لا شك أن الإعلانات العقارية من أهم أدوات التسويق في السوق العقارية. ولكن احذر، فقد تتحول هذه الأداة إلى أداة تضليل وتزييف للمعلومات، وهي بذلك لا تضر المستهلك فقط، بل تمتد آثارها إلى الإخلال بثقة السوق وتقويض الشفافية بين أطراف المعاملات العقارية.
يعرف الإعلان العقاري المضلل بأنه كل إعلان يحتوي على معلومات خاطئة أو غير دقيقة عن عقار أو مشروع، بحيث تؤثر تلك المعلومات في قرار المستهلك.
ويتضمن ذلك أسعارا غير حقيقية أو منخفضة بشكل جاذب بهدف جذب المشترين رغم عدم نية المالك البيع بهذا السعر، صور معدّلة أو غير حقيقية تُخفي عيوب العقار أو تضخم مظهره، ادعاءات غير دقيقة عن مساحة العقار أو موقعه أو المزايا الحقيقية له.
ونظرا إلى خطورة مثل هذا النوع من الإعلانات، اتجهت تشريعات العديد من الدول لمنع الإعلانات العقارية المضللة بشكل صريح. ففي عديد من الولايات الأمريكية تجرّم الإعلانات التي تقلل السعر دون وجه حق أو تُخفي حقائق أساسية، وقد تصل العقوبات إلى تعليق الترخيص. وفي أستراليا تحظر القوانين الإعلانية التضليل في التسويق العقاري، مثل تحذير السلطات من استخدام أسعار «جاذبة» لا تعكس السعر الحقيقي.
وفي السعودية مثلاً، رصدت هيئة العقار حوالي 118 ألف إعلان عقاري مخالف، وأكدت أن التوصيات المضللة في الإعلانات تمثل أحد أهم التحديات التي تواجه سوق العقار وتؤثر في ثقة المشترين.
وفي أستراليا وجدت دراسة حديثة أن كثيرا من المشترين واجهوا تكتيكات مضللة مثل تقديرات أسعار خاطئة أو صور معدلة، وأكد خبراء أن هذا يدفع المشترين للبحث عن مصادر مستقلة للتحقق من المعلومات قبل اتخاذ قرار الشراء.
في البحرين، وعلى الرغم من أن قانون رقم (27) لسنة 2017 بتنظيم القطاع العقاري لا يتناول بالتفصيل الإعلانات المضللة في نصه الأساسي، إلا أن مؤسسة التنظيم العقاري أصدرت ضوابط تنظيمية ملزمة لمكاتب التسويق العقاري في خطوة ملموسة للحد من هذه الممارسات هذه الضوابط بما يواكب أفضل الممارسات العالمية في حماية حقوق كل الأطراف، وضمان بيئة استثمارية شفافة. وتشمل الضوابط:
* الشفافية والصدق وإلزام المعلنين بتقديم معلومات دقيقة عن العقار وعدم إخفاء أي عنصر جوهري.
* توثيق الإعلان واشتراط الحصول على موافقة المالك قبل عرض العقار في أي وسيلة إعلامية أو إعلانية.
* استخدام صور حقيقية وحديثة، مع منع الصور المعدّلة.
* تضمين رمز الاستجابة (QR Code) الصادر من المؤسسة (RERA) والذي يربط بإجراءات موثوقة عن العقار لتمكين المستهلك من الاطلاع على بيانات الترخيص وتفاصيل العقار.
* تحديث البيانات وإزالة الإعلان فور انتهاء الغرض منه أو انتهاء مدة التعاقد.
والسؤال هنا: ما الأضرار والانعكاسات السلبية التي يمكن أن تسببها هذه الإعلانات؟
المتخصصون والوسطاء والمستثمرون المحترفون يشددون على أن الاعتماد على الإعلانات غير الدقيقة قد يقود المشترين إلى التعامل مع أطراف غير موثوقة أو حتى محتالين. والخطورة تكمن في أن الأمر لا يقتصر على خداع العملاء، بس يمتد الى خسائر اقتصادية واجتماعية أيضا، ومن ذلك:
- التأثير في القرارات، فطريقة تقديم المعلومات في الإعلان تؤثر في كيفية تقييم المشتري لها. إذا عرض الإعلان بشكل إيجابي جدًا، يميل المشتري لتقدير العقار أعلى من قيمته الحقيقية، أما الإعلان السلبي فيقلل من الاهتمام حتى لو كانت الصفقة جيدة فعليًا.
- الخسائر المالية للمستهلكين: فالمشتري الذي يعتمد على الإعلان المضلل قد يدفع مبلغًا أكبر من القيمة الفعلية للعقار، أو قد يضطر الى تحمل تكاليف إضافية للصيانة وإصلاحات غير متوقعة بعد الشراء. وبالتالي فإن الخسائر المالية لا تتوقف عند السعر بل تمتد إلى خسارة فرص استثمارية أفضل.
فضلا عن أن الإعلانات غير الدقيقة قد تدفع المشتري إلى عرض سعر أعلى مما يستحق العقار فعليًا، أو توقيع عقد على أساس معلومات غير كاملة عن المخاطر أو التراخيص.
- التأثير في الثقة في السوق وزيادة عدم اليقين والمخاطر. فعند مواجهة معلومات متضاربة بين الإعلان والواقع، يشعر المشتري بعدم الثقة في السوق كلها، وقد يتأخر في اتخاذ القرار أو ينسحب كليًا من عملية الشراء نتيجة عدم وضوح المعلومات.
وعندما تنتشر قصص الإعلانات المضللة، يتردد المتعاملون في اتخاذ قرار الشراء أو يعمدون إلى التقليل من قيمة السوق ككل، ما يبطئ حركة السوق ويثقل كاهل الوسطاء والمطورين الشرعيين.
- ارتفاع نسبة المنازعات القانونية العقارية. لأن كثيرا من عمليات البيع تنتهي في المحاكم بسبب خلافات بين المشتري والبائع، وسببها غالبًا معلومات مضللة أو غير دقيقة وردت في الإعلان.
- تشويه سمعة المهنة والعاملين فيها مثل الوسطاء، وبالتالي فإن العاملين الموثوقين في القطاع العقاري سيدفعون ثمن تعرض سوقهم لتحريف المعلومات، ما يجعل التعامل مع الوسيط العقاري محل شبهة لدى الجمهور.
من هنا يؤكد العقاريون أن الإعلانات العقارية المضللة لم تعد مجرد أداة تسويقية غير أخلاقية، بل تشكل خطرًا حقيقيًا على المستهلك وعلى سوق العقار بأكمله. ويبقى التحدي الحقيقي في تنفيذ النصوص القانونية ومراقبة السوق باستمرار، لأن السوق العقارية بشكل خاص يحتاج إلى قد كبير من الشفافية والضوابط وإنفاذ القانون لضمان وجود الثقة بين المستهلك والمهني العقاري.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك