عندما تنقضي الحرب، تنشأ بعد وقت، أو في وقت لاحق، زلازل وتتقرر أوزان، ويختلف كل شيء بعدها. وأهم التساؤلات التي سوف تطرح نفسها إثر الحرب مباشرة: ما حجم التغيرات والانقلابات المرشحة للحدوث في بنية النظامين الإقليمي والدولي؟
بقوة الحقائق الماثلة، فإن تغييرا جوهريا سوف يلحق ببنية النظام الدولي المتهالك، ويخفض في المدى المنظور من مركزية الدور الأمريكي، التي أخذت مداها بعد انتهاء الحرب الباردة في أوائل تسعينيات القرن الماضي.
تراجع الدور الأمريكي مرجح تماما، لكنه لن يغادر مقعد القيادة مرة واحدة.
الصينيون ليسوا في عجلة من أمرهم لتولي القيادة، يتحسبون ولا يتورطون.
الروس بدورهم يأملون في توظيف المستجدات لاستعادة بعض ما كان لهم أيام الاتحاد السوفيتي السابق.
شيء جوهري سوف تستبين حقائقه في بنية النظام الدولي بعد وقت لن يطول.
شيء جوهري آخر سوف يضرب أطلال النظام الإقليمي المتهالك ويؤسس لأوضاع مختلفة كلياً.
إن الأوزان الجيوسياسية سوف تقلب رأسا على عقب حين تتبدى من تحت النيران حروب طائفية وعرقية خطرة ومنذرة، وحقبة إسرائيلية تطلب الفوضى وتستثمر فيها.
لم تكن مصادفة، أو تفلت عبارات وألفاظ، أن يصرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مختالا بسيناريوهات برغبته في الانفراد بقيادة الإقليم قائلا: «إن المسيح ليس له أفضلية على جنكيز خان»، قاصدا أن القوة أفضل من المحبة والتسامح، وجرائم الحرب أجدى من القانون الدولي وحقوق الإنسان.
كانت تلك العبارة، بحمولتها السياسية، تعبيرا حقيقيا عن مجرم حرب تلاحقه المحكمة الجنائية الدولية بمذكرة توقيف. إنها هيستيريا تصورت للحظة، كما قال نصا، إن دولة الاحتلال توشك أن تصبح «قوة عظمى» تشارك أمريكا قيادة العالم.
غير أن الحقائق داهمت الأوهام. فبعد شهر كامل، أخفقت الحرب على إيران في تحقيق أي من أهدافها المعلنة.
أعاد النظام الايراني إنتاج نفسه بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وأغلب قيادات الصفين الأول والثاني. بدأ الضجر يضرب الرأي العام الأمريكي من حرب غير قانونية وغير مبررة، وبلا سردية متماسكة بأن هناك مصلحة لبلادهم فيها.
أخذت شعبية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تتراجع بمعدلات غير مسبوقة وفق استطلاعات الرأي العام. ولاحت اعتراضات جوهرية عليه داخل حركة «ماجا ــ لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، التي استشعرت غالبيتها أنها قد خدعت في وعوده الانتخابية ألا يدخل حربا خارج الولايات المتحدة.
ثم جاءت أزمة النفط لتوجه ضربة كبيرة لمصداقيته، حتى تلخصت أهدافه من الحرب في فتح مضيق هرمز أمام نقل شاحنات النفط، الذي كان مفتوحا قبل المغامرة العسكرية!
لم تكن مصادفة ثانية، أن تبادر ثلاث قوى إقليمية ذات ثقل جغرافي وسكاني وعسكري، مصر وتركيا وباكستان، بالتوسط بين أمريكا وإيران لمنع التصعيد، الذي يتهدد المنطقة بمخاطر على وجودها ومستقبلها.
الأمريكيون يبحثون عن مخرج سياسي، والإيرانيون يعانون تحت وطأة الحرب.
هذه حقيقة لا يمكن نفيها، غير أن المعضلة الرئيسة هنا، اتساع فجوة الثقة بين الطرفين المتحاربين إلى حدود يصعب ترميمها بإجراء أو آخر.
لمرتين متعاقبتين، قطعت إدارة ترامب مسار المفاوضات حول المشروع النووي الإيراني، رغم ما كان يقال عن اختراقات كبيرة، فقد قامت واشنطن بعمليات عسكرية مفاجئة استهدفت المشروع النووي في الأولى، والنظام نفسه في الثانية. ليس هناك ما يمنع، والشواهد حاضرة، من تكرار اللعبة نفسها مرة ثالثة.
كان مثيرا للالتفات دعوة ترامب الإيرانيين أن يكونوا هذه المرة «أكثر جدية قبل فوات الأوان»، فيما كان عشرة آلاف جندي أمريكي يتحركون إلى الشرق الأوسط استعدادا لتوجيه ما سماه هو نفسه «الضربة القاتلة».!
في حسابات الحرب والتفاوض، تناقضت بفداحة مطالب الطرفين المتحاربين؛ الأمريكي أعد قائمة من خمسة عشر بندا أقرب إلى وثيقة استسلام، والإيراني رد بقائمة بمطالب مضادة من خمسة بنود أقرب إلى وثيقة فرض شروط.
كان ذلك تحديا يصعب تذليله بسهولة أمام الوسطاء.
كل ما يريده ترامب أن يخرج من المأزق الإيراني بأقل خسائر ممكنة، أو أن يعلن انتصاره بصورة قابلة للتصديق داخل المجتمع الأمريكي أولاً، وبين حلفائه الأوروبيين ثانيا، الذين رفضوا دعواته المتكررة للانضمام إلى حملته العسكرية لفتح مضيق هرمز، ثم إلى العالم، الذي اهتزت هيبته أمامه.
لا يمكن استبعاد، على خلفية طريقة تفكيره، التي تتوهم أن كل شيء في الكون يدور بإشارة منه، أن يميل ترامب إلى تشديد العمليات العسكرية، لإنهاء التصعيد.
وكل ما يريده النظام الإيراني، الحفاظ على وجوده وعدم التفريط في مشروعه الصاروخي الباليستي ودوره الإقليمي، أو حقه في تخصيب اليورانيوم، أو أن يضمن عدم الهجوم عليه مجددا، بالإضافة إلى الحصول على تعويضات مالية للدمار الواسع الذي لحق ببنيته التحتية.
رغم التماهي الترامبي مع التصورات الإسرائيلية للحرب، إلا أنه تبدت شقوق في الجدار استدعتها خلافات بشأن حدودها وما بعدها.
في البداية، تصور ترامب، بإيعاز من نتنياهو والمجموعة الموالية لإسرائيل في البيت الأبيض، أنها سوف تكون «نزهة سريعة»، بتعبير ترامب نفسه. لكن لم تكن الحرب «نزهة سريعة»، أو مأمونة العواقب.
يرغب ترامب الآن في صفقة تحفظ ماء وجهه، لكنه يطلب بالضبط: التفاوض مع نفسه. بعد أن تقوضت أوهامه عن أن يكون «رجل سلام» حرم من جائزة «نوبل»، وأن بوسعه في نفس الوقت أن يأمر فيُطاع!
«لا ضرورة لمجلس السلام إلا في إطار خطة إعادة إعمار غزة»، كان ذلك التصريح لأمين عام الأمم المتحدة أنطونيو جوتيريس ضربة تشي بالحقائق الجديدة، التي سوف تأخذ مداها تالياً.
يتبقى في اختبارات القوة الماثلة، الاستهداف الإسرائيلي لتوسيع المنطقة الأمنية في جنوب لبنان قبل أي مفاوضات مقترحة. فهذا اختبار حاسم يتعلق بأسئلة التطبيع ومشروع إسرائيل الكبرى، التي تتغول على الأراضي العربية بأكثر من اتجاه: الضفة الغربية والقدس وغزة في فلسطين المحتلة، وسورية ولبنان والعراق في المشرق العربي، حتى مصر والسعودية حسب تصريحات إسرائيلية متواترة.
في هذه اللحظة بالذات، تكاد تنطلق المخاوف كلها من مكامنها.
القضية ليست ما يحدث حاليا في الحرب بقدر ما قد يحدث من زلازل جيوسياسية في أعقاب الحرب، مستقبل النظام الدولي وقبله الإقليم وما يمكن أن يحدث من تحولات.
{ كاتب صحفي مصريص

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك