هل من الحكمة الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي بشكل كامل في اتخاذ قرارات كبيرة مثل الدخول في استثمار محدد او شراء عقار؟
سؤال يجيبنا عنه الخبير العقاري أشرف علام، موضحا أن هناك قلقا متزايدا من اعتماد بعض الأفراد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات الحساسة وعلى رأسها شراء العقارات وسوق الأسهم والعملات الرقمية، بل إن بعض الناس يستخدمونه كطبيب، يطلبون منه وصف أدوية لهم.
وبالتالي هناك من يلجأ إلى هذه الأدوات بشكل مباشر لاتخاذ قرارات كبيرة، رغم أن هذه الأنظمة لا تمتلك عقلًا مستقلًا للتفكير، ولا خبرة ميدانية حقيقية في المجالات التي تُسأل عنها.
ويضيف: الذكاء الاصطناعي يعتمد في إجاباته على معلومات عامة ومصادر متفرقة، قد تشمل مناطق وأسواقًا مختلفة، ثم يعيد تقديمها للمستخدم على أنها معلومات دقيقة ومباشرة تتعلق بالسوق الذي يستفسر عنه الفرد. ولكن هذه الآلية قد تؤدي إلى خلط في السياق وفهم غير دقيق للواقع الفعلي للسوق.
وهنا يجب ان نحذر مما يمكن تسميته بنزعة «الموافقة التلقائية» لدى هذه الأنظمة، حيث إنها قد تميل إلى تأييد المستخدم حتى في حال كان رأيه غير دقيق. فمثلا إذا اعترض المستخدم على إجابة ما، قد يجد النظام يتراجع بسهولة ويؤكد له أنه على صواب، وهو ما يثير تساؤلات حول موثوقية هذه الإجابات في القرارات المصيرية.
وبالتالي فإن الخطورة تكمن في تطبيق هذا النوع من الاعتماد على واحدة من أهم وأعلى القرارات المالية في حياة الفرد مثل شراء عقار، من دون الرجوع إلى خبرات ميدانية أو مصادر موثوقة ومتخصصة، وهو ما قد يعرّض المستثمرين لمخاطر كبيرة.
ويستشهد علام بنماذج واقعية قائلا: قبل أيام وصلني بريد إلكتروني من أحد المتابعين يطلب مشورتي في أفضل طريقة للخروج من مشكلة وقع فيها. وخلاصة المشكلة أنه حاول ان يتصرف بذكاء ويشتري من خلال ChatGPT بدلًا من الاتصال بالوسيط العقاري، واقنع نفسه بأن الذكاء الاصطناعي لا مصلحة له وسيخبره بالتفاصيل بكل حياد وبشكل صحيح.
وبالفعل قام بالشراء، ولكن سرعان ما وقعت له مشكلة كبيرة، ولا يزال حتى الآن لا يعرف كيف يخرج منها بعد ان اتضح أن المطور يواجه بالأساس مشكلة قانونية تتعلق بالتصريح. وهذا ما يعني ان الموضوع أصبح خطيرًا جدًا.
ويتابع الخبير العقاري أشرف علام: أول ما يجب أن تفهمه عن هذا الموضوع هو أن الذكاء الاصطناعي عبارة عن نموذج لغوي لا علاقة له باتخاذ القرارات. لا يمتلك عقلًا يفكر به، ولا يمتلك خبرة ميدانية في أي مجال تسأله عنه. هو يقرأ مليارات المقالات أو الصفحات الموجودة على الإنترنت، ويستخرج منها إجابة لسؤالك ويقدمها لك بشكل مقنع جدًا وجميل ومنظم، فتصدقه بسهولة.
ولو أخذنا مجال العقارات كمثال، إذا سألته عن أفضل عقار للاستثمار أو أفضل منطقة للاستثمار، فإنه قد يأخذ معلومات عامة عن التقارير السابقة حول المنطقة ويعرضها لك من دون أن يعرف ما يحدث فعليًا في المنطقة.
والأخطر من ذلك هو أنه يوافقك على أي شيء تقوله. فمثلا يعني لو قال لك شيئًا واعترضت، ستجده يقول لك: نعم، كلامك صحيح، وأنا مخطئ. حتى لو كان كلامك خطأ.
وبالتالي أنت تضع نفسك في مشاكل كبيرة عندما تعتمد عليه في أمور الاستثمار، وخصوصًا أننا نتحدث هنا عن أموال واستثمارات.
نعم يمكن استخدامه كمكتبة ضخمة، فيها كل كتب العالم، تستخرج منها المعلومات، يختصر لك الأفكار، ينظمها، أو يساعدك في وضع خطة. وإذا أعطاك آراء في مجال العقارات، خذ هذه الآراء واحتفظ بها، ثم تحدث مع أشخاص موجودين على أرض الواقع، وناقشهم فيها. قل لهم: سمعت كذا وكذا.
وبشكل عام، حتى من دون الذكاء الاصطناعي، دائما ننصح بأن لا تستمع لطرف واحد فقط. فالأفضل أن تتحدث مع ثلاثة مسوقين عقاريين على الأقل، ولا بأس أن تأخذ رأي الذكاء الاصطناعي أيضًا، ثم تقارن بينهم، وترى نقاط الاتفاق، وتتحقق بنفسك.
والأمر الآخر، طالما أنك ستأخذ آراء من الإنترنت أو وسائل التواصل، يجب أن تبحث عن الآراء السلبية، وليس الإيجابية فقط. لأن الآراء الإيجابية قد تكون مدفوعة أو مكتوبة لأغراض تسويقية.
وبالتالي نعيد التأكيد: لا ترتكب هذا الخطأ، لا تعتمد على الذكاء الاصطناعي فقط أو على طرف واحد.
واستعرض علام تجربة قام بها مع ChatGPT حيث سأله عن أفضل استثمار في العاصمة الإدارية بمصر. وكان الجواب «لا يوجد مشروع هو الأفضل بشكل مطلق، بل الأفضل لك بحسب هدفك». وهو رد متوازن وصحيح. ولكن المشكلة في الإضافة:
«العاصمة الإدارية من أهم مناطق الاستثمار بسبب انتقال الحكومة والبنوك والبنية التحتية الحديثة» وذكر أن العائد يصل إلى 12%–18% سنوياً! وأن التأجير سيكون سريعاً!
وهنا يجب أن نتوقف، فعن أي عائد يتحدث؟ هل تم تسليم المشاريع أصلاً؟ هل هناك أحد يتسلم أرباحاً؟ الواقع أن العاصمة الإدارية لم يتم تشغيلها بالكامل ولا توجد خدمات مكتملة، وهذه النسب التي ذكرها تخص المكاتب والمحلات، وهو لم يوضح ذلك.
بل أنه رشّح مشاريع محددة هي أيضاً لم تُسلّم بعد. وعندما سأله عن مواعيد التسليم، قال إن بعضها قريب من التشغيل بين 2024 و2026، والبعض الآخر في 2026، ومع ذلك ينصح بالشراء السريع وإعادة البيع!. ما يعني أنه كلام متناقض وغير دقيق.
وبالتالي الفكرة أشبه هنا بشخص يُغرقك بالمعلومات التي لا يمكن الاعتماد عليها. فالموضوع أكبر بكثير من مجرد «كم أملك من المال وأين أضعه».
ويختتم محثنا بالتشديد على ضرورة الحذر والمحافظة على أموالك، لأن الأسواق العقارية أصبحت خطيرة جدا في أي مكان في العالم.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك