العدد : ١٧٥٤٨ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٤٨ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

بخير يا البحرين.. رغم الأزمات والتحديات

بقلم: نبيلة رجب

الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

سيأتي‭ ‬يوم‭ ‬نجلس‭ ‬فيه‭ ‬ونتذكر‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬بتلك‭ ‬الدهشة‭ ‬الممزوجة‭ ‬بالفخر‭. ‬كيف‭ ‬مررنا‭ ‬بكل‭ ‬هذا‭ ‬وبقينا‭ ‬على‭ ‬قلب‭ ‬واحد،‭ ‬ملتفين‭ ‬حول‭ ‬بعضنا‭ ‬كأن‭ ‬ما‭ ‬بيننا‭ ‬أمتن‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬عاصفة،‭ ‬شعب‭ ‬واحد‭ ‬تجمعه‭ ‬أرض‭ ‬واحدة‭ ‬وهمّ‭ ‬واحد‭ ‬ومصير‭ ‬واحد‭. ‬المحرق‭ ‬بعبقها‭ ‬الأصيل،‭ ‬والمنامة‭ ‬بصخبها‭ ‬الأليف،‭ ‬والرفاع‭ ‬بهدوئها‭ ‬الذي‭ ‬يشبه‭ ‬أهلها،‭ ‬وسترة‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬رائحة‭ ‬البحر‭ ‬في‭ ‬حجارتها،‭ ‬كل‭ ‬واحدة‭ ‬منها‭ ‬قصة،‭ ‬وكلها‭ ‬معاً‭ ‬وطن‭ ‬لا‭ ‬يتشقق‭.‬

البحريني‭ ‬ركب‭ ‬البحر‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يركب‭ ‬غيره،‭ ‬خرج‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬تاجراً‭ ‬وغواصاً‭ ‬وبحاراً،‭ ‬وعاد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬بشيء‭ ‬أثمن‭ ‬من‭ ‬اللؤلؤ،‭ ‬معرفة‭ ‬أن‭ ‬أرضه‭ ‬تستحق‭ ‬العودة‭ ‬إليها‭. ‬وتعلّم‭ ‬منه‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تعلّمه‭ ‬الكتب‭ ‬ولا‭ ‬أرقى‭ ‬جامعات‭ ‬العالم،‭ ‬أن‭ ‬الموجة‭ ‬مهما‭ ‬اشتدت‭ ‬تنكسر‭ ‬وتعود،‭ ‬والذي‭ ‬يبقى‭ ‬هو‭ ‬الأرض‭. ‬رجالنا‭ ‬غاصوا‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬البحر‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬لؤلؤة‭ ‬واحدة،‭ ‬وصبروا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يصبر‭ ‬عليه‭ ‬غيرهم،‭ ‬ونساؤنا‭ ‬انتظرن‭ ‬على‭ ‬الشاطئ‭ ‬وفي‭ ‬قلوبهن‭ ‬من‭ ‬اليقين‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬لإضاءة‭ ‬البيت‭ ‬حين‭ ‬يعود‭ ‬الغائب‭. ‬هذه‭ ‬الجزيرة‭ ‬عاشت‭ ‬أزمنة‭ ‬أصعب‭ ‬وخرج‭ ‬أهلها‭ ‬منها‭ ‬وفي‭ ‬عيونهم‭ ‬لمعة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إخفاؤها‭. ‬وما‭ ‬يجري‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬حولها،‭ ‬مهما‭ ‬ثقل،‭ ‬سيمر‭ ‬كما‭ ‬مر‭ ‬ما‭ ‬قبله‭.‬

قبل‭ ‬أسبوع‭ ‬جلسنا‭ ‬في‭ ‬مقهى‭ ‬بمجمع‭ ‬السعادة‭ ‬في‭ ‬المحرق،‭ ‬أنا‭ ‬وصديقاتي‭ ‬القادمات‭ ‬من‭ ‬المنامة‭ ‬وسترة‭ ‬والرفاع‭. ‬اشتقنا‭ ‬لتلك‭ ‬الجلسة‭ ‬الأسبوعية‭ ‬التي‭ ‬تعودناها،‭ ‬فقررنا‭ ‬أن‭ ‬نعود‭ ‬إليها‭.‬

‭ ‬طلبت‭ ‬مشروب‭ ‬كابتشينو‭ ‬extra‭ ‬hot‭ ‬كما‭ ‬اعتدت‭ ‬دائماً،‭ ‬وجلسنا‭ ‬نتحدث‭ ‬كما‭ ‬كنا‭ ‬نتحدث،‭ ‬بتلك‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬تمزج‭ ‬فيها‭ ‬النساء‭ ‬الهمّ‭ ‬بالضحكة‭ ‬والقلق‭ ‬بالأمل‭. ‬وبينما‭ ‬كانت‭ ‬القهوة‭ ‬تجمعنا،‭ ‬أدركنا‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يجمعنا‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬الجلسة،‭ ‬وطن‭ ‬واحد‭ ‬يسكن‭ ‬في‭ ‬صدورنا‭ ‬جميعاً‭ ‬بنفس‭ ‬الدفء‭.‬

وبين‭ ‬فنجان‭ ‬وآخر‭ ‬اكتشفنا‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬واحدة‭ ‬منا‭ ‬لم‭ ‬تخزن‭ ‬طعاماً،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬البعض‭ ‬يملأون‭ ‬بيوتهم‭ ‬بالمؤن‭. ‬وأشارت‭ ‬إحداهن‭ ‬ضاحكة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬والدتها‭ ‬خزّنت‭ ‬عشرين‭ ‬جونية‭ ‬رز‭ ‬تحسباً‭ ‬لانقطاع‭ ‬المؤن،‭ ‬وأن‭ ‬الجيران‭ ‬كانوا‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬يُحضرون‭ ‬مولدا‭ ‬كهربائيا‭ (‬جنيريتور‭) ‬جديد‭ ‬احتياطاً،‭ ‬ونحن‭ ‬لم‭ ‬نفعل‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬هذا‭. ‬نظرنا‭ ‬إلى‭ ‬بعضنا‭ ‬وتساءلنا‭: ‬ليش؟‭ ‬

ضحكنا‭ ‬وقلنا‭ ‬ربما‭ ‬التجارب،‭ ‬وربما‭ ‬الإيمان‭ ‬بهذا‭ ‬البلد‭ ‬وناسه‭ ‬وقادته‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬منحنا‭ ‬تلك‭ ‬الطمأنينة‭ ‬التي‭ ‬سمعناها‭ ‬من‭ ‬جهات‭ ‬الاختصاص‭. ‬وفي‭ ‬النهاية‭ ‬قالتها‭ ‬إحدانا‭ ‬بثقة،‭ ‬أهل‭ ‬البحرين‭ ‬ما‭ ‬خُلقوا‭ ‬للهلع‭.‬

وهذا‭ ‬الإيمان‭ ‬عمره‭ ‬عمر‭ ‬هذه‭ ‬الأرض،‭ ‬ورثناه‭ ‬كما‭ ‬ورثنا‭ ‬لهجتنا‭ ‬وطعامنا‭ ‬وطريقة‭ ‬ترحيبنا‭ ‬بالضيف‭. ‬البحريني‭ ‬يفتح‭ ‬بيته‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تطلب،‭ ‬ويمد‭ ‬يده‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تسأل،‭ ‬والغريب‭ ‬الذي‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬يحسّ‭ ‬بهذا‭ ‬فوراً،‭ ‬قلبه‭ ‬يطمئن‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يفكر‭.‬

وهذا‭ ‬الخُلق‭ ‬تجده‭ ‬على‭ ‬موائدنا‭ ‬أيضاً،‭ ‬المائدة‭ ‬البحرينية‭ ‬لها‭ ‬باب‭ ‬مفتوح‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬يصل‭. ‬المجبوس‭ ‬يُطبخ‭ ‬ويكفي،‭ ‬وتذهب‭ ‬منه‭ ‬‮«‬نغصة‮»‬‭ ‬للجار‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يسأل،‭ ‬والحلوى‭ ‬البحرينية‭ ‬تُقدَّم‭ ‬للغريب‭ ‬كما‭ ‬تُقدَّم‭ ‬للصديق‭ ‬القديم،‭ ‬وخبز‭ ‬الرقاق‭ ‬الذي‭ ‬تعجنه‭ ‬جداتنا‭ ‬بأيديهن‭ ‬يكفي‭ ‬دائماً‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬يطرق‭ ‬الباب‭. ‬عمال،‭ ‬ومستثمرون،‭ ‬مقيمون‭ ‬من‭ ‬جنسيات‭ ‬شتى،‭ ‬كلهم‭ ‬يحملون‭ ‬عن‭ ‬البحرين‭ ‬ذكرى‭ ‬واحدة،‭ ‬أن‭ ‬أهلها‭ ‬يجعلونك‭ ‬تشعر‭ ‬أنك‭ ‬في‭ ‬بيتك‭.‬

من‭ ‬يحمل‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬قلبه،‭ ‬أيامه‭ ‬القادمة‭ ‬أكرم‭ ‬مما‭ ‬مضى‭. ‬والقادم‭ ‬أجمل،‭ ‬وفي‭ ‬قلبي‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬يقين‭ ‬راسخ‭. ‬البحرين‭ ‬التي‭ ‬صنعت‭ ‬من‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬تاريخاً،‭ ‬ومن‭ ‬البحر‭ ‬رزقاً،‭ ‬ومن‭ ‬التنوع‭ ‬قوة،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تصنع‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬درساً‭ ‬يرويه‭ ‬الأبناء‭ ‬لأحفادهم‭.‬

‭ ‬سنعود‭ ‬إلى‭ ‬مقاهينا‭ ‬وأسواقنا‭ ‬ومجالسنا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬قلق،‭ ‬وستعود‭ ‬الابتسامة‭ ‬لوجوه‭ ‬كانت‭ ‬تحمل‭ ‬هموماً‭ ‬لم‭ ‬تُظهرها‭. ‬جيل‭ ‬يكبر‭ ‬اليوم‭ ‬ويرى‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬أهله،‭ ‬سيحمل‭ ‬ما‭ ‬رآه‭ ‬ويبني‭ ‬عليه‭. ‬والبلد‭ ‬الذي‭ ‬يُورث‭ ‬أبناءه‭ ‬هذه‭ ‬الروح‭ ‬يضمن‭ ‬أن‭ ‬غده‭ ‬أرسخ‭ ‬من‭ ‬حاضره‭ ‬وأجمل‭ ‬مما‭ ‬مضى‭.‬

وفي‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬أثبت‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منا‭ ‬أنه‭ ‬يعرف‭ ‬دوره‭. ‬الجندي‭ ‬في‭ ‬موقعه،‭ ‬والطبيب‭ ‬في‭ ‬مستشفاه،‭ ‬ورجل‭ ‬الأمن‭ ‬يحرس‭ ‬السكينة،‭ ‬والمواطن‭ ‬يكمل‭ ‬حياته‭ ‬بثقة‭ ‬من‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬وطنه‭ ‬يحميه‭. ‬وحين‭ ‬يكون‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬في‭ ‬مكانه،‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬الفوضى‭ ‬أرضاً‭ ‬تقف‭ ‬عليها‭. ‬هذا‭ ‬طبع‭ ‬أهل‭ ‬هذه‭ ‬البلد‭.‬

ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬آتٍ،‭ ‬وحين‭ ‬يأتي‭ ‬سنجلس‭ ‬كما‭ ‬جلسنا‭ ‬في‭ ‬مقهى‭ ‬المحرق،‭ ‬وربما‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬في‭ ‬مقهى‭ ‬حاجي‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬المنامة،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬ركن‭ ‬من‭ ‬أركان‭ ‬مدننا‭ ‬الجميلة‭ ‬بأهلها‭ ‬ولهجاتهم‭. ‬نشرب‭ ‬قهوتنا‭ ‬ونتذكر،‭ ‬ونقول‭ ‬لمن‭ ‬يسألنا‭ ‬كيف‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬الأيام؟‭ ‬نقول‭ ‬له‭: ‬كانت‭ ‬أيامًا‭ ‬اختبرت‭ ‬معدننا،‭ ‬فوجدناه‭ ‬أصلب‭ ‬مما‭ ‬ظننا‭. ‬بخير‭ ‬يا‭ ‬البحرين،‭ ‬وستبقين‭ ‬بخير‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا