العدد : ١٧٥٤٦ - الثلاثاء ٠٧ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٤٦ - الثلاثاء ٠٧ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

قراءة في أهداف الخطاب السياسي لنتنياهو أثناء الحرب

بقلم: د. رمزي عودة

الثلاثاء ٠٧ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬التوقف‭ ‬طويلا‭ ‬أمام‭ ‬تصريحات‭ ‬رئيس‭ ‬وزراء‭ ‬إسرائيل‭ ‬نتنياهو‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬الدائرة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬ومنها‭ ‬قوله‭: ‬‮«‬إن‭ ‬الشر‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يغلب‭ ‬الخير‮»‬،‭ ‬بهذه‭ ‬الجملة‭ ‬استشهد‭ ‬نتنياهو‭ ‬بكلمات‭ ‬المؤرخ‭ ‬العالمي‭ ‬ويل‭ ‬ديورانت،‭ ‬قائلاً‭ ‬إن‭ ‬‮«‬المسيح‭ ‬ليست‭ ‬له‭ ‬أفضلية‭ ‬على‭ ‬جنكيز‭ ‬خان‮»‬‭. ‬وقد‭ ‬أثارت‭ ‬هذه‭ ‬التصريحات‭ ‬المسيئة‭ ‬موجة‭ ‬من‭ ‬الاستهجان‭ ‬والغضب‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬إذ‭ ‬تبنّى‭ ‬فيها‭ ‬فلسفة‭ ‬البقاء‭ ‬للأقوى‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬القيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والعدالة‭.‬

وتابع‭ ‬نتنياهو‭ ‬في‭ ‬كلمته‭ ‬إن‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬المعاصر‭ ‬‮«‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أخلاقياً،‭ ‬ولا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬عادلاً،‭ ‬ولا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬على‭ ‬حق‮»‬،‭ ‬مشيراً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الديمقراطيات‭ ‬ستكون‭ ‬في‭ ‬خطر‭ ‬مفاجئ،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬غير‭ ‬متوقع،‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تتحرك‭ ‬وتدافع‭ ‬عن‭ ‬نفسها،‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬قوله‭.‬

في‭ ‬الواقع،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬تصريحات‭ ‬نتنياهو‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬تصعيد‭ ‬وتغوّل‭ ‬جيش‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬منذ‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬وحتى‭ ‬الآن‭. ‬فقد‭ ‬بدأ‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬ثم‭ ‬انتقل‭ ‬هذا‭ ‬التغوّل‭ ‬إلى‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬لبنان‭ ‬وسوريا‭ ‬والعراق‭ ‬واليمن،‭ ‬وأخيرًا‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬إيران‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬جميع‭ ‬هذه‭ ‬التحركات‭ ‬العسكرية‭ ‬الكبيرة‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وعلى‭ ‬مدار‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عامين،‭ ‬انتقلت‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬علاقاتها‭ ‬الدولية‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬نتنياهو‭ ‬نفسه‭ ‬إلى‭ ‬تمجيد‭ ‬دور‭ ‬إسرائيل‭ ‬الحالي،‭ ‬واصفاً‭ ‬إياها‭ ‬بـ«القوة‭ ‬العظمى‮«‬‭.‬

في‭ ‬السياق‭ ‬السابق،‭ ‬هناك‭ ‬عدة‭ ‬دلالات‭ ‬مستترة‭ ‬في‭ ‬حديث‭ ‬نتنياهو‭ ‬تتضمن‭ ‬النقاط‭ ‬التالية‭:‬

أولًا‭: ‬إن‭ ‬حديث‭ ‬نتنياهو‭ ‬موجّه‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬وإلى‭ ‬العالم‭ ‬الغربي‭ ‬المسيحي‭ ‬بشكل‭ ‬خاص،‭ ‬ويوحي‭ ‬بأن‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬أن‭ ‬يتنحّى‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬القيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يدفع‭ ‬ثمنا‭ ‬باهظا‭ ‬أمام‭ ‬قوى‭ ‬أخرى‭ ‬لم‭ ‬يحددها،‭ ‬ولكن‭ ‬يُفهم‭ ‬من‭ ‬السياق‭ ‬أنها‭ ‬القوى‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬منطقه‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬والتي‭ ‬وصفها‭ ‬بالشريرة‭.‬

ثانيًا‭: ‬لا‭ ‬مكان‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬وإنما‭ ‬يجب‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬الحاسمة‭ ‬والشاملة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ضمان‭ ‬الردع‭ ‬والحماية‭.‬

ثالثًا‭: ‬لم‭ ‬يبتعد‭ ‬نتنياهو‭ ‬في‭ ‬رؤيته‭ ‬عن‭ ‬تحليل‭ ‬الرأسمالية‭ ‬الغربية‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬فكر‭ ‬فرانسيس‭ ‬فوكوياما،‭ ‬حيث‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬الرأسمالي‭ ‬المتحضر‭ ‬سينتصر‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬لكنه‭ ‬يحتاج‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قوياً‭ ‬ويستخدم‭ ‬قوته‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬مصالحه‭.‬

رابعًا‭: ‬إن‭ ‬العالم،‭ ‬بحسب‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬نتنياهو،‭ ‬منقسم‭ ‬إلى‭ ‬قوى‭ ‬خير‭ (‬وهي‭ ‬بالأساس‭ ‬تتمثل‭ ‬بالعالم‭ ‬الغربي‭)‬،‭ ‬وقوى‭ ‬شر‭ (‬تشمل‭ ‬دول‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بالأساس‭)‬،‭ ‬وأن‭ ‬إدارة‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬تجاه‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬أولاً‭.‬

في‭ ‬النتيجة،‭ ‬فإن‭ ‬تصريحات‭ ‬نتنياهو‭ ‬الأخيرة‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬لإسرائيل،‭ ‬وهي‭ ‬مرحلة‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬وتغييب‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬وفرض‭ ‬السيطرة‭ ‬المادية‭ ‬والمعنوية‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭. ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬كانت‭ ‬تأبه‭ ‬قبل‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬بشأن‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الحالي‭ ‬ولكنها‭ ‬يبدو‭ ‬أنها‭ ‬بدأت‭ ‬تفكر‭ ‬بجدية‭ ‬في‭ ‬استبدال‭ ‬قواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الحالي‭ ‬بقواعد‭ ‬جديدة‭ ‬تراعي‭ ‬مبادئ‭ ‬القوة‭ ‬وليس‭ ‬العدالة‭.‬

ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬تُعد‭ ‬خطيرة‭ ‬جدًا‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬المنطقة‭ ‬ككل،‭ ‬إذ‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬ليست‭ ‬خطراً‭ ‬على‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬عدوانها‭ ‬وهيمنتها‭ ‬قد‭ ‬يمتدان‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭. ‬ويزداد‭ ‬هذا‭ ‬الخطر‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬اقترن‭ ‬هذا‭ ‬التوسع‭ ‬بانتشار‭ ‬وتوغل‭ ‬أفكار‭ ‬الصهيونية‭ ‬المسيحية‭ ‬التي‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬إسرائيل‭ ‬الكبرى‮»‬‭ ‬من‭ ‬النيل‭ ‬إلى‭ ‬الفرات‭.‬

وبناءً‭ ‬عليه،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬‮«‬إسرائيل‭ ‬الجديدة‮»‬‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬دولة‭ ‬توسعية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إنشاء‭ ‬قواعد‭ ‬عسكرية‭ ‬جديدة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬ألمح‭ ‬إليه‭ ‬نتنياهو‭ ‬عندما‭ ‬وصف‭ ‬إسرائيل‭ ‬بأنها‭ ‬دولة‭ ‬عظمى‭ ‬وليست‭ ‬دولة‭ ‬إقليمية‭. ‬

من‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬استخدم‭ ‬نتنياهو‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬حديثه‭ ‬عبارة‭ ‬‮«‬الديمقراطيات‭ ‬التي‭ ‬تقاد‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‮»‬،‭ ‬وكأنه‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الدور‭ ‬الجديد‭ ‬لإسرائيل‭ ‬سيتعزز‭ ‬باعتبارها‭ ‬حليفاً‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم‭.‬

‭ ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬رغبة‭ ‬إسرائيلية‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬هذا‭ ‬الدور،‭ ‬وربما‭ ‬ملء‭ ‬فراغات‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬الخاصة‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ما‭ ‬يشهده‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬من‭ ‬تحولات‭ ‬في‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬والتحالفات‭.‬

 

{ كاتب‭ ‬من‭ ‬فلسطين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا