أكتب هذا المقال على وقع دوي الصواريخ الإيرانية الآثمة التي تضرب أرض البحرين. ففي ظل هذا العدوان الغاشم تمكنت السموم الإيرانية من عقل بعض المثقفين في العالم العربي وساد الخلط بين العواطف القومية - الإسلامية ومنطق السياسة الواقعية (Realpolitik) وسياسة القوة (Power Politics) في العلاقات الدولية. سأركز هنا على هذه الجزئية بالذات، فهي -في رأيي- الأكثر إلحاحا اليوم.
حري بالقول: إن السياسة الواقعية التي صاغها بسمارك وطوّرها كيسنجر تعني اتخاذ القرارات بناءً على تقييم هادئ وواقعي بناءً على المصلحة الوطنية وتوازن القوى، بعيداً عن الرومانسيات الحالمة أو الولاءات الدائمة التي لا وجود لها إلا في الخيال الفكري لدى غالبية النخب العربية. أما سياسة القوة والتي هي جوهر النظام الدولي قائم على حقيقة وجود صراع دائم على النفوذ، حيث يسود من يملك الردع الاستراتيجي. وأما السياسة الواقعية فإنها الأداة العملية لممارسة سياسة القوة؛ الأولى منهج مدروس، والثانية قانون الطبيعة الدولية.
ولعل تمهيداً لذلك نسرد في عجالة ما يوضح الأمر استناداً إلى شواهد تاريخية؛ حيث نجد تجليات ذلك بوضوح في صلح الحديبية الذي عقده النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) مع كفار قريش رغم الخلاف العقائدي الجذري، وذلك لم يكن تنازلاً أخلاقيا حاشاه، بل حساباً استراتيجياً دقيقاً للمصلحة الوطنية والذي انتهى لاحقا بفتح مكة سلميا. والفرق واضح بين العقيدة الدينية والمصلحة السياسية. وعلى مر التاريخ الإسلامي نجد محطات مشابهة، منها التحالف الفرنكو-عثماني مع فرنسا الكاثوليكية ضد الإمبراطورية الهابسبورغية، لحفظ توازن القوى في أوروبا وتحقيق مصالح متبادلة، وهذه كلها محطات قدمت فيها المصلحة الوطنية على ما سواها.
مقارنة بهذه السياسة الواقعية الإسلامية الرصينة، نجد النسخة الغربية أكثر نفعية: بسمارك تحالف مع النمسا ثم حاربها في «حرب الأسابيع السبعة» لتوحيد ألمانيا تحت شعار «الدم والحديد»، وكيسنجر حوّل الصين الشيوعية عام 1972 من عدو أيديولوجي إلى ورقة في سياسة القوة ضد السوفييت. وذلك خدمةً للمصالح الأمريكية العليا.
وحتى إيران نفسها مارست في الماضي وتمارس السياسة الواقعية ببراعة وإتقان رغم خطابها الثوري التعبوي. حيث تعاونت سراً مع أمريكا وإسرائيل في «إيران-كونترا» بفتوى من الخميني، وتعاونت مع واشنطن عام 2001 ضد طالبان والآن تتواصل معها رغم عدم اعتراف طهران رسمياً بحكومة طالبان حتى الآن، لكنها تتعامل معها كأمر واقع (De facto) لضمان أمن حدودها ومصالحها.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى العراق عام 2003 وما بعده. وأيضاً ولمواجهة العقوبات المفروضة عليها من أمريكا والدول الغربية أقامت تحالفات استراتيجية مع روسيا والصين. فلماذا يُحرم على دول الخليج ممارسة المنطق نفسه؟
ما يثير التساؤل اليوم، ونحن نتعرض لهذا العدوان الإيراني الأثيم، هو أن بعض الأصوات لا تزال تحاول إيجاد مبررات لهذا العدوان مستمدة من المزاعم والدعاوى الإيرانية ولا تراعي مطلقا المصالح الخليجية والعربية وهذا سقوط مروع في الوعي والتفكير الوطني والقومي. فالسيناريو الذي لا تتحدث عنه بعض الأصوات العربية هو ماذا عن انهيار توازن القوى الإقليمي، وتصبح مياه الخليج مسرحاً للقرصنة الإيرانية ويصبح مضيق هرمز عرضة للابتزاز بين الفينة والأخرى، وما يترتب على ذلك من خنق للاقتصاد الخليجي. وانتبه فإن ذلك ما قد يجري في ظل السيناريو الخطير بكل تبعاته ونتائجه الوخيمة على منطقة الخليج العربي بالذات.
ومع كل ذلك نقول: ان السياسة الواقعية تعني الاعتماد على الذات؛ وتتيح المرونة.. والطريق أمام دول الخليج العربي هو في إعادة ترتيب الأوراق بما يحقق حماية دول الخليج والحفاظ على مسيرة التنمية الاقتصادية في بلادنا، بل التنويع الاستراتيجي المدروس: شراكات مع قوى عالمية كبرى من الشرق والغرب حتى يتبلور نظام متعدد الأقطاب.
ختاماً، إن السياسة الواقعية والمصلحة الوطنية لدول الخليج تقتضي الاحتفاظ بكل أوراق الردع السياسية والاقتصادية المتاحة لديها. السياسة هي بحث بعقلانية عما يحقق المصالح الوطنية في إطار سياسات متوازنة؛ وقد يرى البعض أن البراغماتية الاستراتيجية وحدها التي تحمي كيانات الدول.
{ محام بحريني

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك