سيأتي يوم نجلس فيه ونتذكر هذه الأيام بتلك الدهشة الممزوجة بالفخر. كيف مررنا بكل هذا وبقينا على قلب واحد، ملتفين حول بعضنا كأن ما بيننا أمتن من أي عاصفة، شعب واحد تجمعه أرض واحدة وهمّ واحد ومصير واحد. المحرق بعبقها الأصيل، والمنامة بصخبها الأليف، والرفاع بهدوئها الذي يشبه أهلها، وسترة التي تحمل رائحة البحر في حجارتها، كل واحدة منها قصة، وكلها معاً وطن لا يتشقق.
البحريني ركب البحر قبل أن يركب غيره، خرج إلى العالم تاجراً وغواصاً وبحاراً، وعاد في كل مرة بشيء أثمن من اللؤلؤ، معرفة أن أرضه تستحق العودة إليها. وتعلّم منه ما لا تعلّمه الكتب ولا أرقى جامعات العالم، أن الموجة مهما اشتدت تنكسر وتعود، والذي يبقى هو الأرض. رجالنا غاصوا في أعماق البحر بحثاً عن لؤلؤة واحدة، وصبروا على ما لا يصبر عليه غيرهم، ونساؤنا انتظرن على الشاطئ وفي قلوبهن من اليقين ما يكفي لإضاءة البيت حين يعود الغائب. هذه الجزيرة عاشت أزمنة أصعب وخرج أهلها منها وفي عيونهم لمعة لا يمكن إخفاؤها. وما يجري اليوم من حولها، مهما ثقل، سيمر كما مر ما قبله.
قبل أسبوع جلسنا في مقهى بمجمع السعادة في المحرق، أنا وصديقاتي القادمات من المنامة وسترة والرفاع. اشتقنا لتلك الجلسة الأسبوعية التي تعودناها، فقررنا أن نعود إليها.
طلبت مشروب كابتشينو extra hot كما اعتدت دائماً، وجلسنا نتحدث كما كنا نتحدث، بتلك الطريقة التي تمزج فيها النساء الهمّ بالضحكة والقلق بالأمل. وبينما كانت القهوة تجمعنا، أدركنا أن ما يجمعنا أعمق من الجلسة، وطن واحد يسكن في صدورنا جميعاً بنفس الدفء.
وبين فنجان وآخر اكتشفنا أن كل واحدة منا لم تخزن طعاماً، بينما كان البعض يملأون بيوتهم بالمؤن. وأشارت إحداهن ضاحكة إلى أن والدتها خزّنت عشرين جونية رز تحسباً لانقطاع المؤن، وأن الجيران كانوا كل يوم يُحضرون مولدا كهربائيا (جنيريتور) جديد احتياطاً، ونحن لم نفعل شيئاً من هذا. نظرنا إلى بعضنا وتساءلنا: ليش؟
ضحكنا وقلنا ربما التجارب، وربما الإيمان بهذا البلد وناسه وقادته هو الذي منحنا تلك الطمأنينة التي سمعناها من جهات الاختصاص. وفي النهاية قالتها إحدانا بثقة، أهل البحرين ما خُلقوا للهلع.
وهذا الإيمان عمره عمر هذه الأرض، ورثناه كما ورثنا لهجتنا وطعامنا وطريقة ترحيبنا بالضيف. البحريني يفتح بيته قبل أن تطلب، ويمد يده قبل أن تسأل، والغريب الذي وصل إلى هذه الأرض يحسّ بهذا فوراً، قلبه يطمئن قبل أن يفكر.
وهذا الخُلق تجده على موائدنا أيضاً، المائدة البحرينية لها باب مفتوح لكل من يصل. المجبوس يُطبخ ويكفي، وتذهب منه «نغصة» للجار قبل أن يسأل، والحلوى البحرينية تُقدَّم للغريب كما تُقدَّم للصديق القديم، وخبز الرقاق الذي تعجنه جداتنا بأيديهن يكفي دائماً لكل من يطرق الباب. عمال، ومستثمرون، مقيمون من جنسيات شتى، كلهم يحملون عن البحرين ذكرى واحدة، أن أهلها يجعلونك تشعر أنك في بيتك.
من يحمل هذا في قلبه، أيامه القادمة أكرم مما مضى. والقادم أجمل، وفي قلبي من هذا يقين راسخ. البحرين التي صنعت من اللؤلؤ تاريخاً، ومن البحر رزقاً، ومن التنوع قوة، قادرة على أن تصنع من هذه الأيام درساً يرويه الأبناء لأحفادهم.
سنعود إلى مقاهينا وأسواقنا ومجالسنا من دون أي قلق، وستعود الابتسامة لوجوه كانت تحمل هموماً لم تُظهرها. جيل يكبر اليوم ويرى ما فعله أهله، سيحمل ما رآه ويبني عليه. والبلد الذي يُورث أبناءه هذه الروح يضمن أن غده أرسخ من حاضره وأجمل مما مضى.
وفي تلك الأيام أثبت كل واحد منا أنه يعرف دوره. الجندي في موقعه، والطبيب في مستشفاه، ورجل الأمن يحرس السكينة، والمواطن يكمل حياته بثقة من يعرف أن وطنه يحميه. وحين يكون كل واحد في مكانه، لا تجد الفوضى أرضاً تقف عليها. هذا طبع أهل هذه البلد.
ذلك اليوم آتٍ، وحين يأتي سنجلس كما جلسنا في مقهى المحرق، وربما هذه المرة في مقهى حاجي في سوق المنامة، أو في أي ركن من أركان مدننا الجميلة بأهلها ولهجاتهم. نشرب قهوتنا ونتذكر، ونقول لمن يسألنا كيف كانت تلك الأيام؟ نقول له: كانت أيامًا اختبرت معدننا، فوجدناه أصلب مما ظننا. بخير يا البحرين، وستبقين بخير.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك