العدد : ١٧٥٤٥ - الاثنين ٠٦ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٤٥ - الاثنين ٠٦ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

أطفالنا الصغار في زمن الحرب

بقلم: نبيلة رجب

الاثنين ٠٦ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

جلستُ‭ ‬أراقبها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تعلم‭. ‬حفيدتي‭ ‬أمام‭ ‬الشاشة،‭ ‬وفي‭ ‬حضنها‭ ‬أخوها‭ ‬الصغير‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يبلغ‭ ‬عامه‭ ‬بعد،‭ ‬تُصرّ‭ ‬على‭ ‬إبقائه‭ ‬أمام‭ ‬الكاميرا‭ ‬حتى‭ ‬يراه‭ ‬أصدقاؤها‭ ‬ومعلمتها،‭ ‬كأنه‭ ‬تلميذ‭ ‬من‭ ‬تلاميذها‭. ‬عيناها‭ ‬تحدقان‭ ‬في‭ ‬الشاشة،‭ ‬وعيناي‭ ‬تحدقان‭ ‬فيها،‭ ‬أرى‭ ‬كيف‭ ‬تتصلب‭ ‬ملامحها‭ ‬من‭ ‬طول‭ ‬الجلوس،‭ ‬وكيف‭ ‬تفقد‭ ‬تركيزها،‭ ‬وهي‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬حاضرة‭ ‬أمام‭ ‬شاشة‭ ‬لا‭ ‬تعطيها‭ ‬ما‭ ‬يعطيها‭ ‬إياه‭ ‬فصلها‭ ‬الدراسي‭. ‬وقلتُ‭ ‬في‭ ‬سري‭: ‬هذا‭ ‬أيضاً‭ ‬مما‭ ‬تتركه‭ ‬الحرب‭ ‬خلفها‭.‬

ليست‭ ‬حفيدتي‭ ‬وحدها‭. ‬في‭ ‬كل‭ ‬بيت‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬ثمة‭ ‬طفل‭ ‬أمام‭ ‬شاشة،‭ ‬وأم‭ ‬بجانبه‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬توفّق‭ ‬بين‭ ‬درسه‭ ‬والتزاماتها‭. ‬التعليم‭ ‬عن‭ ‬بُعد‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ما‭ ‬تمر‭ ‬به‭ ‬المنطقة‭ ‬ليس‭ ‬ترفاً‭ ‬ولا‭ ‬خياراً،‭ ‬هو‭ ‬الحل‭ ‬الوحيد‭ ‬الممكن‭ ‬لاستمرار‭ ‬العام‭ ‬الدراسي‭ ‬وحماية‭ ‬الأطفال‭. ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬يجادل‭ ‬في‭ ‬ذلك‭.‬

والحق‭ ‬يُقال،‭ ‬التعليم‭ ‬عن‭ ‬بُعد‭ ‬أثبت‭ ‬جدارته‭ ‬في‭ ‬أحلك‭ ‬الظروف‭. ‬حافظ‭ ‬على‭ ‬العام‭ ‬الدراسي،‭ ‬وأبقى‭ ‬الطفل‭ ‬على‭ ‬تواصل‭ ‬مع‭ ‬معلمه‭ ‬وكتبه‭ ‬وروتينه‭ ‬اليومي‭ ‬الذي‭ ‬يحتاج‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬القلق‭. ‬كورونا‭ ‬كانت‭ ‬المدرسة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬علّمتنا‭ ‬كيف‭ ‬نفعل‭ ‬ذلك،‭ ‬والظروف‭ ‬الراهنة‭ ‬تجعلنا‭ ‬نُحسنه‭ ‬أكثر‭. ‬وهذا‭ ‬إنجاز‭ ‬لا‭ ‬يُستهان‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬فيه‭ ‬التعلم‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬الظروف‭.‬

لكن‭ ‬ثمة‭ ‬ما‭ ‬يغيب‭ ‬عن‭ ‬الشاشة‭. ‬الدرس‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬الطفل،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يصل‭ ‬إليه‭ ‬هو‭ ‬نظرة‭ ‬معلمته‭ ‬حين‭ ‬تشرح،‭ ‬وصوت‭ ‬الفصل‭ ‬بكل‭ ‬فوضاه،‭ ‬وركض‭ ‬الفسحة،‭ ‬وتلك‭ ‬اللحظات‭ ‬الصغيرة‭ ‬بين‭ ‬الأطفال‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬بلا‭ ‬قيمة‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬جزء‭ ‬مما‭ ‬يتعلمه‭ ‬الطفل‭ ‬كل‭ ‬يوم‭.‬

ويغيب‭ ‬عنها‭ ‬أيضاً‭ ‬الأقران‭ ‬بمعناهم‭ ‬الحقيقي‭. ‬التلميذ‭ ‬الذي‭ ‬يجلس‭ ‬وحده‭ ‬أمام‭ ‬جهازه‭ ‬يفتقد‭ ‬ذلك‭ ‬العالم‭ ‬الصغير‭ ‬الذي‭ ‬يبنيه‭ ‬مع‭ ‬أصدقائه‭ ‬يوماً‭ ‬بيوم‭. ‬الخلافات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمصالحات،‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬اللعب،‭ ‬تعلّم‭ ‬كيف‭ ‬يتفاوض‭ ‬وكيف‭ ‬يخسر‭ ‬وكيف‭ ‬يفرح‭ ‬مع‭ ‬غيره‭. ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬هامشاً‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الطفل،‭ ‬هي‭ ‬جوهرها‭. ‬والطفل‭ ‬الذي‭ ‬يفتقدها‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬يحتاج‭ ‬حين‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬وقت‭ ‬ليستعيد‭ ‬إيقاعه‭ ‬مع‭ ‬أقرانه،‭ ‬وهذا‭ ‬وحده‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬نفكر‭ ‬فيه‭ ‬ونعمل‭ ‬عليه‭.‬

وأكثر‭ ‬من‭ ‬يتأثر‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأطفال‭ ‬الصغار،‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يمرون‭ ‬بسنوات‭ ‬التأسيس‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬مسيرتهم‭ ‬الدراسية‭. ‬فهذه‭ ‬السنوات‭ ‬لا‭ ‬تُعوَّض‭ ‬ببساطة،‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تُرسّخ‭ ‬في‭ ‬الطفل‭ ‬حب‭ ‬التعلم‭ ‬أو‭ ‬النفور‭ ‬منه،‭ ‬وتُشكّل‭ ‬علاقته‭ ‬بالمعلم‭ ‬والزميل‭ ‬والفصل‭.‬

الطفل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العمر‭ ‬يتعلم‭ ‬بعينيه‭ ‬وأذنيه‭ ‬وجسده‭ ‬كله،‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬ويلمس‭ ‬ويتفاعل،‭ ‬أن‭ ‬يرفع‭ ‬يده‭ ‬في‭ ‬الفصل‭ ‬ويشعر‭ ‬بفرحة‭ ‬الإجابة‭ ‬الصحيحة،‭ ‬وأن‭ ‬يجلس‭ ‬بجانب‭ ‬زميله‭ ‬ويتشاركا‭ ‬نفس‭ ‬الكتاب،‭ ‬وأن‭ ‬يسمع‭ ‬صوت‭ ‬معلمته‭ ‬يملأ‭ ‬الغرفة‭ ‬لا‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬سماعة‭ ‬صغيرة‭.‬

هذه‭ ‬تفاصيل‭ ‬تبدو‭ ‬بسيطة‭ ‬لكنها‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تبني‭ ‬في‭ ‬الطفل‭ ‬شغفه‭ ‬بالتعلم‭. ‬والشاشة‭ ‬مهما‭ ‬أُحسن‭ ‬استخدامها‭ ‬تبقى‭ ‬نافذة‭ ‬ضيقة‭ ‬لعالم‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يعيشه‭ ‬الطفل‭ ‬بكامله‭.‬

والجسد‭ ‬أيضاً‭ ‬يدفع‭ ‬ثمنه‭. ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العمر‭ ‬خُلق‭ ‬للحركة،‭ ‬يركض‭ ‬ويقفز‭ ‬ويتعب‭ ‬ويعود‭. ‬ساعات‭ ‬الجلوس‭ ‬الطويلة‭ ‬أمام‭ ‬الشاشة‭ ‬تفرض‭ ‬عليه‭ ‬سكوناً‭ ‬لا‭ ‬يناسب‭ ‬طبيعته،‭ ‬تُرهق‭ ‬عينيه‭ ‬الصغيرتين‭ ‬اللتين‭ ‬لم‭ ‬تُصنعا‭ ‬للتحديق‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬أزرق‭ ‬ساعات‭ ‬متواصلة‭. ‬والطفل‭ ‬لا‭ ‬يشكو،‭ ‬يجلس‭ ‬ويطيع،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الأمر‭ ‬أثقل‭ ‬وأصعب‭.‬

الكبار‭ ‬يُعبّرون‭ ‬عن‭ ‬إرهاقهم‭ ‬ويتذمرون‭ ‬ويتكلمون،‭ ‬أما‭ ‬الطفل‭ ‬فيُكمل‭ ‬في‭ ‬صمت‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الصمت‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬بخير،‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬الكلمات‭ ‬بعد‭ ‬ليقول‭ ‬ما‭ ‬يشعر‭ ‬به‭. ‬والأطفال‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭ ‬مما‭ ‬نظن،‭ ‬لكنهم‭ ‬يحتاجون‭ ‬منا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقولونه‭. ‬والأم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬لها‭ ‬حكايتها‭. ‬كثيرات‭ ‬منهن‭ ‬ملتزمات‭ ‬بعمل‭ ‬لا‭ ‬يحتمل‭ ‬التأجيل،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬أو‭ ‬خارجه،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬يجدن‭ ‬أنفسهن‭ ‬مضطرات‭ ‬إلى‭ ‬الجلوس‭ ‬بجانب‭ ‬أطفالهن‭ ‬طوال‭ ‬ساعات‭ ‬الدراسة‭. ‬لأن‭ ‬الطفل‭ ‬الصغير‭ ‬أمام‭ ‬الشاشة‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يوجهه‭ ‬ويُبقيه‭ ‬منتبهاً‭.‬

الأم‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬لا‭ ‬تُحسد‭ ‬عليه،‭ ‬شاشتها‭ ‬أمامها‭ ‬واجتماعها‭ ‬ينتظر،‭ ‬وطفلها‭ ‬بجانبها‭ ‬يحتاج‭ ‬إليها‭. ‬تُقسّم‭ ‬نفسها‭ ‬بين‭ ‬الاثنين‭ ‬وتُحسن‭ ‬في‭ ‬كليهما‭ ‬بنصف‭ ‬طاقتها‭.‬

‭ ‬هذا‭ ‬الثقل‭ ‬المضاف‭ ‬لم‭ ‬يتحدث‭ ‬عنه‭ ‬أحد،‭ ‬لكن‭ ‬كل‭ ‬أم‭ ‬تعرفه‭ ‬جيداً‭. ‬وأنا‭ ‬من‭ ‬بينهن،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬لي‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬ما‭ ‬يشغلني،‭ ‬إلا‭ ‬أنني‭ ‬أجدني‭ ‬أُرجئ‭ ‬ما‭ ‬بيدي‭ ‬لأجلس‭ ‬بجانب‭ ‬حفيدتي،‭ ‬لارتباط‭ ‬ابنتي‭ ‬بعملها‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الساعات‭.‬

في‭ ‬نهاية‭ ‬يوم‭ ‬الدراسة،‭ ‬حين‭ ‬تُغلق‭ ‬الشاشة‭ ‬أخيراً،‭ ‬يعود‭ ‬البيت‭ ‬إلى‭ ‬هدوئه‭. ‬ونأمل‭ ‬جميعاً‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬الأمور‭ ‬إلى‭ ‬طبيعتها‭ ‬قريباً،‭ ‬فيعود‭ ‬أطفالنا‭ ‬إلى‭ ‬فصولهم‭ ‬وأصدقائهم‭ ‬ولعبهم‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬عاشوه‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬يستحق‭ ‬منا‭ ‬وقفة،‭ ‬لأن‭ ‬الطفل‭ ‬الذي‭ ‬صبر‭ ‬وأكمل‭ ‬وصمت‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬لم‭ ‬يختره‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬نراه‭ ‬ونقدّر‭ ‬ما‭ ‬تحمّله‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا