في هذه الأيام التي يمتد قرار إغلاق المسجد الأقصى كظل ثقيل على القدس العربية المحتلة حيث يواصل الاحتلال الإسرائيلي الإغلاق لأكثر من شهر بل يمدده حتى منتصف أبريل في أطول حصار شامل منذ احتلال المدينة المقدسة عام 1967 لم يعد الأمر مجرد إجراء أمني مؤقت كما يدّعي المتحدثون الرسميون بحجة الطوارئ المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بل هو فصل جديد في مسرحية التهويد المنهجي.
المصلون تم حرمانهم من صلاة التراويح والاعتكاف طوال شهر رمضان والبلدة القديمة تحولت إلى ثكنة عسكرية والأقصى قبلة المسلمين الأولى أصبح كأنه معزول عن الزمن والتاريخ.
إن هذا الإغلاق ليس حادثاً عارضاً إنه ثمرة جريمة مدروسة جذورها تغوص في تربة اليمين الصهيوني المتطرف ذلك التيار الذي يرى في الحرم القدسي ليس مكاناً مقدساً مشتركاً بل ملكية حصرية يجب انتزاعها بالقوة أو بالمكر.
لنعد إلى الجذور فالجريمة لا تولد من فراغ منذ أن احتلت إسرائيل القدس الشرقية بدأت جماعات الهيكل المزعوم تلك الحركات المسيحانية التي تسمي نفسها حركة جبل الهيكل في صياغة رواية توراتية جديدة تُلغي فيها وجود المسجد الأقصى كحقيقة تاريخية ودينية هذه الجماعات التي كانت هامشية في السبعينيات تحولت اليوم إلى قوة سياسية مركزية داخل الائتلاف الإسرائيلي الحاكم.
في عام 2025 وحده حسب تقارير وزارة الأوقاف الفلسطينية ودائرة الأوقاف الإسلامية اقتحم أكثر من 65 ألف مستوطن المسجد بزيادة 268 عن العام السابق ونفذوا 280 اقتحاماً منظماً يؤدون فيها طقوساً تلمودية علنية مثل السجود الملحمي والنفخ في البوق وارتداء ثياب الصلاة.
ولم تعد الاقتحامات مجرد استفزاز إنها تدريب على فرض التقسيم الزماني والمكاني الذي طالما حذر منه الفلسطينيون والأردنيون والمؤسسات الدولية.
هنا تكمن الجريمة في جذورها العميقة لأن اليمين الصهيوني المتطرف ممثلاً في حزب عوتسما يهوديت بقيادة إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي الذي يُعد اليوم حامي الشرطة في القدس.
وبن غفير ليس مجرد سياسي إنه وريث أيديولوجيا جماعة كاخ الإرهابية التي كانت تُصنف إرهابية حتى في إسرائيل ذاتها يرى هذا التيار أن الخلاص اليهودي لا يتحقق إلا بهدم رموز الإسلام في الحرم القدسي وبناء الهيكل الثالث على أنقاضه.
إن الدليل ليس خفيا في عام 2025 سُجلت ثلاث محاولات غير مسبوقة لإدخال قرابين حيوانية إلى ساحات الأقصى ودعوات علنية من حاخامات متطرفين مثل مئير كوهين لذبح قرابين الفصح داخل الباحات هذه ليست أفعال أفراد إنها سياسة حكومية مدعومة ببن غفير نفسه الذي زار الحرم مرات عديدة وأعلن صراحة نحن أسياد القدس وكل أرض إسرائيل.
كذلك فإن الحكومة الإسرائيلية في ظل انشغال العالم بالحرب على إيران وجدت الفرصة الذهبية لتنفيذ ما كان يُخطط له منذ سنوات من خلال إغلاق الأقصى كاملاً وتحويله إلى منطقة عسكرية محظورة على المسلمين بينما تستمر الاقتحامات السرية للمتطرفين.
هذا الوهم الاستعماري المقدس هو في جوهره أساس للأيديولوجيات المتطرفة هنا يتحول الدين اليهودي المتطرف إلى أيديولوجيا استيطانية تستغل النصوص التوراتية لتبرير الإلغاء الوجودي للآخر. والجريمة ليست فقط الإغلاق، بل الجذور التي تُغذيها تمويل الدولة لمعهد الهيكل منذ عقود ودعم الكنيست لجماعات مثل أبناء جبل موريا التي تنشر فيديوهات تحاكي حرق الأقصى وتحالف اليمين الشعبوي الإسرائيلي مع تيارات أوروبية متطرفة تشترك في كراهية الإسلام كعدو مشترك هذا التحالف ليس صدفة إنه امتداد لمشروع صهيوني يرى في القدس ليس مدينة سلام بل رمز سيادة مطلقة.
إن ما حدث حاليا هو إغلاق لشهر كامل في رمضان وحرمان مئات الآلاف من الصلاة وتنديد ثلاثي من منظمة التعاون الإسلامي والجامعة العربية والاتحاد الإفريقي ليس مجرد انتهاك للوضع القائم الذي يحظر الصلوات اليهودية ويحفظ إدارة الأوقاف الإسلامية.
لكنه محاولة لفرض واقع جديد أقصى يهودي خالص أو على الأقل وضع مقسم في المسجد الأقصى، إن الخبراء يحذرون من أن هذا التصعيد قد يؤجج حرباً دينية إقليمية خاصة في ظل الحرب الراهنة في المنطقة التي تُستغل كغطاء لكن الجذر الأعمق هو الوهم المسيحاني نفسه.
والاعتقاد بأن الزمن التوراتي يعود بالقوة وأن الآخر الفلسطيني المسلم مجرد عائق يجب إزالته.
في النهاية يظل الأقصى رمزاً للصمود الإنساني أمام الاستعمار الصهيوني إغلاقه ليس نصراً لليمين الصهيوني، بل فضيحة أخلاقية تكشف هشاشة مشروعه، فالتاريخ كما علّمنا في نقده للأساطير لا يُبنى على الجرائم المقدسة بل على الحقيقة الإنسانية المشتركة والأقصى مهما أُغلق سيبقى مفتوحاً في ضمير الأمة العربية والإسلامية ووجدانها، لكن العرب والمسلمين مطالبون بالتحرك في كل الاتجاهات للدفاع عن مقدساتهم.
{ كاتب من فلسطين

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك