في كل مرة يمر فيها العالم بمرحلة اضطراب كبرى، تتجه الأنظار إلى أدوات القوة التقليدية: السياسة، الاقتصاد، والأمن. غير أن التجارب المتكررة أثبتت أن هذه الأدوات، رغم ضرورتها، لا تكفي وحدها لفهم ما يحدث أو احتوائه. ففي قلب كل أزمة؛ هناك بُعد أعمق يتصل بالمعنى والهوية والانتماء، وهنا تحديدًا تتقدّم الثقافة بوصفها إحدى أهم أدوات الفهم والصمود.
الأزمات لا تُقاس فقط بحجم الخسائر المادية، بل بمدى قدرتها على إرباك الوعي الجماعي. فحين تتسارع الأحداث وتتشابك الروايات، يجد الإنسان نفسه أمام واقع يصعب تفسيره، وتصبح الحاجة ملحّة إلى إطار يُعيد ترتيب هذا الواقع ويمنحه معنى. الثقافة، بهذا المعنى، ليست مجرد إنتاج فني أو نشاط رمزي، بل هي منظومة تفسيرية تساعد المجتمعات على فهم ذاتها والعالم من حولها.
وفي سياق الحروب، يتجلّى هذا الدور بوضوح أكبر. فالنزاعات لا تستهدف الأرض فقط، بل تستهدف الذاكرة والرموز والسرديات التي تشكّل هوية المجتمعات. ولهذا أصبح استهداف التراث الثقافي في كثير من الحالات فعلًا مقصودًا، يهدف إلى إضعاف الانتماء وإعادة تشكيل الوعي. وقد أدرك المجتمع الدولي خطورة ذلك حين اعتبر أن تدمير التراث الثقافي يمثل تهديدًا للسلم والأمن الدوليين.
لكن الثقافة لا تقف عند حدود حماية الماضي، بل تمتد إلى حماية الإنسان في حاضره. ففي أوقات الخوف والقلق، توفر الفنون بمختلف أشكالها مساحة للتعبير وإعادة التوازن النفسي. الموسيقى، الأدب، المسرح، والحكاية ليست وسائل للهروب، بل أدوات لفهم التجربة الإنسانية والتعامل معها. وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية WHO إلى أن المشاركة في الأنشطة الفنية تسهم في تحسين الصحة النفسية، وهو ما يعزز من قدرة المجتمعات على التماسك في مواجهة الأزمات.
كما أن الأزمات تُخاض أيضًا على مستوى السرديات. فخطاب الكراهية، والتضليل الإعلامي، وإنتاج صور نمطية عن الآخر، كلها أدوات تُستخدم لتأجيج الصراع. وهنا تبرز الثقافة كقوة فاعلة، قادرة على تفكيك هذه السرديات وإعادة الاعتبار للقيم الإنسانية المشتركة. ولهذا تؤكد منظمة ال UNESCOأن الثقافة تمثل ركيزة أساسية في بناء السلام وتعزيز الحوار بين المجتمعات.
وفي ظل تعقيد المشهد الدولي، تلعب الثقافة دورًا مهمًا في الحفاظ على قنوات التواصل بين الشعوب، حتى عندما تتعطل القنوات السياسية. فالدبلوماسية الثقافية تتيح مساحات للقاء والحوار، وتبقي على خيط إنساني ضروري يمنع القطيعة الكاملة. وقد أثبت التاريخ أن الفنون قادرة على فتح نوافذ للتفاهم حتى في أشد اللحظات توترًا.
وتتجلى أهمية الثقافة بشكل خاص في مراحل ما بعد الأزمات، حيث لا يقتصر التحدي على إعادة بناء المدن، بل يمتد إلى إعادة بناء الثقة والهوية. فالمجتمعات الخارجة من النزاعات تحتاج إلى ما يعيد لها شعورها بالاستمرارية، ويمنحها القدرة على استيعاب الماضي دون أن تبقى أسيرة له. وهنا تتحول الثقافة إلى أداة للشفاء الجماعي، وإلى لغة يمكن أن تُبنى عليها بدايات جديدة.
لقد شهد العالم في السنوات الأخيرة تحولًا في فهم دور الثقافة، خاصة بعد إعلان الـ UNESCO في مؤتمر «مونديكالت 2022» أن الثقافة تُعد منفعة عامة عالمية، لا يمكن فصلها عن التنمية والاستقرار والسلام. وهذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الاستثمار في الثقافة يتجاوز كونه خيارًا تكميليًا، ليصبح جزءًا من التفكير في الاستقرار طويل المدى.
في منطقتنا، حيث تتقاطع التحديات مع التحولات المتسارعة، تظل الثقافة حاضرة بوصفها مساحة مفتوحة للفهم والتعبير، وامتدادًا طبيعيًا للأسئلة التي تطرحها المجتمعات على نفسها في لحظات التحول. فهي لا تعمل بمعزل عن الواقع، بل تتحرك داخله، تلتقط تعقيداته، وتعيد صياغتها في أشكال أكثر قابلية للتأمل والمشاركة.
ولعل ما تكشفه الأزمات لا يقتصر على هشاشة بعض البُنى، بل يمتد ليُظهر أيضًا ما يبقى ثابتًا في عمق التجربة الإنسانية. وفي هذا السياق، تبدو الثقافة كمساحة تتيح إعادة النظر، وإنتاج معنى يمكن أن يُبنى عليه فهم أكثر توازنًا لما يحدث.
فالثقافة لا تُنقذ العالم من أزماته، لكنها تمنح الإنسان القدرة على ألا يضيع فيها.
وحين يختل كل شيء، قد لا تُعيد الثقافة ترتيب الواقع، لكنها تعيد ترتيبنا داخله.
{ باحثة في السياسات الثقافية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك