يقول مثل سائر، ينسبه كثيرون إلي الرئيس الأمريكي الأسبق أبراهام لنكولن: «إذا أردت أن تعرف حقيقة إنسان، فأعطه مالًا أو سلطة»، من جانبي، سأُحوّر هذا المثل قليلًا، وسأقول: «إذا أردت أن تعرف حقيقة إنسان، فامنحه حسابًا على (إكس) أو (فيسبوك)»؛ إذ يبدو أن هذين الوسيطين، ومثلهما كثير، يكشفان بوضوح عن ميول الحماقة الإنسانية، ويعززان سبل ازدهارها.
فثمة تجربة يعيشها مليارات البشر يوميًا من دون أن يلتفت معظمهم إلى أبعادها؛ إذ يفتح المرء هاتفه في لحظة نشوة أو انفعال، فيكتب جملة لم يكن ليجرؤ على نطقها في مجلس، ثم يضغط على إرسال، ويتابع ذلك الكلام وهو يتكاثر ويتناسل ويجلب ردودًا وتفاعلات، ثم يُعاد تداوله، حتى يصبح وثيقةً دائمة في أرشيف لا يرحم.
لم يكن الإنسان على امتداد التاريخ الإنساني مُعرضًا لهذا القدر من الإغراء بالبوح الفوري، ولا لهذه الفسحة من العقاب المؤجل. صحيح أن وسائل «التواصل الاجتماعي» لم تخترع الحماقة البشرية، لكنها صنعت لها بيئةً مثالية للتكاثر، وزودتها بمكبّرات صوت لم يسبق لها مثيل.
وقد يعود الفضل في لفت أنظارنا إلى العلاقة بين وسائل «التواصل الاجتماعي» والحماقة إلى المفكر والروائي الإيطالي الشهير أمبرتو إيكو، الذي حرص على أن يحذرنا من خطورة تلك الوسائل على الوعي الجمعي والإدراك العمومي، حين وصفها بأنها أضحت «فضاء للحمقى».
ففي مقابلة أجراها الأديب إيكو مع إحدى الصحف الإيطالية الشهيرة، عشية رحيله، قال بوضوح إن هذه الوسائط «تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى، ممن كانوا يتكلمون في البارات فقط، من دون أن يتسببوا بأي ضرر للآخرين، خاصة أن إسكاتهم كان مسألة سهلة، لكن الآن فإنهم يتمتعون بحق التحدث للعموم.
وفي تفسير كلام إيكو، يكشف علم الأعصاب أن الدماغ البشري يُطلق الدوبامين حين يتلقى إشعارًا بالإعجاب أو المشاركة، وهو نفس المسار العصبي الذي يسلكه إدمان القمار والمواد المخدرة. وتُوثِّق دراسة نشرتها مجلة «نيتشر»، عام 2017، عن ديناميات التفاعل عبر تلك الوسائل، أن المحتوي المُثير للغضب والانفعال يحوز معدلات انتشار تفوق المحتوي الرزين بأضعاف مضاعفة، مما يعني أن الخوارزميات لا تكتفي بعكس الحماقة الإنسانية، بل تكافئها وتُرسّخها وتجعل منها استراتيجيةً ناجحة. الصرخة تجلب تفاعلًا مهولًا، والتعقل يمر صامتًا. هذه ليست مصادفة في تصميم الوسائط، لكنها معادلة ربح.
وقد لاحظ الباحث كيث هامبتون، من جامعة ميشيجان، ظاهرة أسماها «تأثير حلزون الصمت الرقمي»، إذ يصمت أصحاب الآراء المتأملة ويتراجعون أمام عاصفة الانفعال الجماعي، فيما تتصاعد الأصوات الأعلى والأكثر استفزازًا لأنها تحصد التفاعل. يخرج من هذه المعادلة فضاء عام مُشوه لا يُمثل ما يفكر فيه الناس فعلًا، بل يُمثل ما يجرؤ المنفعلون على الصراخ به. والمأساة أن هذا الفضاء المُصطنع يُعيد تشكيل الواقع، فيصبح الصراخ معيارًا، والهدوء جُبنًا، والتريّث انسحابًا.
تتّكئ هذه الديناميات على ما يُسمّيه علماء النفس «التخفيف من الهوية الاجتماعية»، وهو ما درسه فيليب زيمباردو في بحوثه حول إزالة التشخيص والانفصال عن المسؤولية، ويجد في الفضاء الرقمي أرضيةً خصبة لا سابق لها لشيوع هذا الانفصال. فخلف الشاشة، يتحرر الفرد من قيود السياق الاجتماعي: لا نظرة محاور توقفه، ولا لغة جسد تُذكّره بالآخر، ولا مجتمع محلي يعرف سيرته. يتحوّل إلي صوت مُجرد من ثقله الإنساني، وهذا التجريد هو ما يجعل الإساءة أسهل، والتهوّر أسرع، والندم لاحقًا أمرّ.
الوقائع في هذا السياق لا تُحصي. فقد وثّق الصحفي جون رونسون في كتابه «إذن.. لقد تم التشهير العلني» حالات متعددة لأشخاص دمّرت تغريدة واحدة مساراتهم المهنية وحياتهم الشخصية، وبعد هذا الكتاب شهدنا عديد الوقائع التي أخذت فيها التغريدات المارقة أصحابها إلى المواقف المريرة والتكاليف الصعبة.
في المقابل، يندفع كثيرون نحو هذا الفضاء طوعًا بكلام يخالف مصالحهم الحقيقية، لا لأنهم يؤمنون به، بل لأن الاستفزاز الواعي يُدر مشاهدات، والمشاهدات تُدر نفوذًا رمزيًا في سوق الانتباه.
بحثت عالمة النفس جين توينجي، عبر كتابها «جيل الإنترنت»، في الأثر التراكمي لهذه البيئة على جيل نشأ داخلها، فوجدت ارتفاعًا حادًا في معدلات القلق والاكتئاب وضعف تحمّل الاختلاف، وهي أعراض لا تنفصل عن نظام يُكافئ الانفعال ويُعاقب التعقيد.
ويُضيف باحثو مشروع «سيفيك ساينسيز»، في جامعة ييل، أن مستخدمي وسائل التواصل يميلون إلى المبالغة في تقدير انتشار الآراء المتطرفة وتقليل الاعتدال، مما يخلق وهمًا بتطرف المجتمع يدفع المعتدلين إلى التطرف دفاعًا عن النفس.
في مواجهة هذا المشهد، لا يقف المطلوب عند حدود حماية حرية الرأي، ولا يتعارض معها. المطلوب شيء أعمق: تربية إعلامية تُعلّم التريث قبل الإرسال، و«تنظيم ذاتي» يُعيد الثقل الأخلاقي للكلمة المكتوبة، وضغط مؤسسي على الشركات التكنولوجية لإعادة تصميم الخوارزميات وفق معادلات تُكافئ الجودة لا الصراخ، ووقفة ضرورية مع من يتلاعبون بالنار.
الحرية ليست مُهددة بالمطالبة بالمسؤولية، بل هي مُهددة حين يُصبح الفضاء العام ساحة للعشوائية؛ إذ تسكت الأصوات الرصينة، وتتضخم السطحية. الذكاء الحقيقي في عصر الضجيج ليس أن تصرخ بصوت أعلى، بل أن تعرف متى تصمت وكيف تختار.
ربما يكون هذا تفسيرًا لما تضج به وسائط «التواصل» راهنًا من حماقات، قد تكلفنا الكثير، ونحن في حالة صعبة، نسأل الله فيها ألا يضعنا في اختبارات أكثر صعوبة.
{ كاتب وباحث إعلامي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك