كشفت الحرب الدائرة الآن بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها من جهة ثانية، عن حقائق ينبغي الوقوف عندها ملياً، والنظر إليها بعمق، والبحث عن تداعياتها. هذا الإجراء ينبغي الشروع فيه بعد انتهاء الحرب مباشرة.
الحقيقة الأولى هي أن نظام الملالي في إيران منذ تسلمه السلطة بقيادة الخميني كان ولا يزال يضمر العداء لدول الخليج العربية، وينظر إليها بريبة وشك بالرغم من سعي الأخيرة إلى إقامة علاقات طبيعية مع السلطات الحاكمة في طهران قائمة على أسس حسن الجوار، والأخوة الإسلامية، والتعاون المشترك في جميع المجالات.
وقد ظل النهج الإيراني مستمراً إلى اليوم، والدليل على ذلك هو ما لمسناه في هذه الحرب التي وجهت إيران صواريخها ومسيراتها نحو دول الخليج بكثافة تفوق تلك التي وجهتها إلى كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.
ولمعرفة حقيقة إيران، علينا أن نقرأ الخطاب الإيراني بتمعن منذ قيام الجمهورية الإسلامية حتى الآن، لأننا سنكتشف أنه يحمل في مضامينه عداء لدول الخليج، كما أنه يعبر عن طموحات إيران التوسعية وأحلامها في السيطرة على دول الخليج. كما نكتشف أن إيران لا تختلف عن إسرائيل من حيث طموحاتها التوسعية؛ فإذا كانت الثانية تتبنى بسردية دينية تسعى من خلالها لتحقيق أحلامها التوسعية، فإن إيران هي الأخرى لديها مشروع توسعي تنطلق فيه من أيديولوجية دينية للوصول إلى غايتها.
إن الفرق بين المشروعين هو أن حلم إسرائيل هو تحقيق «دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات»، في حين أن الحلم الإيراني يتجسد في السيطرة على جغرافية العالم الإسلامي بأسرها؛ حيث ينطلق مشروعه من فلسفة دينية ملخصها أن تكون إيران سيدة العالم الإسلامي.
هذه النظرة التوسعية متجذرة في الأيديولوجية الإيرانية، ومن يشكك في هذا القول فإننا نحيله إلى قراءة أدبيات أقطاب هذه الأيديولوجية، على رأسهم الخميني الذي سطر أفكاره في كتابه «الحكومة الإسلامية في فكر الإمام الخميني».
الحقيقة الثانية، هي سوء فهم بعض الكتاب العرب والتنظيمات السياسية في بعض البلاد العربية بحقيقة «إيران الإسلامية»، إذ لا يزال هؤلاء رهينة للشعارات التي ترفعها إيران ولا يزالون يصدقون السردية الإيرانية بأن «تحرير القدس يمر عبر بوابات العواصم العربية». هنا نقول ما أشبه الليلة بالبارحة؛ حيث أيد البعض ثورة إيران الخمينية واعتبروها أيقونة ضد الإمبريالية الأمريكية والإسرائيلية؛ وهم نفسهم اليوم يتلبسهم الصمت تجاه العدوان الإيراني على دول الخليج العربية، بل نراهم -في مفارقة عجيبة- يصفقون لإيران ونسوا ما تتعرض له دول الخليج من عدوانها الآثم.
اللافت للنظر أيضاً أن البعض منهم دبجوا القصائد والمقالات حول بطولات إيران، ولا يزال عدد منهم مرحبا به في بعض الصحف العربية، حيث تتصدر مقالاتهم في تلك الصحف بالرغم من أنهم لم يتبرأوا من كتاباتهم التي تبجل «الثورة الإيرانية»، ولم يتراجعوا عن آرائهم السابقة حولها رغم انكشاف أهدافها الحقيقية وتحولها إلى نظام ثيوقراطي قمعي. الأنكى من ذلك هو أن موقفهم الحالي من العدوان الإيراني على دول الخليج لم يتغير؛ فهو يتماهى مع مواقفهم السابقة، بدليل أنهم صمتوا صمت القبور ولم ينبس أحدهم ببنت شفة حول ما يجري على الساحة الخليجية، إذ لم نر منهم إدانة واحدة للعدوان الإيراني على دول الخليج، بل إن البعض منهم حين أراد وصف العدوان جاء وصفه على استحياء ومن بعيد.
الحقيقة الثالثة، هي عدم إدراك بعض الدَّهماء في المحيط العربي حقيقة اعتداءات إيران على دول الخليج العربية، هذه الفئة أسيرة للإعلام المضاد، وهي أكثر انسياقاً وراء عاطفتها، وهي مغيبة تماماً عن إدراك ما يجري في الخليج، ولذلك فهي تنظر إلى الموضوع من زاوية أن الحرب الدائرة الآن هي بين «إيران وأعداء الأمة»، وغاب عن ذهنها أن إيران لديها أطماع توسعية لا تقل عن أطماع أعداء الأمة، والفرق بينهما هو أن الأخيرة تعزو ما تقوم به لـ(نصرة الإسلام والمسلمين)، وهذه دعاية باتت مكشوفة، ولا تنطلي على العارفين بحقيقة إيران. إن ما يؤسف له هو أن هذه الفئة نشطة في مواقع السوشيال ميديا، ولها تأثير سلبي على الرأي العام العربي.
في ضوء الحقائق السالفة الذكر، نؤكد عددا من الثوابت؛ أولها أن النظام الإيراني مستمر في عداوته لدول الخليج العربية، وهذه صفة متأصلة فيه، وقد كشفت هذه الحرب عن وجهه الحقيقي، وأسقطت القناع الذي يختبئ وراءه من خلال سرديته التي يتشدق بها دائماً وهي أنه يريد إقامة علاقات طبيعية بينه وبين دول الخليج.
أما ثاني هذه الثوابت فهو تمسك بعض الدول العربية بموقفها إزاء إيران، بالرغم من عدوان الأخيرة على دول الخليج، وهذا يعني أنها لا تزال تحمل في ذهنيتها صورة سلبية عن دول الخليج حتى وإن تظاهرت بغير ذلك، وقد أثبتت بياناتها حقيقة هذا الموقف؛ حيث جاءت مفرداتها غير صريحة، ولا ترقى إلى مستوى إدانة العدوان. ونفهم منها أنها تقف على الحياد وهذا غير مقبول ولا يستقيم مع التضامن العربي. والأدهى والأمر هو التزام بعض الدول العربية الصمت إزاء العدوان الإيراني غير المبرر، وهذا يذكرنا بموقفها إبان الغزو العراقي للكويت عام 1990.
إن ما يثير الاستغراب هو تمسك بعض الكتاب العرب بمواقفهم إزاء إيران، وهذا نابع في تقديري من سوء فهمهم للنظام الإيراني، وعدم إدراكهم طبيعة نظام حكم «الولي الفقيه»، وهو بالمناسبة نظام مستجد حتى على المذهب الشيعي نفسه؛ بدليل أن بعض فقهاء الشيعة لا يقرونه، ويعترفون بأنه من صنع الخميني، كما أن بعض المثقفين العرب تتحكم فيهم أيديولوجياتهم عند تقييمهم للنظام الإيراني، ولذلك تثيرهم صورة الشارع الذي يهتف بسقوط «الدكتاتور» أي نظام بهلوي. ومن هنا نرى هؤلاء المثقفين يقفون بجانب المعتدي بحجة أنه يحارب «الإمبريالية الأمريكية» ونسي هؤلاء أو تناسوا أن المعتدى عليها هي دول عربية.
أما ثالث الثوابت فهو استمرار أمثال هؤلاء في المجتمع العربي على مواقفهم السلبية تجاه دول الخليج، وهذا ناتج في رأيي عن قصور في وعي الرأي العام العربي. وهنا نحمّل المسؤولية اللنظم التعليمية العربية التي أثبتت عجزها في ترسيخ مفاهيم الوحدة والتضامن والأمن القومي. كما نحمّل أيضاً الإعلام العربي المسؤولية على تقصيره في القيام بدوره حيال إعداد برامج ومواد إعلامية موجهه إلى المتلقي العربي؛ إذ إن مثل هذه البرامج لا شك أنها تسهم في التقارب بين أبناء الأمة العربية بعضهم بعضا، وتخلق رأياً عاماً موحداً.
الخلاصة، إن الدول الخليجية مطالبة بعد أن تضع الحرب أوزارها بوقفة، ومراجعة شاملة لعلاقاتها في ضوء هذه التطورات، وأن تباشر في وضع أسس جديدة لعلاقاتها وفقاً لمصالحها وللثوابت العربية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك