العدد : ١٧٥٤٧ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٤٧ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

العدوان الإيراني الغاشم.. سلوكيات محيرة وحسابات غير واقعية

بقلم: محمد العثمان

الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

أكتب‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬دوي‭ ‬الصواريخ‭ ‬الإيرانية‭ ‬الآثمة‭ ‬التي‭ ‬تضرب‭ ‬أرض‭ ‬البحرين‭. ‬ففي‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬العدوان‭ ‬الغاشم‭ ‬تمكنت‭ ‬السموم‭ ‬الإيرانية‭ ‬من‭ ‬عقل‭ ‬بعض‭ ‬المثقفين‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬وساد‭ ‬الخلط‭ ‬بين‭ ‬العواطف‭ ‬القومية‭ - ‬الإسلامية‭ ‬ومنطق‭ ‬السياسة‭ ‬الواقعية‭ (‬Realpolitik‭) ‬وسياسة‭ ‬القوة‭ (‬Power‭ ‬Politics‭) ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭. ‬سأركز‭ ‬هنا‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الجزئية‭ ‬بالذات،‭ ‬فهي‭ -‬في‭ ‬رأيي‭- ‬الأكثر‭ ‬إلحاحا‭ ‬اليوم‭.‬

حري‭ ‬بالقول‭: ‬إن‭ ‬السياسة‭ ‬الواقعية‭ ‬التي‭ ‬صاغها‭ ‬بسمارك‭ ‬وطوّرها‭ ‬كيسنجر‭ ‬تعني‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬تقييم‭ ‬هادئ‭ ‬وواقعي‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬المصلحة‭ ‬الوطنية‭ ‬وتوازن‭ ‬القوى،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الرومانسيات‭ ‬الحالمة‭ ‬أو‭ ‬الولاءات‭ ‬الدائمة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لها‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬الخيال‭ ‬الفكري‭ ‬لدى‭ ‬غالبية‭ ‬النخب‭ ‬العربية‭. ‬أما‭ ‬سياسة‭ ‬القوة‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬جوهر‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬حقيقة‭ ‬وجود‭ ‬صراع‭ ‬دائم‭ ‬على‭ ‬النفوذ،‭ ‬حيث‭ ‬يسود‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬الردع‭ ‬الاستراتيجي‭. ‬وأما‭ ‬السياسة‭ ‬الواقعية‭ ‬فإنها‭ ‬الأداة‭ ‬العملية‭ ‬لممارسة‭ ‬سياسة‭ ‬القوة؛‭ ‬الأولى‭ ‬منهج‭ ‬مدروس،‭ ‬والثانية‭ ‬قانون‭ ‬الطبيعة‭ ‬الدولية‭.‬

ولعل‭ ‬تمهيداً‭ ‬لذلك‭ ‬نسرد‭ ‬في‭ ‬عجالة‭ ‬ما‭ ‬يوضح‭ ‬الأمر‭ ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬شواهد‭ ‬تاريخية؛‭ ‬حيث‭ ‬نجد‭ ‬تجليات‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬صلح‭ ‬الحديبية‭ ‬الذي‭ ‬عقده‭ ‬النبي‭ ‬محمد‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬مع‭ ‬كفار‭ ‬قريش‭ ‬رغم‭ ‬الخلاف‭ ‬العقائدي‭ ‬الجذري،‭ ‬وذلك‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬تنازلاً‭ ‬أخلاقيا‭ ‬حاشاه،‭ ‬بل‭ ‬حساباً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬دقيقاً‭ ‬للمصلحة‭ ‬الوطنية‭ ‬والذي‭ ‬انتهى‭ ‬لاحقا‭ ‬بفتح‭ ‬مكة‭ ‬سلميا‭. ‬والفرق‭ ‬واضح‭ ‬بين‭ ‬العقيدة‭ ‬الدينية‭ ‬والمصلحة‭ ‬السياسية‭. ‬وعلى‭ ‬مر‭ ‬التاريخ‭ ‬الإسلامي‭ ‬نجد‭ ‬محطات‭ ‬مشابهة،‭ ‬منها‭ ‬التحالف‭ ‬الفرنكو‭-‬عثماني‭ ‬مع‭ ‬فرنسا‭ ‬الكاثوليكية‭ ‬ضد‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬الهابسبورغية،‭ ‬لحفظ‭ ‬توازن‭ ‬القوى‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬وتحقيق‭ ‬مصالح‭ ‬متبادلة،‭ ‬وهذه‭ ‬كلها‭ ‬محطات‭ ‬قدمت‭ ‬فيها‭ ‬المصلحة‭ ‬الوطنية‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬سواها‭.‬

مقارنة‭ ‬بهذه‭ ‬السياسة‭ ‬الواقعية‭ ‬الإسلامية‭ ‬الرصينة،‭ ‬نجد‭ ‬النسخة‭ ‬الغربية‭ ‬أكثر‭ ‬نفعية‭: ‬بسمارك‭ ‬تحالف‭ ‬مع‭ ‬النمسا‭ ‬ثم‭ ‬حاربها‭ ‬في‭ ‬‮«‬حرب‭ ‬الأسابيع‭ ‬السبعة‮»‬‭ ‬لتوحيد‭ ‬ألمانيا‭ ‬تحت‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬الدم‭ ‬والحديد‮»‬،‭ ‬وكيسنجر‭ ‬حوّل‭ ‬الصين‭ ‬الشيوعية‭ ‬عام‭ ‬1972‭ ‬من‭ ‬عدو‭ ‬أيديولوجي‭ ‬إلى‭ ‬ورقة‭ ‬في‭ ‬سياسة‭ ‬القوة‭ ‬ضد‭ ‬السوفييت‭. ‬وذلك‭ ‬خدمةً‭ ‬للمصالح‭ ‬الأمريكية‭ ‬العليا‭.‬

وحتى‭ ‬إيران‭ ‬نفسها‭ ‬مارست‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬وتمارس‭ ‬السياسة‭ ‬الواقعية‭ ‬ببراعة‭ ‬وإتقان‭ ‬رغم‭ ‬خطابها‭ ‬الثوري‭ ‬التعبوي‭. ‬حيث‭ ‬تعاونت‭ ‬سراً‭ ‬مع‭ ‬أمريكا‭ ‬وإسرائيل‭ ‬في‭ ‬‮«‬إيران‭-‬كونترا‮»‬‭ ‬بفتوى‭ ‬من‭ ‬الخميني،‭ ‬وتعاونت‭ ‬مع‭ ‬واشنطن‭ ‬عام‭ ‬2001‭ ‬ضد‭ ‬طالبان‭ ‬والآن‭ ‬تتواصل‭ ‬معها‭ ‬رغم‭ ‬عدم‭ ‬اعتراف‭ ‬طهران‭ ‬رسمياً‭ ‬بحكومة‭ ‬طالبان‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬لكنها‭ ‬تتعامل‭ ‬معها‭ ‬كأمر‭ ‬واقع‭ (‬De‭ ‬facto‭) ‬لضمان‭ ‬أمن‭ ‬حدودها‭ ‬ومصالحها‭. ‬

وكذلك‭ ‬الأمر‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬العراق‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬وما‭ ‬بعده‭. ‬وأيضاً‭ ‬ولمواجهة‭ ‬العقوبات‭ ‬المفروضة‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬أمريكا‭ ‬والدول‭ ‬الغربية‭ ‬أقامت‭ ‬تحالفات‭ ‬استراتيجية‭ ‬مع‭ ‬روسيا‭ ‬والصين‭. ‬فلماذا‭ ‬يُحرم‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬ممارسة‭ ‬المنطق‭ ‬نفسه؟

ما‭ ‬يثير‭ ‬التساؤل‭ ‬اليوم،‭ ‬ونحن‭ ‬نتعرض‭ ‬لهذا‭ ‬العدوان‭ ‬الإيراني‭ ‬الأثيم،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الأصوات‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تحاول‭ ‬إيجاد‭ ‬مبررات‭ ‬لهذا‭ ‬العدوان‭ ‬مستمدة‭ ‬من‭ ‬المزاعم‭ ‬والدعاوى‭ ‬الإيرانية‭ ‬ولا‭ ‬تراعي‭ ‬مطلقا‭ ‬المصالح‭ ‬الخليجية‭ ‬والعربية‭ ‬وهذا‭ ‬سقوط‭ ‬مروع‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬والتفكير‭ ‬الوطني‭ ‬والقومي‭. ‬فالسيناريو‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تتحدث‭ ‬عنه‭ ‬بعض‭ ‬الأصوات‭ ‬العربية‭ ‬هو‭ ‬ماذا‭ ‬عن‭ ‬انهيار‭ ‬توازن‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمي،‭ ‬وتصبح‭ ‬مياه‭ ‬الخليج‭ ‬مسرحاً‭ ‬للقرصنة‭ ‬الإيرانية‭ ‬ويصبح‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬عرضة‭ ‬للابتزاز‭ ‬بين‭ ‬الفينة‭ ‬والأخرى،‭ ‬وما‭ ‬يترتب‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خنق‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الخليجي‭. ‬وانتبه‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬السيناريو‭ ‬الخطير‭ ‬بكل‭ ‬تبعاته‭ ‬ونتائجه‭ ‬الوخيمة‭ ‬على‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬بالذات‭.‬

ومع‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬نقول‭: ‬ان‭ ‬السياسة‭ ‬الواقعية‭ ‬تعني‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الذات؛‭ ‬وتتيح‭ ‬المرونة‭.. ‬والطريق‭ ‬أمام‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬الأوراق‭ ‬بما‭ ‬يحقق‭ ‬حماية‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬مسيرة‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬بلادنا،‭ ‬بل‭ ‬التنويع‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬المدروس‭: ‬شراكات‭ ‬مع‭ ‬قوى‭ ‬عالمية‭ ‬كبرى‭ ‬من‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭ ‬حتى‭ ‬يتبلور‭ ‬نظام‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب‭.‬

ختاماً،‭ ‬إن‭ ‬السياسة‭ ‬الواقعية‭ ‬والمصلحة‭ ‬الوطنية‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬تقتضي‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بكل‭ ‬أوراق‭ ‬الردع‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬المتاحة‭ ‬لديها‭. ‬السياسة‭ ‬هي‭ ‬بحث‭ ‬بعقلانية‭ ‬عما‭ ‬يحقق‭ ‬المصالح‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬سياسات‭ ‬متوازنة؛‭ ‬وقد‭ ‬يرى‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬البراغماتية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬وحدها‭ ‬التي‭ ‬تحمي‭ ‬كيانات‭ ‬الدول‭.‬

 

{‭ ‬محام‭ ‬بحريني

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا