«الفعل الإجرائي، هو:» العمل الذي يقوم به الفرد تلقائيًّا أو استجابة لظروف بيئية، يعرف أيضًا بأنه: سلوك إجرائي ويمثل أفعالًا طبيعية مثل: المشي والابتسام، أو مكتسبة بفعل العوامل البيئية كالمجتمع أو التعليم. (ويكبيديا!)
إذًا، فالفعل الإجرائي هو عندما تتحول الأقوال والأفعال من مجرد كلام إلى عمل صالح، ومن مجرد وسيلة إلى غاية، عن أبي ذر (رضي الله عنه) قال: (أتيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعليه ثوب أبيض، وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ، فقال: ما من عبد، قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة قلت: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى إن سرق على رغِم أنف أبي ذر) صحيح البخاري.
فانظروا إلى مدى الرفق واللين في تعاليم الإسلام، بتكاليفه، وتأملوا مدى إصرار أبي ذر على التأكد من سماحة الإسلام فكرر السؤال والإجابة ليستوثق أبو ذر، وهو بهذا حين يقول ثلاث مرات ليؤكد سعة صدر الإسلام، وإصرار الرسول (صلى الله عليه وسلم) على الإجابة نفسها، ليبين للناس وليس للمسلمين فقط مدى رفق الإسلام ولينه، وكان ذلك من أسباب سرعة انتشاره، وبلوغه ما بلغ الليل والنهار، ألم يوص الله تعالى رسوله موسى وأخاه هارون حين أرسلهما إلى فرعون أن يقولا له: قولًا لينًا، وهو من هو في كفره وعناده، فقال لهما: (اذهبا إلى فرعون إنه طغى (43) فقولا له قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى (44)) سورة طه.
وما دام فرعون على هذه الصورة من البغي والعدوان، فما الفائدة من دعوته، والرفق معه، فالله تعالى لا يقضي بعلمه، ولكن بالدليل والبرهان، وإقامة الحجة على عبادة حتى لا يحتج عبد من عبيده بأنه لم تبلغه الدعوة، والقرآن الكريم مليء بالأمثلة على ذلك، ولقد حدثنا القرآن عن إنكار قوم نوح لدعوة نبيهم نوح وزعمهم أن الدعوة لم تبلغهم، ولقد ظل نبي الله نوح يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عامًا.
إذًا، فالله تعالى يضرب المثل على التسامح حتى مع أعظم الناس طغيانًا وعنادًا، وهو فرعون الذي قال: (أنا ربكم الأعلى) النازعات / 24. وقال كذلك: (وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري …) القصص / 38.
ورغم كل هذا العناد والكفر أتاح له الله سبحانه الفرص فلم يرجع عن غيه وعناده، فكان من شأنه ما قصه القرآن علينا حين أغرقه ونجاه ببدنه ليكون من بعده آية يعتبر بها الطغاة والمستبدون.
ومن رحمة الله تعالى، ومن كرمه وجوده أنه سبحانه لا يحاسب العصاة بمقتضى علمه سبحانه، بل يحاسبهم بالدليل، والبرهان ويعرض عليهم الأمثلة فيما صنع العصاة قبلهم لعلهم يتعظون ويتوبون، وأكبر مثال على كرم الله سبحانه قصة نبي الله نوح (عليه الصلاة والسلام) مع قومه، فقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، وما ترك وسيلة للدعوة إلا جاءهم بها ولكن دون جدوى، يقول تعالى عن هؤلاء: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير) المائدة / 19. وسوفً يفضحهم الله تعالى على رؤوس الأشهاد، ويشهد عليهم خاتم أنبيائه ورسله محمد (صلى الله عليه وسلم)، ومن ورائه أمة الإسلام بأن نوحًا قد بلغ قومه ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، وسيظل هذا شهادة موثقة في كتاب تعهد الله تعالى بحفظه، ووعد بصيانته من التحريف والتزوير، فقال تعالى: (إنّا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) الحجر / 9. وقال سبحانه: (.. وإنه لكتاب عزيز (41) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (42)) فصلت. ورغم كل ذلك يخبرنا الحق سبحانه وتعالى أنهم سينكرون أن بعث الله تعالى لهم نوحًا نبيًا. ورسولا، فعلم جحودهم وإنكارهم، فبعث الله تعالى لأتباع نبيه نوح رسولين ليقيم عليهم الحجة، ويفضح سرهم وعلانيتهم فلا يجدون مناصًا: إما الإيمان وإما الكفر.
ومن عظيم جوده سبحانه أنه بسط لهم القول فيما هم مقبلون عليه، ومنحهم الإرادة الحرة في اختيار السبيل المفضي إلى النجاة يوم القيامة، قال تعالى: (إنّا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورا). الإنسان / 3. بل لقد أعانهم على نفوسهم الأمَّارة بالسوء، وشيطانهم الذي كشف لهم خططه، وتعهده الذي أخذه على نفسه بأن يغويهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فقدم بيانًا واضحًا كشف فيه الخطط التي سوف يتبعها لإضلال الإنسان ويصده عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة، وأنه لا يملك قوة مادية فيقهرهم على المعصية، كما أنه لا يملك قوة يقنعهم بها ليعصوا الله تعالى، وأنه فقط سوف يدلهم على طريق المعصية، وإليكم بيان الشيطان: (وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم) إبراهيم / 22.
وهكذا أقام الله تعالى الحجة على الناس، وبَيَنْ لهم أنهم بإرادتهم الحرة عصوا الله تعالى، ووقعوا في المعاصي باختيارهم الحر ولا دخل للشيطان فيه.
هذا هو الإسلام، وهذه وسائله وغاياته، طاعة ومعصية، وإقبالًا وإدبارًا عن منهج الله تعالى. فمن أقبل على الطاعة أقبل بإرادته، ومن أعرض عنها، أعرض بإرادته، وأما المؤثرات الخارجية، فهي مجرد مؤثرات مساعدة وليست أصلية في الفعل أو القول.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك