناك عدة مؤشرات لذلك، منها:
- ارتفاع الأسعار بشكل يفوق القدرة الشرائية ومعدل نمو دخل الأفراد. وبالتالي يصبح امتلاك منزل مثلا حلمًا بالنسبة إلى شريحة كبيرة من المجتمع خصوصًا للطبقة المتوسطة والشباب. وهذا ما يحول الأمر إلى مشكلة حقيقية لها تبعاتها الاجتماعية والاقتصادية.
- حدوث الفقاعة العقارية بسبب ارتفاع الأسعار دون مبررات اقتصادية حقيقية كأن تكون نتيجة المضاربة فقط. وهنا تكون الأسعار وهمية، وأي هزة بسيطة في السوق قد تؤدي إلى انهيار مفاجئ يسبب خسائر حادة كما حدث في أزمات عالمية سابقة.
- الإضرار بالاقتصاد العام بسبب الارتفاع الكبير في أسعار العقارات. حيث يتبع ذلك رفع تكلفة المعيشة بشكل عام، وزيادة تكاليف الشركات مثل الإيجارات، مع تقليل جاذبية الدولة للاستثمار. أي أن السوق العقاري المرتفع بشكل مبالغ قد يخنق قطاعات أخرى.
وتزداد المشكلة عندما يكون الارتفاع مدفوعًا بالتضخم فقط وليس زيادة في القيمة الفعلية.
- ركود السوق بسبب الأسعار المرتفعة وتناقص عدد المشترين، ما يقود إلى تباطؤ في عمليات البيع، وتراكم المعروض غير المباع. وبالتالي يكون العقار مرتفع القيمة نظريًا لكنه غير قابل للبيع بسهولة، وبالتالي لا يحقق أرباحًا حقيقية.
- الاعتماد على التمويل المفرط من قبل المشترين، فارتفاع أسعار الفائدة مثلا يؤدي إلى زيادة مشاكل التسديد وتعثر بعض المقترضين مع ضغط نزولي على الأسعار لاحقًا.
- تآكل العائد الإيجاري نتيجة ارتفاع الأسعار بشكل يفوق الإيجارات، فينخفض العائد لأن المستثمر يمتلك عقارًا مرتفع السعر ولكن دخله ضعيف وقد لا يغطي حتى التكاليف.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك