العدد : ١٧٥٤٥ - الاثنين ٠٦ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٤٥ - الاثنين ٠٦ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

ضرورة التحرك العربي الإسلامي لإنقاذ المسجد الأقصى

بقلم: محمد مصطفى شاهين

الاثنين ٠٦ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬التي‭ ‬يمتد‭ ‬قرار‭ ‬إغلاق‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى‭ ‬كظل‭ ‬ثقيل‭ ‬على‭ ‬القدس‭ ‬العربية‭ ‬المحتلة‭ ‬حيث‭ ‬يواصل‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الإغلاق‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬بل‭ ‬يمدده‭ ‬حتى‭ ‬منتصف‭ ‬أبريل‭ ‬في‭ ‬أطول‭ ‬حصار‭ ‬شامل‭ ‬منذ‭ ‬احتلال‭ ‬المدينة‭ ‬المقدسة‭ ‬عام‭ ‬1967‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الأمر‭ ‬مجرد‭ ‬إجراء‭ ‬أمني‭ ‬مؤقت‭ ‬كما‭ ‬يدّعي‭ ‬المتحدثون‭ ‬الرسميون‭ ‬بحجة‭ ‬الطوارئ‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬فصل‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬مسرحية‭ ‬التهويد‭ ‬المنهجي‭. ‬

المصلون‭ ‬تم‭ ‬حرمانهم‭ ‬من‭ ‬صلاة‭ ‬التراويح‭ ‬والاعتكاف‭ ‬طوال‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬والبلدة‭ ‬القديمة‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬ثكنة‭ ‬عسكرية‭ ‬والأقصى‭ ‬قبلة‭ ‬المسلمين‭ ‬الأولى‭ ‬أصبح‭ ‬كأنه‭ ‬معزول‭ ‬عن‭ ‬الزمن‭ ‬والتاريخ‭.‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬الإغلاق‭ ‬ليس‭ ‬حادثاً‭ ‬عارضاً‭ ‬إنه‭ ‬ثمرة‭ ‬جريمة‭ ‬مدروسة‭ ‬جذورها‭ ‬تغوص‭ ‬في‭ ‬تربة‭ ‬اليمين‭ ‬الصهيوني‭ ‬المتطرف‭ ‬ذلك‭ ‬التيار‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬الحرم‭ ‬القدسي‭ ‬ليس‭ ‬مكاناً‭ ‬مقدساً‭ ‬مشتركاً‭ ‬بل‭ ‬ملكية‭ ‬حصرية‭ ‬يجب‭ ‬انتزاعها‭ ‬بالقوة‭ ‬أو‭ ‬بالمكر‭.‬

لنعد‭ ‬إلى‭ ‬الجذور‭ ‬فالجريمة‭ ‬لا‭ ‬تولد‭ ‬من‭ ‬فراغ‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬احتلت‭ ‬إسرائيل‭ ‬القدس‭ ‬الشرقية‭ ‬بدأت‭ ‬جماعات‭ ‬الهيكل‭ ‬المزعوم‭ ‬تلك‭ ‬الحركات‭ ‬المسيحانية‭ ‬التي‭ ‬تسمي‭ ‬نفسها‭ ‬حركة‭ ‬جبل‭ ‬الهيكل‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬رواية‭ ‬توراتية‭ ‬جديدة‭ ‬تُلغي‭ ‬فيها‭ ‬وجود‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى‭ ‬كحقيقة‭ ‬تاريخية‭ ‬ودينية‭ ‬هذه‭ ‬الجماعات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬هامشية‭ ‬في‭ ‬السبعينيات‭ ‬تحولت‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬سياسية‭ ‬مركزية‭ ‬داخل‭ ‬الائتلاف‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الحاكم‭.‬

‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬وحده‭ ‬حسب‭ ‬تقارير‭ ‬وزارة‭ ‬الأوقاف‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ودائرة‭ ‬الأوقاف‭ ‬الإسلامية‭ ‬اقتحم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬65‭ ‬ألف‭ ‬مستوطن‭ ‬المسجد‭ ‬بزيادة‭ ‬268‭ ‬عن‭ ‬العام‭ ‬السابق‭ ‬ونفذوا‭ ‬280‭ ‬اقتحاماً‭ ‬منظماً‭ ‬يؤدون‭ ‬فيها‭ ‬طقوساً‭ ‬تلمودية‭ ‬علنية‭ ‬مثل‭ ‬السجود‭ ‬الملحمي‭ ‬والنفخ‭ ‬في‭ ‬البوق‭ ‬وارتداء‭ ‬ثياب‭ ‬الصلاة‭.‬

ولم‭ ‬تعد‭ ‬الاقتحامات‭ ‬مجرد‭ ‬استفزاز‭ ‬إنها‭ ‬تدريب‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬التقسيم‭ ‬الزماني‭ ‬والمكاني‭ ‬الذي‭ ‬طالما‭ ‬حذر‭ ‬منه‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬والأردنيون‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الدولية‭.‬

هنا‭ ‬تكمن‭ ‬الجريمة‭ ‬في‭ ‬جذورها‭ ‬العميقة‭ ‬لأن‭ ‬اليمين‭ ‬الصهيوني‭ ‬المتطرف‭ ‬ممثلاً‭ ‬في‭ ‬حزب‭ ‬عوتسما‭ ‬يهوديت‭ ‬بقيادة‭ ‬إيتمار‭ ‬بن‭ ‬غفير‭ ‬وزير‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬الذي‭ ‬يُعد‭ ‬اليوم‭ ‬حامي‭ ‬الشرطة‭ ‬في‭ ‬القدس‭.‬

وبن‭ ‬غفير‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬سياسي‭ ‬إنه‭ ‬وريث‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬جماعة‭ ‬كاخ‭ ‬الإرهابية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُصنف‭ ‬إرهابية‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬ذاتها‭ ‬يرى‭ ‬هذا‭ ‬التيار‭ ‬أن‭ ‬الخلاص‭ ‬اليهودي‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬إلا‭ ‬بهدم‭ ‬رموز‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬الحرم‭ ‬القدسي‭ ‬وبناء‭ ‬الهيكل‭ ‬الثالث‭ ‬على‭ ‬أنقاضه‭.‬

إن‭ ‬الدليل‭ ‬ليس‭ ‬خفيا‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬سُجلت‭ ‬ثلاث‭ ‬محاولات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬لإدخال‭ ‬قرابين‭ ‬حيوانية‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬الأقصى‭ ‬ودعوات‭ ‬علنية‭ ‬من‭ ‬حاخامات‭ ‬متطرفين‭ ‬مثل‭ ‬مئير‭ ‬كوهين‭ ‬لذبح‭ ‬قرابين‭ ‬الفصح‭ ‬داخل‭ ‬الباحات‭ ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬أفعال‭ ‬أفراد‭ ‬إنها‭ ‬سياسة‭ ‬حكومية‭ ‬مدعومة‭ ‬ببن‭ ‬غفير‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬زار‭ ‬الحرم‭ ‬مرات‭ ‬عديدة‭ ‬وأعلن‭ ‬صراحة‭ ‬نحن‭ ‬أسياد‭ ‬القدس‭ ‬وكل‭ ‬أرض‭ ‬إسرائيل‭.‬

كذلك‭ ‬فإن‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬انشغال‭ ‬العالم‭ ‬بالحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬وجدت‭ ‬الفرصة‭ ‬الذهبية‭ ‬لتنفيذ‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يُخطط‭ ‬له‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إغلاق‭ ‬الأقصى‭ ‬كاملاً‭ ‬وتحويله‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬عسكرية‭ ‬محظورة‭ ‬على‭ ‬المسلمين‭ ‬بينما‭ ‬تستمر‭ ‬الاقتحامات‭ ‬السرية‭ ‬للمتطرفين‭.‬

هذا‭ ‬الوهم‭ ‬الاستعماري‭ ‬المقدس‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬أساس‭ ‬للأيديولوجيات‭ ‬المتطرفة‭ ‬هنا‭ ‬يتحول‭ ‬الدين‭ ‬اليهودي‭ ‬المتطرف‭ ‬إلى‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬استيطانية‭ ‬تستغل‭ ‬النصوص‭ ‬التوراتية‭ ‬لتبرير‭ ‬الإلغاء‭ ‬الوجودي‭ ‬للآخر‭. ‬والجريمة‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬الإغلاق،‭ ‬بل‭ ‬الجذور‭ ‬التي‭ ‬تُغذيها‭ ‬تمويل‭ ‬الدولة‭ ‬لمعهد‭ ‬الهيكل‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬ودعم‭ ‬الكنيست‭ ‬لجماعات‭ ‬مثل‭ ‬أبناء‭ ‬جبل‭ ‬موريا‭ ‬التي‭ ‬تنشر‭ ‬فيديوهات‭ ‬تحاكي‭ ‬حرق‭ ‬الأقصى‭ ‬وتحالف‭ ‬اليمين‭ ‬الشعبوي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬مع‭ ‬تيارات‭ ‬أوروبية‭ ‬متطرفة‭ ‬تشترك‭ ‬في‭ ‬كراهية‭ ‬الإسلام‭ ‬كعدو‭ ‬مشترك‭ ‬هذا‭ ‬التحالف‭ ‬ليس‭ ‬صدفة‭ ‬إنه‭ ‬امتداد‭ ‬لمشروع‭ ‬صهيوني‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬القدس‭ ‬ليس‭ ‬مدينة‭ ‬سلام‭ ‬بل‭ ‬رمز‭ ‬سيادة‭ ‬مطلقة‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬حاليا‭ ‬هو‭ ‬إغلاق‭ ‬لشهر‭ ‬كامل‭ ‬في‭ ‬رمضان‭ ‬وحرمان‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الصلاة‭ ‬وتنديد‭ ‬ثلاثي‭ ‬من‭ ‬منظمة‭ ‬التعاون‭ ‬الإسلامي‭ ‬والجامعة‭ ‬العربية‭ ‬والاتحاد‭ ‬الإفريقي‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬انتهاك‭ ‬للوضع‭ ‬القائم‭ ‬الذي‭ ‬يحظر‭ ‬الصلوات‭ ‬اليهودية‭ ‬ويحفظ‭ ‬إدارة‭ ‬الأوقاف‭ ‬الإسلامية‭.‬

لكنه‭ ‬محاولة‭ ‬لفرض‭ ‬واقع‭ ‬جديد‭ ‬أقصى‭ ‬يهودي‭ ‬خالص‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬وضع‭ ‬مقسم‭ ‬في‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى،‭ ‬إن‭ ‬الخبراء‭ ‬يحذرون‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التصعيد‭ ‬قد‭ ‬يؤجج‭ ‬حرباً‭ ‬دينية‭ ‬إقليمية‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الحرب‭ ‬الراهنة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬التي‭ ‬تُستغل‭ ‬كغطاء‭ ‬لكن‭ ‬الجذر‭ ‬الأعمق‭ ‬هو‭ ‬الوهم‭ ‬المسيحاني‭ ‬نفسه‭.‬

والاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬الزمن‭ ‬التوراتي‭ ‬يعود‭ ‬بالقوة‭ ‬وأن‭ ‬الآخر‭ ‬الفلسطيني‭ ‬المسلم‭ ‬مجرد‭ ‬عائق‭ ‬يجب‭ ‬إزالته‭.‬

في‭ ‬النهاية‭ ‬يظل‭ ‬الأقصى‭ ‬رمزاً‭ ‬للصمود‭ ‬الإنساني‭ ‬أمام‭ ‬الاستعمار‭ ‬الصهيوني‭ ‬إغلاقه‭ ‬ليس‭ ‬نصراً‭ ‬لليمين‭ ‬الصهيوني،‭ ‬بل‭ ‬فضيحة‭ ‬أخلاقية‭ ‬تكشف‭ ‬هشاشة‭ ‬مشروعه،‭ ‬فالتاريخ‭ ‬كما‭ ‬علّمنا‭ ‬في‭ ‬نقده‭ ‬للأساطير‭ ‬لا‭ ‬يُبنى‭ ‬على‭ ‬الجرائم‭ ‬المقدسة‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬الحقيقة‭ ‬الإنسانية‭ ‬المشتركة‭ ‬والأقصى‭ ‬مهما‭ ‬أُغلق‭ ‬سيبقى‭ ‬مفتوحاً‭ ‬في‭ ‬ضمير‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬ووجدانها،‭ ‬لكن‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين‭ ‬مطالبون‭ ‬بالتحرك‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الاتجاهات‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬مقدساتهم‭.‬

{ كاتب‭ ‬من‭ ‬فلسطين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا