لم يكن مفاجئًا أن يفتح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بابًا للحوار ومساحة للدبلوماسية مع طهران بعد مرور أكثر من شهر على بدء الحرب مع إيران، لأن تفاصيل المشهد السياسي والميداني كانت تشير إلى أن الرئيس ترامب سيعمل على فتح المسار السياسي في ظل عدم قدرة إسرائيل والولايات المتحدة على توجيه «ضربة قاضية» لإيران.
فالحرس الثوري الإيراني لايزال يطلق الصواريخ الباليستية والكروز والصواريخ المجنحة، ولا يمر يوم من دون إطلاق طهران عشرات الطائرات المسيّرة الانتحارية «كاميكازي» من طراز شاهد. بل زاد الأمر تعقيدًا مع استخدام الصواريخ الإيرانية التي تحمل «رؤوسًا عنقودية»، إذ إن اعتراضها بات يسبب خسائر لا تقل عن وصولها إلى أهدافها.
وكان القضاء على البرنامج الصاروخي الإيراني يمثل «السقف الأدنى» في مستويات الأهداف الأمريكية التي أعلنها سيد البيت الأبيض في بداية الحرب، التي بدأت بالقضاء على البرنامج الصاروخي وصولًا إلى إسقاط النظام وتفكيك الدولة الإيرانية.
كما لم يعد أمام البيت الأبيض خيار آخر في ظل عدم التمكن حتى الان من القضاء على البرنامج النووي الإيراني، إذ يوجد نحو 440 كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، ولا تستطيع فرقة «دلتا» الأمريكية الحصول عليها أو حتى إتلافها رغم كل ما يُقال عنها.
وتملك إيران نحو 9800 كيلوجرام أخري من اليورانيوم المخصب بنسب متفاوتة، موزعة على عشرات المواقع داخل مساحة إيران التي تزيد على 1.6 مليون كيلومتر مربع، فضلًا عن عشرات المواقع التي تنتشر فيها أجهزة الطرد المركزي الحديثة من طراز-IR9.
ولهذا، اشترطت مبادرة الرئيس ترامب، التي تتكون من 15 بندًا، سحب جميع اليورانيوم المخصب بكل درجاته إلى خارج إيران، وتفكيك المفاعلات الثلاثة الكبري في نطنز وأصفهان وفوردو.
وهذا يعني أن الحرب لم تقضِ على البرنامج النووي الإيراني، وأن «المسار الدبلوماسي» بات «الممر الإجباري» لواشنطن وتل أبيب للتخلص من البرنامج النووي لطهران.
وكل ذلك يشير إلى أن رغبة الرئيس ترامب في العودة إلى مائدة المفاوضات مع إيران تمثل نهاية للسيناريوهات التي تحدثت عن إسقاط النظام أو تغيير سلوكه، ولم يعد هناك حديث عن تفكيك الجمهورية الإيرانية.
المؤكد أن عدم تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية عبر القوة دفع واشنطن إلى الحديث مجددًا عن «الخيار التفاوضي»، لكن هناك أسبابًا أخرى وراء توجه إدارة ترامب نحو عقد صفقة سياسية تنهي الحرب وتفتح صفحة جديدة في تاريخ الشرق الأوسط، وهي:
الأول: الإطار الزمني، وفق الدستور الأمريكي، فإن ما يجري من حرب بين إيران والولايات المتحدة منذ 28 فبراير الماضي يُعد «عملية عسكرية» وليس «إعلان حرب».
ويملك الرئيس الأمريكي صلاحية القيام بعملية عسكرية يتراوح مداها الزمني بين أربعة وثمانية أسابيع، وبعد ذلك يتعين عليه الحصول على موافقة الكونجرس بمجلسيه لإعلان الحرب.
وبعد خمسة أسابيع من الحرب لا يضمن الرئيس الحصول على هذا التفويض في ظل الأغلبية الضئيلة للجمهوريين. ومع اقتراب نهاية المهلة، يبدو أن الذهاب إلى طاولة المفاوضات يتوافق مع الإطار الزمني الذي أراده ترامب لحرب «سريعة وخاطفة»، وخاصة أن استمرار الحرب أكثر من أربعة أسابيع لم يكن متوقعًا.
ففي 28 فبراير، قال ترامب إن العملية ستستغرق من أسبوع إلى عشرة أيام، بينما قال بنيامين نتنياهو إنها لن تتجاوز أربعة أيام. لذلك يسعي ترامب إلى تحقيق مكاسب سياسية عبر التفاوض لعدم التمكن من تحقيقها عسكريًا. ويرى داعموه أن الضربات قد تدفع إيران إلى تقديم تنازلات تتعلق ببرنامجها الصاروخي، والاكتفاء ببرنامج نووي سلمي من دون حق التخصيب، وهو ما ترفضه طهران حتى الآن.
كما يُطرح سيناريو «كارثي» لتجاوز قيود الإطار الزمني، يتمثل في اتهام إيران بقتل عدد كبير من الجنود الأمريكيين أو إغراق سفينة عسكرية، بما يتيح لواشنطن إعلان الحرب رسميًا.
الثاني: تأثير المستقلين، تشير استطلاعات الرأي إلى أن نحو 66% من المستقلين، أو ما يُعرف في العالم العربي بـ«حزب الكنبة»، يرفضون استمرار الحرب. وهؤلاء كانوا عاملًا حاسمًا في انتخابات 2024، ولا يمكن لترامب تجاهلهم مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
فعلي سبيل المثال، يعارض نحو 70% في ولاية بنسلفانيا استمرار الحرب، كما أن 7% فقط من الأمريكيين يؤيدون تدخلًا بريًا. ويرى معظم الأمريكيين أن ذلك سيكون تكرارًا لتجارب أفغانستان والعراق وفيتنام، وخاصة أن احتلال إيران يتطلب نحو 500 ألف جندي.
كل ذلك يضع ضغوطًا كبيرة على ترامب للاتجاه نحو التفاوض، وخاصة بعد استهداف أكثر من 9000 هدف وفق القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM).
الثالث: تعلم الدروس، تقوم إحدى نظريات السياسة الخارجية الأمريكية على أن الخطأ ليس في الفشل، بل في تكراره. ويحذر أنصار ترامب من تحول إيران إلى «مستنقع» جديد، كما حدث في أفغانستان والعراق.
وقد أنفقت الولايات المتحدة نحو تريليون دولار خلال حرب استمرت 20 عامًا على ما يسمى «الإرهاب»، وسقط آلاف الجنود من دون نتائج حاسمة، وفق جامعة براون.
هذا السيناريو يدفع ترامب إلى البحث عن مخرج تفاوضي، مستعينًا بفريقه، منهم جاريد كوشنر وستيف ويتكوف ونائبه جي دي فانس.
الرابع: الثمار السياسية، لم تنجح الولايات المتحدة ولا إسرائيل في تحويل التفوق العسكري إلي مكاسب سياسية حاسمة، ويحذر فريق ترامب من تكرار الخطأ ذاته في إيران، حيث إن استمرار القصف من دون تدخل بري يمنع تحقيق نتائج سياسية.
لذلك، يُنظر إلى المسار التفاوضي كوسيلة لتحقيق مكاسب سياسية، من خلال المطالب التي طرحتها واشنطن في إطار مبادرة الـ15 بندًا، التي نُقلت عبر وسطاء مثل مصر وباكستان وتركيا.
الخامس: التضخم، أدي ارتفاع أسعار الطاقة والشحن والتأمين إلى زيادة التضخم بشكل سريع خلال أسابيع الحرب، مع تراجع الثقة في الملاحة عبر مضيق هرمز.
وفي عام انتخابي، لا يستطيع ترامب تجاهل هذا العامل، وخاصة أن قاعدته الانتخابية «ماجا» ترفض استمرار الحرب، وهو ما يدفع فريقه، على رأسه جي دي فانس وسوزي وايلز، إلى التحرك نحو إنهاء الحرب.
السادس: الحلفاء، خاض ترامب الحرب إلى جانب إسرائيل من دون تنسيق كافٍ مع الحلفاء الخليجيين أو الأوروبيين أو حلف «الناتو»، وجميعهم يدفعون ثمنها.
فدول الخليج والعراق والأردن تتعرض لهجمات، بينما تواجه أوروبا أزمة طاقة حادة، وارتفعت أسعار الغاز في هولندا بشكل كبير، ما يهدد الاقتصاد الأوروبي. كما تعاني دول آسيوية مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند من اضطراب إمدادات الطاقة. لذلك، يضغط الحلفاء على واشنطن لوقف الحرب سريعًا.
السابع: صعوبة العمل البري، تشكل العمليات البرية في إيران مخاطرة كبيرة، نظرًا إلى طبيعة الجغرافيا والقدرات الدفاعية الإيرانية. وحتى العمليات المحدودة، مثل السيطرة على جزيرة خرج، تمثل تحديًا عسكريًا كبيرًا.
في المقابل، يتيح المسار التفاوضي ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز واستعادة استقرار أسواق الطاقة.
الخلاصة: يتضح أن واشنطن عادت إلى المسار التفاوضي، وهو مسار كانت إيران تنتظره منذ بداية الحرب. لكن يبقى السؤال حول «المساحة المشتركة» التي يمكن أن يلتقي فيها الطرفان ويمكن للجهود الدبلوماسية للوسطاء ان تنجح في توظيفها من أجل إقناع واشنطن وطهران بسرعة وضع نهاية للحرب، ويرتبط ذلك أيضا بحجم التنازلات التي قد تحفظ ماء الوجه لكل من ترامب والقيادة الإيرانية.
{ باحث وخبير في العلاقات الدولية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك