تشكل الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران إحدى أكثر لحظات التحول حساسية في الإقليم، وخاصة في ظل استمرار العدوان الإيراني الغاشم على دول الخليج والأردن الذي يتم تحت مبررات وذرائع واهية وغير منطقية، إذ تلتقي فيها اعتبارات الأمن القومي العربي مع رهانات التنمية والاستقرار الاقتصادي. ولا يمكن مقاربة هذه الحرب من زاوية عسكرية بحتة، لأن آثارها الفعلية تتجاوز ساحات القتال لتطول بنية الاقتصادات، وأسواق العمل، ومسارات التنمية.
وفي هذا السياق، ينطلق المقال من قناعة عربية إسلامية إنسانية مفادها أن القضية الفلسطينية يجب أن تظل في قلب التفكير الاستراتيجي العربي، ليس باعتبارها قضية حقوق فلسطينية وأخلاق انسانية فحسب، بل بوصفها عنصرًا بنيويًا في معادلة الاستقرار الإقليمي ومنع الانزلاق المتكرر إلى دورات العنف والتصعيد الذي ينطلق منه الكيان مستعينا باللوبي الصهيوني المسيحي الأمريكي.
ونظرا إلى كون القضية الفلسطينية تمثل اساس الصراع العربي الصهيوني فلا يمكن فصل الحرب الدائرة عن السياق البنيوي في المنطقة، حيث تظل القضية الفلسطينية في قلب القرار الاستراتيجي ومصدرًا رئيسيًا لعدم الاستقرار نتيجة غياب التوصل إلى حل عادل لحقوق الشعب الفلسطيني.
إن تهميش القضية الفلسطينية أو التعامل معها بوصفها ملفًا ثانويًا يؤدي إلى إعادة إنتاج بيئة إقليمية قابلة للاشتعال، تُستثمر فيها الحروب لتصفية الحسابات أو إعادة ترتيب الأولويات. ومن ثم، فإن وضع فلسطين في قلب القرار الخليجي-العربي يمثل شرطًا وقائيًا للاستقرار، لا عبئًا سياسيًا، لأنه يعالج جذور التوتر بدلا من الاكتفاء بإدارة أعراضه. وخاصة من جانب الغرب الاستعماري.
منذ اندلاع الحرب، اتسم الموقف الخليجي بالوضوح والحذر الاستراتيجي، حيث أكدت دول مجلس التعاون أنها ليست طرفًا في النزاع، ولن تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها في أعمال عسكرية. ويعكس هذا الموقف إدراكًا عميقًا لكلفة الانجرار إلى صراع لا يخدم المصالح الوطنية الخليجية، فضلًا عن كونه ترجمة عملية لمفهوم السيادة وحماية الأمن الداخلي. وقد ترافق هذا النهج مع دعم مجتمعي خليجي واسع وثقة بدور القوات المسلحة الخليجية في رد أي اعتداء يطول الأرواح والمنشآت، بما يعزز التماسك الوطني في مواجهة المخاطر. لذلك فإن إيران بعدوانها الغاشم على بلادنا ارتكبت خطأ استراتيجيا باستهداف دول الخليج واعتبارها طرفا في حرب مفروضة على المنطقة.
في استقراء للبعد الاقتصادي والاجتماعي للحرب الدائرة، تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن التصعيد العسكري في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى خسارة تتراوح بين 3.7% و6.0% من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة، أي ما يعادل 120 إلى 194 مليار دولار، وهي خسائر تتجاوز مجمل النمو الاقتصادي المحقق خلال عام 2025. وتدل هذه المؤشرات على أن الحرب لا تمثل صدمة ظرفية، بل تهديدًا مباشرًا لمسار التنمية والاستقرار الاجتماعي.
ووفق نماذج برنامج الامم المتحدة الانمائي (2026 UNDP) فإن التصعيد يؤثر في احداث اضطراب التجارة والممرات البحرية وارتفاع تكاليف النقل والتامين وخسائر الانتاج، ومن ثم ارتفاع الاسعار؛ كما يؤثر على استدامة الطاقة وتقلبات اسعار النفط. كذلك تتأثر في مثل هذه الاجواء دوافع الاستثمار وتأجيل المشاريع، يرافق ذلك تباطؤ النمو وتراجع الايرادات العامة ومؤشرات التنمية بشكل عام.
تكشف هذه المعطيات أن مفهوم الأمن المطلوب لم يعد مقتصرًا على الردع العسكري، بل يشمل حماية الاقتصاد، واستدامة التنمية، والاستقرار الاجتماعي. من هذا المنطلق، تبرز أهمية تفعيل الاتفاقات الدفاعية العربية وتعزيز التنسيق السياسي والأمني، ليس فقط لردع التهديدات الإقليمية والخارجية، بل للحد من كلفة الصدمات الاقتصادية المصاحبة للصراعات في المنطقة. كذلك تظهر هذه المعطيات أهمية تفعيل التقارب والتكامل الاقتصادي العربي والخليجي لتقليل مخاطر تلك الصدمات والتوترات.
في صميم أمل شعوبنا في التكامل العربي، وفي ضوء الدروس المستخلصة من تاريخ الامة العربية والحروب المتتالية، يصبح التوجه نحو التصنيع -بما فيه التصنيع العسكري- خيارًا استراتيجيًا خليجيا وعربيا لا غنى عنه. إذ إن بناء قاعدة صناعية وتقنية متقدمة سوف يعتمد على مدى الاستثمار الخليجي والعربي في التعليم والبحث العلمي، وبمقدار الاهتمام به على انه قضية أمن قومي عربي وشرط للتقدم وتحقيق اهداف الامة. كما انهما (أي التعليم والبحث العلمي) يمثلان رافعة للسيادة الاقتصادية وتقليل الاعتماد على الخارج. وبالإضافة إلى ذلك فإن تحويل الإنفاق الدفاعي إلى محرك للتكنولوجيا والصناعات المدنية المتقدمة يسهم في خلق فرص عمل، ويعزز الاستقرار الاجتماعي، ويبني قدرة عسكرية ومدنية ذاتية تدعم القدرة على الصمود في مواجه الصدمات المحتملة في المستقبل.
من هذا المنطلق، لا ينبغي أن يُنظر إلى التصنيع بوصفه مشروعًا وطنيًا منفردًا او خيارا تنمويا ثانويا، بل استجابة استراتيجية ومسارا تكامليا خليجيا-عربيا يحول الأزمات الجيوسياسية من مصادر تهديد إلى محفزات لبناء قوة ذاتية مستدامة، تحمي الاقتصاد، وتعزز الاستقرار، وتُبقي القرار السيادي في يد الدول العربية الخليجية من خلال تبني نهج تكاملي خليجي-عربي.
كذلك يقوم هذا النهج بتوزيع الأدوار الصناعية، وتوحيد سلاسل الإمداد، وتَشارُك المعرفة والتقنية، مع الحفاظ على مركزية القضية الفلسطينية كشرط للاستقرار الإقليمي طويل الأمد.
ولتقييم مدى فعالية مسار التصنيع العربي يجب وضع مؤشرات تعبر عن مدى التقدم فيه تنتهي بقياس فعالية التصنيع بوصفه أداة لتعزيز المناعة الاقتصادية والسيادية. لهذه الغاية مطلوب منظومة مؤشرات أداء تركز على النتائج وليس النوايا. وتشمل هذه المؤشرات ارتفاع نسبة المكوّن المحلي والإقليمي في الصناعات الاستراتيجية، وتزايد عدد الموردين المحليين المعتمدين ضمن سلاسل القيمة، ونمو الإنفاق على البحث والتطوير وربطه بالتصنيع ذي الاستخدام المزدوج (مدني عسكري)، وزيادة فرص العمل الصناعية النوعية.
كما يُقاس النجاح بتحسن مرونة سلاسل الإمداد (انخفاض زمن وكلفة التوريد للمدخلات الصناعية الاساسية)، وارتفاع حصة المشتريات الحكومية من الإنتاج المحلي - الإقليمي، واتساع التجارة البينية الصناعية الخليجية العربية؛ والاهم ان تشمل المؤشرات تطور التعليم وتقدم البحث العلمي وإنتاج المعرفة. وتوفر هذه المؤشرات إطارًا عمليًا لمتابعة التقدم، وتصحيح المسار، وضمان تحوّل التصنيع من شعار إلى قدرة إنتاجية مستدامة.
وأخيرا يؤكد المقال أن الحرب الراهنة واستمرار العدوان الإيراني الغاشم على بلادنا الخليجية يكشفان بوضوح الترابط الوثيق بين الأمن والتنمية. فالحروب لا تدمّر البنى العسكرية فقط، بل تؤدي الى تآكل فرص العمل، وتبدد مكاسب النمو، وتضعف الاستقرار الاجتماعي.
ونضيف على ذلك أن التمسك بالقضية الفلسطينية، وبناء القوة الذاتية العربية عبر التعليم والتكنولوجيا والتصنيع، وتفعيل التكامل الخليجي والعربي، تمثل جميعها عناصر مسار استراتيجي واحد قادر على حماية المصالح وصون السيادة الوطنية وفتح أفق تنموي أكثر استقرارًا للأمة العربية يمكنها من حماية حقوقها ومصالحها وسيادتها.
mkuwaiti@batelco.com.bh

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك