بينما تواصل الولايات المتحدة الحرب على إيران وسط تصريحات متناقضة للإدارة الأمريكية عن الحرب وتطوراتها وموعد نهايتها، فإن الشارع الأمريكي يتفاعل بقوة مع هذه الحرب نظرا إلى تأثيرها الكبير على ظروف حياته اليومية. ما يظهر اليوم داخل الشارع الأمريكي هو أن أي تصعيد مع إيران يقرأه المواطن من زاوية كلفة الحرب على الداخل، واحتمال تحولها إلى مواجهة طويلة لا يمكن التحكم في حدودها فيتورط الجيش الأمريكي وتتورط معه حياة المواطن العادي في مستنقع ذي كلفة كبيرة. لهذا فإن السؤال الرئيسي اليوم لا يتعلق بطبيعة النظام الإيراني ولا بطبيعة خصومته مع الولايات المتحدة بقدر ما يتعلق بسؤال محدد: هل تستحق المواجهة دفع هذا الثمن فعلا؟
تشير استطلاعات الرأي التي أجريت مؤخرا إلى أن قطاعات واسعة من الأمريكيين لا تريد الانزلاق إلى حرب طويلة، حتى لو كانت هذه القطاعات مقتنعة بأن إيران بالفعل هي مصدر تهديد لمصالح الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وما بعدها.
الأرقام هنا مهمة، لأنها تكشف المزاج الحقيقي بعيدا عن محاولات الدعاية التي تسوقها الإدارة الأمريكية للداخل والخارج للتظاهر بأن الشارع معه!
ففي استطلاع رويترز- إبسوس المنشور في 31 مارس 2026، قال 66% من الأمريكيين إنهم يريدون إنهاء الحرب بسرعة، حتى لو لم تتحقق كل أهداف الإدارة الأمريكية منها. وفي الاستطلاع ذاته، عارض 60% الضربات الأمريكية على إيران، بينما رفض 76% إرسال قوات برية أمريكية. هذه ليست مؤشرات على خلاف محدود، بل على مزاج عام يميل بوضوح إلى تقليص الحرب لا توسيعها، وإلى الخوف من التورط أكثر من الحماس للحسم العسكري والانتصار.
هذا الموقف لا يعني بالضرورة أن الأمريكيين يؤيدون إيران أو يتعاطفون معها، بل على العكس من ذلك، فاستطلاع مجلس شيكاغو للشؤون العالمية بالتعاون مع إبسوس أظهر أن 75% من الأمريكيين يرون منع إيران من امتلاك سلاح نووي هدفا مهما، وأن 79% يعتبرون منعها من دعم جماعات مسلحة في المنطقة هدفا مهما أيضا، لكن المفارقة أن الاعتراف بالخطر الإيراني لا يتحول تلقائيا إلى تأييد للحرب المفتوحة. هنا تظهر عقدة السياسة الأمريكية الحالية: قبول فكرة الردع لا يعني قبول حرب طويلة، وقبول الضربة المحدودة لا يعني قبول مستنقع جديد في الشرق الأوسط.
لكن لماذا يأخذ المواطن الأمريكي هذا الموقف المعقد؟ الإجابة بسيطة، هناك آثار سلبية لم يعد المواطن قادرا على تحملها بغض النظر عن انتمائه الحزبي أو قراءته لطبيعة التهديد الإيراني.
الأثر الأول للحرب على الشارع الأمريكي هو الأثر الاقتصادي. الحرب بالنسبة إلى كثير من الأمريكيين لا تبدأ من التحليلات العسكرية والسياسية، بل من محطات الوقود وسعر السلع وكلفة الحياة اليومية. ففي استطلاع رويترز- إبسوس المنشور في 3 أبريل 2026، قال 56% من الأمريكيين إن الحرب ستجعل أوضاعهم المالية الشخصية أسوأ، بينما قال 66% إن أسعار البنزين سترتفع بسببها. هذه الأرقام تفسر لماذا لا يجد الخطاب الترامبي طريقه بسهولة لإقناع الرأي العام حتى بمن في ذلك المؤيدون للرئيس، لأن المواطن العادي يربط التصعيد فورا بتضخم أعلى وضغط معيشي أكبر، لا فقط بشعارات الأمن القومي.
الأثر الثاني هو الخوف من الاستنزاف العسكري والبشري. الذاكرة الأمريكية ما زالت مثقلة بالعراق وأفغانستان، بل حتى بفيتنام ولذلك لا يتعامل الأمريكيون باستخفاف مع احتمال تورط مماثل للحرب الحالية في الشرق الأوسط. فحين تتحدث الأخبار عن سقوط قتلى وجرحى أمريكيين أو عن إسقاط طائرة أمريكية فوق إيران، يصبح الخوف أكثر واقعية لأنه يضرب بقوة على تلك العقد التاريخية للأعمال العسكرية الأمريكية. لهذا لم يكن غريبا أن يُظهر استطلاع رويترز- إبسوس المشار إليه أعلاه رفض 76% من الأمريكيين إرسال قوات برية. فالجمهور الأمريكي قد يقبل لغة القوة من السماء، لكنه يصبح أكثر تحفظا حين يقترب احتمال الحرب من الأرض مع ما يعنيه ذلك من طول أمدها وارتفاع كلفتها البشرية.
من المهم هنا أن نلاحظ أن الموقف الأمريكي لا ينقسم فقط بين مؤيد ومعارض، بل بين درجات مختلفة من القبول والرفض. فاستطلاع مجلس شيكاغو للشؤون العالمية أظهر أن 71% من الأمريكيين يعتقدون أن العمل العسكري ضد إيران قد يؤدي إلى حرب إقليمية أوسع.
هذا الرقم مهم جدا، لأنه يكشف أن الاعتراض ليس قائما فقط على موقف أخلاقي أو حزبي، بل على تقدير براجماتي للمخاطر. قطاعات واسعة من الأمريكيين لا ترى التصعيد مع إيران كعملية محدودة يمكن احتواؤها بسهولة، بل كبداية محتملة لفوضى إقليمية أكبر.
أما عن الفئات التي مازالت أكثر تأييدا للحرب، فالجمهوريون يأتون في المقدمة، لكن حتى هنا يجب توخي الحذر من التبسيط المخل لقراءة هذا التأييد! فبحسب بيانات مركز «بيو» للأبحاث المنشورة في 25 مارس 2026، وافق 69% من الجمهوريين وهؤلاء الميالين للحزب الجمهوري على الضربات الأمريكية ضد إيران، مقابل 12% فقط من الديمقراطيين وهؤلاء الميالين لهم.
داخل المعسكر الجمهوري نفسه توجد درجات مختلفة من التأييد. فاستطلاع رويترز- إبسوس أظهر أن 41% من الجمهوريين فقط أيدوا إرسال قوات برية، بينما عارض ذلك 55% منهم؛ أي أنه حتى داخل الحزب الأكثر استعدادا لتبرير الضربات، تبقى هناك حدود واضحة عندما يتحول الأمر إلى احتمال حرب برية أو تورط مباشر طويل. وهذا مهم سياسيا، لأنه يعني أن التأييد الجمهوري ليس شيكا على بياض، بل هو مشروط ومحدود ويتراجع كلما ارتفعت الكلفة المتوقعة.
في المقابل، تبدو الكتلة الديمقراطية أكثر وضوحا وحسما في الرفض. فوفقا لبيانات «بيو»، رفض 90% من الديمقراطيين طريقة تعامل ترامب مع الصراع، كما رأى 88% أن قرار الضربات كان خطأ من الأصل. هذا الرفض الديمقراطي لا يرتبط فقط بمنافسة حزبية مع ترامب، بل أيضا بتصور أوسع داخل هذا المعسكر يرى أن الحرب ستضيف عبئا اقتصاديا وسياسيا وإنسانيا على الولايات المتحدة من دون ضمان النتائج.
أما المستقلون، وهم كتلة أساسية في أي قراءة انتخابية أمريكية، فيميلون أيضا إلى الحذر أكثر من الحماس للحرب. فاستطلاع «بيو» أظهر أن 59% من الأمريكيين إجمالا رأوا أن الضربات على إيران كانت قرارا خاطئا. وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأن الانتخابات الأمريكية لا تُحسم عادة فقط عبر قواعد الحزبين الأساسية، بل عبر المزاج المتأرجح بينهما. وإذا كانت هذه الفئة المتأرجحة تنظر إلى الحرب بوصفها عبئا محتملا، فإن ذلك يضعف قدرة أي إدارة على تحويلها إلى تأييد سياسي داخلي، مهما كان حجم الدعاية.
على مستوى الموقف الحزبي العام، يمكن القول بأن الديمقراطيين أقرب إلى رفض واضح للتصعيد، بينما الجمهوريون أكثر ميلا إلى دعم الضربات تحت عنوان الردع وإظهار القوة.
لكن الصورة الأهم ليست فقط في انقسام الحزبين، بل في أن المجتمع الأمريكي كله يبدو أقل استعدادا من السابق لمنح الحروب الخارجية تفويضا مفتوحا. والدليل على ذلك أن استطلاع مجلس شيكاغو للشؤون العالمية أظهر أن 56% من الأمريكيين يقولون إن الرئيس يحتاج إلى موافقة الكونجرس قبل استخدام القوة العسكرية ضد إيران.
هذا يعني أن جزءا معتبرا من الرأي العام لا يعترض فقط على الحرب، بل أيضا على فكرة توسيعها بقرار رئاسي منفرد تشوبه اتهامات التعدي على الدستور الأمريكي وهو الوثيقة السياسية والقانونية الأكثر قدسية في الولايات المتحدة، أو على الأقل كانت كذلك حتى وصل ترامب إلى البيت الأبيض!
الخلاصة أن الحرب على إيران لم تؤد داخل الولايات المتحدة إلى موجة تعبئة وطنية واسعة، بل أنتجت حالة قلق وتحفظ ومساءلة. نعم، مازالت هناك فئات، خاصة داخل القاعدة الجمهورية، تؤيد استخدام القوة ضد إيران وتراه ضرورة للردع، لكن الصورة الأوسع تقول شيئا آخر: 66% يريدون إنهاء الحرب سريعا، 60% يعارضون الضربات، 76% يرفضون إرسال قوات برية، 66% يتوقعون ارتفاع أسعار البنزين، و56% يتوقعون تدهور أوضاعهم المالية الشخصية بسبب الحرب. لهذا فإن السؤال المركزي في الشارع الأمريكي اليوم لم يعد فقط كيف تواجه واشنطن إيران، بل لماذا يجب على المواطن الأمريكي العادي أن يدفع من معيشته وأمنه واستقرار أسرته ثمن حرب لا يثق كثيرون أصلا في حدودها أو نتيجتها النهائية؟
{ أستاذ مشارك العلاقات الدولية بجامعة دنفر الأمريكية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك