العدد : ١٧٥٤٧ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٤٧ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

اتجاهات الرأي العام الأمريكي تجاه حرب إيران

بقلم: د. أحمد عبد ربه

الثلاثاء ٠٧ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

بينما‭ ‬تواصل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬وسط‭ ‬تصريحات‭ ‬متناقضة‭ ‬للإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬عن‭ ‬الحرب‭ ‬وتطوراتها‭ ‬وموعد‭ ‬نهايتها،‭ ‬فإن‭ ‬الشارع‭ ‬الأمريكي‭ ‬يتفاعل‭ ‬بقوة‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬نظرا‭ ‬إلى‭ ‬تأثيرها‭ ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬ظروف‭ ‬حياته‭ ‬اليومية‭. ‬ما‭ ‬يظهر‭ ‬اليوم‭ ‬داخل‭ ‬الشارع‭ ‬الأمريكي‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬تصعيد‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬يقرأه‭ ‬المواطن‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬كلفة‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الداخل،‭ ‬واحتمال‭ ‬تحولها‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬طويلة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬حدودها‭ ‬فيتورط‭ ‬الجيش‭ ‬الأمريكي‭ ‬وتتورط‭ ‬معه‭ ‬حياة‭ ‬المواطن‭ ‬العادي‭ ‬في‭ ‬مستنقع‭ ‬ذي‭ ‬كلفة‭ ‬كبيرة‭. ‬لهذا‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬الرئيسي‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بطبيعة‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬ولا‭ ‬بطبيعة‭ ‬خصومته‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بسؤال‭ ‬محدد‭: ‬هل‭ ‬تستحق‭ ‬المواجهة‭ ‬دفع‭ ‬هذا‭ ‬الثمن‭ ‬فعلا؟

تشير‭ ‬استطلاعات‭ ‬الرأي‭ ‬التي‭ ‬أجريت‭ ‬مؤخرا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬قطاعات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الأمريكيين‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬الانزلاق‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬طويلة،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬القطاعات‭ ‬مقتنعة‭ ‬بأن‭ ‬إيران‭ ‬بالفعل‭ ‬هي‭ ‬مصدر‭ ‬تهديد‭ ‬لمصالح‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وما‭ ‬بعدها‭.‬

الأرقام‭ ‬هنا‭ ‬مهمة،‭ ‬لأنها‭ ‬تكشف‭ ‬المزاج‭ ‬الحقيقي‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬محاولات‭ ‬الدعاية‭ ‬التي‭ ‬تسوقها‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬للداخل‭ ‬والخارج‭ ‬للتظاهر‭ ‬بأن‭ ‬الشارع‭ ‬معه‭!‬

ففي‭ ‬استطلاع‭ ‬رويترز‭- ‬إبسوس‭ ‬المنشور‭ ‬في‭ ‬31‭ ‬مارس‭ ‬2026،‭ ‬قال‭ ‬66%‭ ‬من‭ ‬الأمريكيين‭ ‬إنهم‭ ‬يريدون‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬بسرعة،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬تتحقق‭ ‬كل‭ ‬أهداف‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬منها‭. ‬وفي‭ ‬الاستطلاع‭ ‬ذاته،‭ ‬عارض‭ ‬60‭%‬‭ ‬الضربات‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬بينما‭ ‬رفض‭ ‬76%‭ ‬إرسال‭ ‬قوات‭ ‬برية‭ ‬أمريكية‭. ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬مؤشرات‭ ‬على‭ ‬خلاف‭ ‬محدود،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬مزاج‭ ‬عام‭ ‬يميل‭ ‬بوضوح‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬توسيعها،‭ ‬وإلى‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬التورط‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الحماس‭ ‬للحسم‭ ‬العسكري‭ ‬والانتصار‭.‬

هذا‭ ‬الموقف‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬الأمريكيين‭ ‬يؤيدون‭ ‬إيران‭ ‬أو‭ ‬يتعاطفون‭ ‬معها،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فاستطلاع‭ ‬مجلس‭ ‬شيكاغو‭ ‬للشؤون‭ ‬العالمية‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬إبسوس‭ ‬أظهر‭ ‬أن‭ ‬75%‭ ‬من‭ ‬الأمريكيين‭ ‬يرون‭ ‬منع‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬امتلاك‭ ‬سلاح‭ ‬نووي‭ ‬هدفا‭ ‬مهما،‭ ‬وأن‭ ‬79%‭ ‬يعتبرون‭ ‬منعها‭ ‬من‭ ‬دعم‭ ‬جماعات‭ ‬مسلحة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬هدفا‭ ‬مهما‭ ‬أيضا،‭ ‬لكن‭ ‬المفارقة‭ ‬أن‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالخطر‭ ‬الإيراني‭ ‬لا‭ ‬يتحول‭ ‬تلقائيا‭ ‬إلى‭ ‬تأييد‭ ‬للحرب‭ ‬المفتوحة‭. ‬هنا‭ ‬تظهر‭ ‬عقدة‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الحالية‭: ‬قبول‭ ‬فكرة‭ ‬الردع‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬قبول‭ ‬حرب‭ ‬طويلة،‭ ‬وقبول‭ ‬الضربة‭ ‬المحدودة‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬قبول‭ ‬مستنقع‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

لكن‭ ‬لماذا‭ ‬يأخذ‭ ‬المواطن‭ ‬الأمريكي‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬المعقد؟‭ ‬الإجابة‭ ‬بسيطة،‭ ‬هناك‭ ‬آثار‭ ‬سلبية‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬المواطن‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬تحملها‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬انتمائه‭ ‬الحزبي‭ ‬أو‭ ‬قراءته‭ ‬لطبيعة‭ ‬التهديد‭ ‬الإيراني‭.‬

الأثر‭ ‬الأول‭ ‬للحرب‭ ‬على‭ ‬الشارع‭ ‬الأمريكي‭ ‬هو‭ ‬الأثر‭ ‬الاقتصادي‭. ‬الحرب‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأمريكيين‭ ‬لا‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬التحليلات‭ ‬العسكرية‭ ‬والسياسية،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬محطات‭ ‬الوقود‭ ‬وسعر‭ ‬السلع‭ ‬وكلفة‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭. ‬ففي‭ ‬استطلاع‭ ‬رويترز‭- ‬إبسوس‭ ‬المنشور‭ ‬في‭ ‬3‭ ‬أبريل‭ ‬2026،‭ ‬قال‭ ‬56%‭ ‬من‭ ‬الأمريكيين‭ ‬إن‭ ‬الحرب‭ ‬ستجعل‭ ‬أوضاعهم‭ ‬المالية‭ ‬الشخصية‭ ‬أسوأ،‭ ‬بينما‭ ‬قال‭ ‬66‭% ‬إن‭ ‬أسعار‭ ‬البنزين‭ ‬سترتفع‭ ‬بسببها‭. ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬تفسر‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬الخطاب‭ ‬الترامبي‭ ‬طريقه‭ ‬بسهولة‭ ‬لإقناع‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬حتى‭ ‬بمن‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المؤيدون‭ ‬للرئيس،‭ ‬لأن‭ ‬المواطن‭ ‬العادي‭ ‬يربط‭ ‬التصعيد‭ ‬فورا‭ ‬بتضخم‭ ‬أعلى‭ ‬وضغط‭ ‬معيشي‭ ‬أكبر،‭ ‬لا‭ ‬فقط‭ ‬بشعارات‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭.‬

الأثر‭ ‬الثاني‭ ‬هو‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬الاستنزاف‭ ‬العسكري‭ ‬والبشري‭. ‬الذاكرة‭ ‬الأمريكية‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬مثقلة‭ ‬بالعراق‭ ‬وأفغانستان،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬بفيتنام‭ ‬ولذلك‭ ‬لا‭ ‬يتعامل‭ ‬الأمريكيون‭ ‬باستخفاف‭ ‬مع‭ ‬احتمال‭ ‬تورط‭ ‬مماثل‭ ‬للحرب‭ ‬الحالية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬فحين‭ ‬تتحدث‭ ‬الأخبار‭ ‬عن‭ ‬سقوط‭ ‬قتلى‭ ‬وجرحى‭ ‬أمريكيين‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬إسقاط‭ ‬طائرة‭ ‬أمريكية‭ ‬فوق‭ ‬إيران،‭ ‬يصبح‭ ‬الخوف‭ ‬أكثر‭ ‬واقعية‭ ‬لأنه‭ ‬يضرب‭ ‬بقوة‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬العقد‭ ‬التاريخية‭ ‬للأعمال‭ ‬العسكرية‭ ‬الأمريكية‭. ‬لهذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬غريبا‭ ‬أن‭ ‬يُظهر‭ ‬استطلاع‭ ‬رويترز‭- ‬إبسوس‭ ‬المشار‭ ‬إليه‭ ‬أعلاه‭ ‬رفض‭ ‬76%‭ ‬من‭ ‬الأمريكيين‭ ‬إرسال‭ ‬قوات‭ ‬برية‭. ‬فالجمهور‭ ‬الأمريكي‭ ‬قد‭ ‬يقبل‭ ‬لغة‭ ‬القوة‭ ‬من‭ ‬السماء،‭ ‬لكنه‭ ‬يصبح‭ ‬أكثر‭ ‬تحفظا‭ ‬حين‭ ‬يقترب‭ ‬احتمال‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬الأرض‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يعنيه‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬طول‭ ‬أمدها‭ ‬وارتفاع‭ ‬كلفتها‭ ‬البشرية‭.‬

من‭ ‬المهم‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬نلاحظ‭ ‬أن‭ ‬الموقف‭ ‬الأمريكي‭ ‬لا‭ ‬ينقسم‭ ‬فقط‭ ‬بين‭ ‬مؤيد‭ ‬ومعارض،‭ ‬بل‭ ‬بين‭ ‬درجات‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬القبول‭ ‬والرفض‭. ‬فاستطلاع‭ ‬مجلس‭ ‬شيكاغو‭ ‬للشؤون‭ ‬العالمية‭ ‬أظهر‭ ‬أن‭ ‬71‭% ‬من‭ ‬الأمريكيين‭ ‬يعتقدون‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬العسكري‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬إقليمية‭ ‬أوسع‭. ‬

هذا‭ ‬الرقم‭ ‬مهم‭ ‬جدا،‭ ‬لأنه‭ ‬يكشف‭ ‬أن‭ ‬الاعتراض‭ ‬ليس‭ ‬قائما‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬موقف‭ ‬أخلاقي‭ ‬أو‭ ‬حزبي،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬تقدير‭ ‬براجماتي‭ ‬للمخاطر‭. ‬قطاعات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الأمريكيين‭ ‬لا‭ ‬ترى‭ ‬التصعيد‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬كعملية‭ ‬محدودة‭ ‬يمكن‭ ‬احتواؤها‭ ‬بسهولة،‭ ‬بل‭ ‬كبداية‭ ‬محتملة‭ ‬لفوضى‭ ‬إقليمية‭ ‬أكبر‭.‬

أما‭ ‬عن‭ ‬الفئات‭ ‬التي‭ ‬مازالت‭ ‬أكثر‭ ‬تأييدا‭ ‬للحرب،‭ ‬فالجمهوريون‭ ‬يأتون‭ ‬في‭ ‬المقدمة،‭ ‬لكن‭ ‬حتى‭ ‬هنا‭ ‬يجب‭ ‬توخي‭ ‬الحذر‭ ‬من‭ ‬التبسيط‭ ‬المخل‭ ‬لقراءة‭ ‬هذا‭ ‬التأييد‭! ‬فبحسب‭ ‬بيانات‭ ‬مركز‭ ‬‮«‬بيو‮»‬‭ ‬للأبحاث‭ ‬المنشورة‭ ‬في‭ ‬25‭ ‬مارس‭ ‬2026،‭ ‬وافق‭ ‬69‭% ‬من‭ ‬الجمهوريين‭ ‬وهؤلاء‭ ‬الميالين‭ ‬للحزب‭ ‬الجمهوري‭ ‬على‭ ‬الضربات‭ ‬الأمريكية‭ ‬ضد‭ ‬إيران،‭ ‬مقابل‭ ‬12‭% ‬فقط‭ ‬من‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬وهؤلاء‭ ‬الميالين‭ ‬لهم‭.‬

داخل‭ ‬المعسكر‭ ‬الجمهوري‭ ‬نفسه‭ ‬توجد‭ ‬درجات‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬التأييد‭. ‬فاستطلاع‭ ‬رويترز‭- ‬إبسوس‭ ‬أظهر‭ ‬أن‭ ‬41%‭ ‬من‭ ‬الجمهوريين‭ ‬فقط‭ ‬أيدوا‭ ‬إرسال‭ ‬قوات‭ ‬برية،‭ ‬بينما‭ ‬عارض‭ ‬ذلك‭ ‬55‭% ‬منهم؛‭ ‬أي‭ ‬أنه‭ ‬حتى‭ ‬داخل‭ ‬الحزب‭ ‬الأكثر‭ ‬استعدادا‭ ‬لتبرير‭ ‬الضربات،‭ ‬تبقى‭ ‬هناك‭ ‬حدود‭ ‬واضحة‭ ‬عندما‭ ‬يتحول‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬احتمال‭ ‬حرب‭ ‬برية‭ ‬أو‭ ‬تورط‭ ‬مباشر‭ ‬طويل‭. ‬وهذا‭ ‬مهم‭ ‬سياسيا،‭ ‬لأنه‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬التأييد‭ ‬الجمهوري‭ ‬ليس‭ ‬شيكا‭ ‬على‭ ‬بياض،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مشروط‭ ‬ومحدود‭ ‬ويتراجع‭ ‬كلما‭ ‬ارتفعت‭ ‬الكلفة‭ ‬المتوقعة‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬تبدو‭ ‬الكتلة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحا‭ ‬وحسما‭ ‬في‭ ‬الرفض‭. ‬فوفقا‭ ‬لبيانات‭ ‬‮«‬بيو‮»‬،‭ ‬رفض‭ ‬90‭% ‬من‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬طريقة‭ ‬تعامل‭ ‬ترامب‭ ‬مع‭ ‬الصراع،‭ ‬كما‭ ‬رأى‭ ‬88‭% ‬أن‭ ‬قرار‭ ‬الضربات‭ ‬كان‭ ‬خطأ‭ ‬من‭ ‬الأصل‭. ‬هذا‭ ‬الرفض‭ ‬الديمقراطي‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬فقط‭ ‬بمنافسة‭ ‬حزبية‭ ‬مع‭ ‬ترامب،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬بتصور‭ ‬أوسع‭ ‬داخل‭ ‬هذا‭ ‬المعسكر‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬ستضيف‭ ‬عبئا‭ ‬اقتصاديا‭ ‬وسياسيا‭ ‬وإنسانيا‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ضمان‭ ‬النتائج‭.‬

أما‭ ‬المستقلون،‭ ‬وهم‭ ‬كتلة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬قراءة‭ ‬انتخابية‭ ‬أمريكية،‭ ‬فيميلون‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬الحذر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الحماس‭ ‬للحرب‭. ‬فاستطلاع‭ ‬‮«‬بيو‮»‬‭ ‬أظهر‭ ‬أن‭ ‬59‭% ‬من‭ ‬الأمريكيين‭ ‬إجمالا‭ ‬رأوا‭ ‬أن‭ ‬الضربات‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬كانت‭ ‬قرارا‭ ‬خاطئا‭. ‬وهذه‭ ‬نقطة‭ ‬شديدة‭ ‬الأهمية،‭ ‬لأن‭ ‬الانتخابات‭ ‬الأمريكية‭ ‬لا‭ ‬تُحسم‭ ‬عادة‭ ‬فقط‭ ‬عبر‭ ‬قواعد‭ ‬الحزبين‭ ‬الأساسية،‭ ‬بل‭ ‬عبر‭ ‬المزاج‭ ‬المتأرجح‭ ‬بينهما‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬المتأرجحة‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭ ‬بوصفها‭ ‬عبئا‭ ‬محتملا،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬يضعف‭ ‬قدرة‭ ‬أي‭ ‬إدارة‭ ‬على‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬تأييد‭ ‬سياسي‭ ‬داخلي،‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬حجم‭ ‬الدعاية‭.‬

على‭ ‬مستوى‭ ‬الموقف‭ ‬الحزبي‭ ‬العام،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬رفض‭ ‬واضح‭ ‬للتصعيد،‭ ‬بينما‭ ‬الجمهوريون‭ ‬أكثر‭ ‬ميلا‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬الضربات‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬الردع‭ ‬وإظهار‭ ‬القوة‭.‬

‭ ‬لكن‭ ‬الصورة‭ ‬الأهم‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬انقسام‭ ‬الحزبين،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬الأمريكي‭ ‬كله‭ ‬يبدو‭ ‬أقل‭ ‬استعدادا‭ ‬من‭ ‬السابق‭ ‬لمنح‭ ‬الحروب‭ ‬الخارجية‭ ‬تفويضا‭ ‬مفتوحا‭. ‬والدليل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬استطلاع‭ ‬مجلس‭ ‬شيكاغو‭ ‬للشؤون‭ ‬العالمية‭ ‬أظهر‭ ‬أن‭ ‬56‭% ‬من‭ ‬الأمريكيين‭ ‬يقولون‭ ‬إن‭ ‬الرئيس‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬موافقة‭ ‬الكونجرس‭ ‬قبل‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭.‬

هذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬جزءا‭ ‬معتبرا‭ ‬من‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬لا‭ ‬يعترض‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الحرب،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬توسيعها‭ ‬بقرار‭ ‬رئاسي‭ ‬منفرد‭ ‬تشوبه‭ ‬اتهامات‭ ‬التعدي‭ ‬على‭ ‬الدستور‭ ‬الأمريكي‭ ‬وهو‭ ‬الوثيقة‭ ‬السياسية‭ ‬والقانونية‭ ‬الأكثر‭ ‬قدسية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬كانت‭ ‬كذلك‭ ‬حتى‭ ‬وصل‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭!‬

الخلاصة‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬لم‭ ‬تؤد‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬موجة‭ ‬تعبئة‭ ‬وطنية‭ ‬واسعة،‭ ‬بل‭ ‬أنتجت‭ ‬حالة‭ ‬قلق‭ ‬وتحفظ‭ ‬ومساءلة‭. ‬نعم،‭ ‬مازالت‭ ‬هناك‭ ‬فئات،‭ ‬خاصة‭ ‬داخل‭ ‬القاعدة‭ ‬الجمهورية،‭ ‬تؤيد‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭ ‬وتراه‭ ‬ضرورة‭ ‬للردع،‭ ‬لكن‭ ‬الصورة‭ ‬الأوسع‭ ‬تقول‭ ‬شيئا‭ ‬آخر‭: ‬66‭% ‬يريدون‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬سريعا،‭ ‬60‭%‬‭ ‬يعارضون‭ ‬الضربات،‭ ‬76‭%‬‭ ‬يرفضون‭ ‬إرسال‭ ‬قوات‭ ‬برية،‭ ‬66%‭ ‬يتوقعون‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬البنزين،‭ ‬و56%‭ ‬يتوقعون‭ ‬تدهور‭ ‬أوضاعهم‭ ‬المالية‭ ‬الشخصية‭ ‬بسبب‭ ‬الحرب‭. ‬لهذا‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬المركزي‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬الأمريكي‭ ‬اليوم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬فقط‭ ‬كيف‭ ‬تواجه‭ ‬واشنطن‭ ‬إيران،‭ ‬بل‭ ‬لماذا‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬المواطن‭ ‬الأمريكي‭ ‬العادي‭ ‬أن‭ ‬يدفع‭ ‬من‭ ‬معيشته‭ ‬وأمنه‭ ‬واستقرار‭ ‬أسرته‭ ‬ثمن‭ ‬حرب‭ ‬لا‭ ‬يثق‭ ‬كثيرون‭ ‬أصلا‭ ‬في‭ ‬حدودها‭ ‬أو‭ ‬نتيجتها‭ ‬النهائية؟

 

{ أستاذ‭ ‬مشارك‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬بجامعة‭ ‬دنفر‭ ‬الأمريكية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا