جلستُ أراقبها من دون أن تعلم. حفيدتي أمام الشاشة، وفي حضنها أخوها الصغير الذي لم يبلغ عامه بعد، تُصرّ على إبقائه أمام الكاميرا حتى يراه أصدقاؤها ومعلمتها، كأنه تلميذ من تلاميذها. عيناها تحدقان في الشاشة، وعيناي تحدقان فيها، أرى كيف تتصلب ملامحها من طول الجلوس، وكيف تفقد تركيزها، وهي تحاول أن تبقى حاضرة أمام شاشة لا تعطيها ما يعطيها إياه فصلها الدراسي. وقلتُ في سري: هذا أيضاً مما تتركه الحرب خلفها.
ليست حفيدتي وحدها. في كل بيت في البحرين ثمة طفل أمام شاشة، وأم بجانبه تحاول أن توفّق بين درسه والتزاماتها. التعليم عن بُعد في ظل ما تمر به المنطقة ليس ترفاً ولا خياراً، هو الحل الوحيد الممكن لاستمرار العام الدراسي وحماية الأطفال. ولا أحد يجادل في ذلك.
والحق يُقال، التعليم عن بُعد أثبت جدارته في أحلك الظروف. حافظ على العام الدراسي، وأبقى الطفل على تواصل مع معلمه وكتبه وروتينه اليومي الذي يحتاج إليه في زمن القلق. كورونا كانت المدرسة الأولى التي علّمتنا كيف نفعل ذلك، والظروف الراهنة تجعلنا نُحسنه أكثر. وهذا إنجاز لا يُستهان به في وقت لا يتوقف فيه التعلم مهما كانت الظروف.
لكن ثمة ما يغيب عن الشاشة. الدرس يصل إلى الطفل، لكن ما لا يصل إليه هو نظرة معلمته حين تشرح، وصوت الفصل بكل فوضاه، وركض الفسحة، وتلك اللحظات الصغيرة بين الأطفال التي تبدو بلا قيمة لكنها في الحقيقة جزء مما يتعلمه الطفل كل يوم.
ويغيب عنها أيضاً الأقران بمعناهم الحقيقي. التلميذ الذي يجلس وحده أمام جهازه يفتقد ذلك العالم الصغير الذي يبنيه مع أصدقائه يوماً بيوم. الخلافات الصغيرة والمصالحات، المشاركة في اللعب، تعلّم كيف يتفاوض وكيف يخسر وكيف يفرح مع غيره. هذه ليست هامشاً في حياة الطفل، هي جوهرها. والطفل الذي يفتقدها فترة من الزمن يحتاج حين يعود إلى وقت ليستعيد إيقاعه مع أقرانه، وهذا وحده يستحق أن نفكر فيه ونعمل عليه.
وأكثر من يتأثر من هؤلاء الأطفال الصغار، أولئك الذين يمرون بسنوات التأسيس الأولى في مسيرتهم الدراسية. فهذه السنوات لا تُعوَّض ببساطة، هي التي تُرسّخ في الطفل حب التعلم أو النفور منه، وتُشكّل علاقته بالمعلم والزميل والفصل.
الطفل في هذا العمر يتعلم بعينيه وأذنيه وجسده كله، يحتاج إلى أن يرى ويلمس ويتفاعل، أن يرفع يده في الفصل ويشعر بفرحة الإجابة الصحيحة، وأن يجلس بجانب زميله ويتشاركا نفس الكتاب، وأن يسمع صوت معلمته يملأ الغرفة لا يخرج من سماعة صغيرة.
هذه تفاصيل تبدو بسيطة لكنها هي التي تبني في الطفل شغفه بالتعلم. والشاشة مهما أُحسن استخدامها تبقى نافذة ضيقة لعالم يستحق أن يعيشه الطفل بكامله.
والجسد أيضاً يدفع ثمنه. الطفل في هذا العمر خُلق للحركة، يركض ويقفز ويتعب ويعود. ساعات الجلوس الطويلة أمام الشاشة تفرض عليه سكوناً لا يناسب طبيعته، تُرهق عينيه الصغيرتين اللتين لم تُصنعا للتحديق في ضوء أزرق ساعات متواصلة. والطفل لا يشكو، يجلس ويطيع، وهذا ما يجعل الأمر أثقل وأصعب.
الكبار يُعبّرون عن إرهاقهم ويتذمرون ويتكلمون، أما الطفل فيُكمل في صمت. لكن هذا الصمت لا يعني أنه بخير، يعني أنه لا يملك الكلمات بعد ليقول ما يشعر به. والأطفال أكثر مرونة مما نظن، لكنهم يحتاجون منا إلى أن نرى ما لا يقولونه. والأم في هذه المعادلة لها حكايتها. كثيرات منهن ملتزمات بعمل لا يحتمل التأجيل، سواء من البيت أو خارجه، ومع ذلك يجدن أنفسهن مضطرات إلى الجلوس بجانب أطفالهن طوال ساعات الدراسة. لأن الطفل الصغير أمام الشاشة يحتاج إلى من يوجهه ويُبقيه منتبهاً.
الأم التي تعمل من البيت تجد نفسها في موقف لا تُحسد عليه، شاشتها أمامها واجتماعها ينتظر، وطفلها بجانبها يحتاج إليها. تُقسّم نفسها بين الاثنين وتُحسن في كليهما بنصف طاقتها.
هذا الثقل المضاف لم يتحدث عنه أحد، لكن كل أم تعرفه جيداً. وأنا من بينهن، وإن كان لي من العمل ما يشغلني، إلا أنني أجدني أُرجئ ما بيدي لأجلس بجانب حفيدتي، لارتباط ابنتي بعملها في تلك الساعات.
في نهاية يوم الدراسة، حين تُغلق الشاشة أخيراً، يعود البيت إلى هدوئه. ونأمل جميعاً أن تعود الأمور إلى طبيعتها قريباً، فيعود أطفالنا إلى فصولهم وأصدقائهم ولعبهم. غير أن ما عاشوه في هذه الأيام يستحق منا وقفة، لأن الطفل الذي صبر وأكمل وصمت في زمن لم يختره يستحق أن نراه ونقدّر ما تحمّله.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك