العدد : ١٧٥٦١ - الأربعاء ٢٢ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦١ - الأربعاء ٢٢ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

السعودية العمق الاستراتيجي والشريان الاقتصادي لدول الخليج العربي

بقلم: عبدالهادي الخلاقي

السبت ٠٤ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

يُقال‭: ‬في‭ ‬الأزمات‭ ‬تظهر‭ ‬معادن‭ ‬الشعوب‭ ‬الحقيقية‭ ‬والمحطات‭ ‬الاستثنائية‭ ‬حيث‭ ‬تتحول‭ ‬الأزمات‭ ‬إلى‭ ‬ميادين‭ ‬كبرى‭ ‬تبرز‭ ‬أسمى‭ ‬قيم‭ ‬المؤازرة‭ ‬والتكاتف‭ ‬وفي‭ ‬اللحظات‭ ‬الفارقة‭ ‬يختفي‭ ‬التكلف‭ ‬وتظهر‭ ‬القيم‭ ‬المتجذرة‭ ‬في‭ ‬وجدان‭ ‬الشعوب،‭ ‬هذا‭ ‬التكاتف‭ ‬الأخوي‭ ‬يحول‭ ‬المحنة‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬عائق‭ ‬إلى قوة‭ ‬دافعة،‭ ‬حيث‭ ‬تتجاوز‭ ‬الشعوب‭ ‬المصالح‭ ‬الفردية‭ ‬ليصبح‭ ‬الكل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الواحد‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬سوف‭ ‬تنتهي‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬ضررها‭ ‬وتبعاتها،‭ ‬واليوم‭ ‬يبرز‭ ‬الموقف‭ ‬الخليجي‭ ‬بوضوح‭ ‬بتماسكه‭ ‬وتكاتفه‭ ‬وتوحيد‭ ‬الصف‭ ‬ضد‭ ‬العدوان‭ ‬الإيراني‭ ‬الذي‭ ‬استهدف‭ ‬البنى‭ ‬التحتية‭ ‬والمطارات‭ ‬ومنشآت‭ ‬الطاقة‭ ‬ومحطات‭ ‬تحلية‭ ‬المياه‭ ‬ومصانع‭ ‬الإنتاج‭ ‬ومساكن‭ ‬المدنيين‭ ‬وهدد‭ ‬أمن‭ ‬واستقرار‭ ‬المنطقة‭ ‬باسرها،‭ ‬ولله‭ ‬الحمد‭ ‬أثبتت‭ ‬المنظومات‭ ‬الدفاعية‭ ‬الخليجية‭ ‬كفاءة‭ ‬عالية‭ ‬في‭ ‬التصدي‭ ‬لآلاف‭ ‬من‭ ‬الصواريخ‭ ‬والمسيّرات،‭ ‬وهذا‭ ‬الفضل‭ ‬يعود‭ ‬بعد‭ ‬الله‭ ‬عز‭ ‬وجل‭ ‬إلى‭ ‬جاهزية‭ ‬قواتنا‭ ‬المسلحة‭ ‬بفضل الكفاءة‭ ‬القتالية‭ ‬العالية‭ ‬والجاهزية‭ ‬العسكرية لرجالها‭ ‬في‭ ‬التصدي‭ ‬للتهديدات‭ ‬الصاروخية‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬ما‭ ‬عزز‭ ‬قدرة‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬والبحرين‭ ‬تحديداً‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬أجوائها‭ ‬وسيادة‭ ‬أراضيها‭.‬

لقد‭ ‬تبنت‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬خطابا‭ ‬سياسيا‭ ‬موحدا‭ ‬في‭ ‬المحافل‭ ‬الدولية‭ ‬يرفض‭ ‬ويندد‭ ‬بهذه‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإرهابية‭ ‬ويطالب‭ ‬باحترام‭ ‬سيادة‭ ‬الدول،‭ ‬هذا‭ ‬التماسك‭ ‬لا‭ ‬يحمي‭ ‬الحدود‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬يبعث‭ ‬برسالة‭ ‬واضحة‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬بأن‭ ‬استقرار‭ ‬الخليج‭ ‬هو‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬لاستقرار‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬وأمن‭ ‬الطاقة‭ ‬وبأن أمن‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬كل‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭.‬

وهنا‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬نشيد‭ ‬بمواقف‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬والدول‭ ‬الصديقة‭ ‬والشقيقة‭ ‬التي‭ ‬أدانت‭ ‬واستنكرت‭ ‬وجرمت‭ ‬هذا‭ ‬العدوان‭ ‬الإرهابي‭ ‬على‭ ‬أوطاننا‭ ‬وأبدت‭ ‬استعدادها‭ ‬لتقديم‭ ‬الدعم‭ ‬اللازم‭.‬

فهذه‭ ‬المواقف‭ ‬كانت‭ ‬حجر‭ ‬زاوية‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬صمود‭ ‬البحرين‭ ‬ودول‭ ‬المنطقة‭ ‬أمام‭ ‬هذه‭ ‬الهجمات‭ ‬الإرهابية‭ ‬وعزل‭ ‬الأطراف‭ ‬المعتدية‭ ‬دولياً‭ ‬ووضعت‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬أمام‭ ‬مسؤولياته‭ ‬لحفظ‭ ‬السلم‭ ‬والأمن‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬هذا‭ ‬الالتفاف‭ ‬لم‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬التنديد‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬تُرجم‭ ‬إلى‭ ‬تنسيق‭ ‬ميداني‭ ‬ولوجستي‭ ‬مستمر‭ ‬لحماية‭ ‬الأعيان‭ ‬المدنية‭ ‬والمنشآت‭ ‬الحيوية‭ ‬وعكس التكاتف‭ ‬العربي‮ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الغطرسة‭ ‬الإيرانية‭ ‬إدراكاً‭ ‬من‭ ‬الجميع‭ ‬بأن‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬هو‭ ‬صمام‭ ‬أمان‭ ‬للأمن‭ ‬القومي‭ ‬العربي‭ ‬بالكامل‭.‬

وقد‭ ‬تعدت‭ ‬المواقف‭ ‬العربية‭ ‬الداعمة‭ ‬البيانات‭ ‬الرسمية‭ ‬للقادة‭ ‬الى‭ ‬تظاهرات‭ ‬ومسيرات‭ ‬شعبية‭ ‬حاشدة‭ ‬خرجت‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المدن‭ ‬العربية‭ ‬منددة‭ ‬ومستنكرة‭ ‬للعدوان‭ ‬الإيراني‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي،‭ ‬وصدحت‭ ‬المنابر‭ ‬والمساجد‭ ‬بالدعاء‭ ‬لله‭ ‬تعالى‭ ‬بحفظ‭ ‬أرض‭ ‬الحرمين‭ ‬الشريفين‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬كيد‭ ‬الكائدين‭ ‬وعدوان‭ ‬الإرهاب‭ ‬الإيراني‭ ‬الآثم‭.‬

ولكن‭ ‬تبقى‭ ‬جهود‭ ‬ودعم‭ ‬الشقيقة‭ ‬الكبرى‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬هي‭ ‬السند‭ ‬المتين‭ ‬والعمق‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬لمملكة‭ ‬البحرين‭ ‬ولجميع‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬المصيرية،‭ ‬وقد‭ ‬تجسد‭ ‬هذا‭ ‬الدعم‭ ‬عبر‭ ‬عدة‭ ‬مسارات‭ ‬حاسمة‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الدفاعات‭ ‬الجوية‭ ‬في‭ ‬اعتراض‭ ‬الصواريخ‭ ‬والمسيّرات،‭ ‬حيث‭ ‬أكدت‭ ‬الرياض‭ ‬أن‭ ‬أمن‭ ‬البحرين‭ ‬من‭ ‬أمن‭ ‬السعودية،‭ ‬كما‭ ‬قادت‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬حراكاً‭ ‬عربياً‭ ‬وإسلامياً‭ ‬ودولياً‭ ‬واسعاً‭ ‬لإدانة‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية‭ ‬وحشدت‭ ‬التأييد‭ ‬العالمي‭ ‬لموقف‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬المحافل‭ ‬الدولية‭.‬

كما‭ ‬تبنت‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬حزمة‭ ‬من‭ ‬المبادرات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لتعزيز‭ ‬مرونة‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬ودعم‭ ‬اقتصادات‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬العدوان‭ ‬الإيراني‭ ‬وتحويل‭ ‬المملكة‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬لوجستي‭ ‬عالمي‭ ‬يربط‭ ‬القارات‭ ‬الثلاث‭ ‬ويؤمن‭ ‬تدفق‭ ‬السلع‭ ‬للدول‭ ‬المجاورة‭ ‬وتم‭ ‬إنشاء‭ ‬مناطق‭ ‬مخصصة‭ ‬لكل‭ ‬دولة‭ ‬خليجية‭ ‬في‭ ‬ميناء‭ ‬الملك‭ ‬عبدالعزيز‭ ‬بالدمام‭ ‬لتنظيم‭ ‬حركة‭ ‬الحاويات‭ ‬ومنح‭ ‬الواردات‭ ‬والصادرات‭ ‬الخليجية‭ ‬إعفاءً‭ ‬من‭ ‬أجور‭ ‬التخزين‭ ‬مدة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‮ ‬60‭  ‬يوماً‭ ‬ورفع‭ ‬العمر‭ ‬التشغيلي‭ ‬للشاحنات‭ ‬الخليجية‭ ‬المسموح‭ ‬بدخولها‭ ‬للمملكة‭ ‬إلى‮ ‬22‭  ‬سنة‭ ‬والسماح‭ ‬لدخول‭ ‬الشاحنات‭ ‬المبردة‭ ‬الفارغة‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬لنقل‭ ‬البضائع‭ ‬والعودة‭ ‬بها‭ ‬ما‭ ‬يقلل‭ ‬تكاليف‭ ‬الشحن‭ ‬ويؤمن‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬وتشغيل‭ ‬أسطول‭ ‬يتجاوز‮ ‬500‭  ‬ألف‭ ‬شاحنة لنقل‭ ‬البضائع‭ ‬عبر‭ ‬المسارات‭ ‬الإقليمية‭ ‬ما‭ ‬يربط‭ ‬الموانئ‭ ‬والمطارات‭ ‬بالمدن‭ ‬الصناعية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬وتقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬الكلي‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬عبر‭ ‬تعزيز‭ ‬الثقل‭ ‬اللوجستي‭ ‬للموانئ‭ ‬المطلة‭ ‬على‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬لتأمين‭ ‬تدفقات‭ ‬الطاقة‭ ‬والسلع‭.‬

كذلك‭ ‬فتحت‭ ‬السعودية‭ ‬مطاراتها‭ ‬الدولية‭ ‬مثل‭ ‬مطار‭ ‬الملك‭ ‬فهد‭ ‬بالدمام‭ ‬ومطار‭ ‬الملك‭ ‬خالد‭ ‬بالرياض‭ ‬ومطار‭ ‬الملك‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬بجدة‭ ‬كقواعد‭ ‬لوجستية‭ ‬بديلة‭ ‬لاستقبال‭ ‬الشحنات‭ ‬المتجهة‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬البحرين‭ ‬وسخرت‭ ‬المملكة‭ ‬قدراتها‭ ‬لضمان‭ ‬وصول‭ ‬السلع‭ ‬الأساسية‭ ‬والأدوية‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬الخليجية‭ ‬والعربية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬انقطاع‭ ‬وقدمت‭ ‬الهيئة‭ ‬العامة‭ ‬للطيران‭ ‬المدني‭ ‬تسهيلات‭ ‬استثنائية‭ ‬لشركات‭ ‬الطيران‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الشقيقة‭ ‬لعبور‭ ‬الأجواء‭ ‬السعودية‭ ‬واستخدام‭ ‬مطاراتها‭ ‬ومرافقها‭ ‬ما‭ ‬قلل‭ ‬من‭ ‬تكاليف‭ ‬الشحن‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬تغيير‭ ‬المسارات‭ ‬الطويلة‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬الخطوات‭ ‬جاءت‭ ‬لتؤكد‭ ‬أن‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬عمقاً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬عسكرياً‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬أيضاً‮ ‬الشريان‭ ‬الاقتصادي‭ ‬واللوجستي‮ ‬الذي‭ ‬يضمن‭ ‬عدم‭ ‬تأثر‭ ‬حياة‭ ‬الشعوب‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬بالهجمات‭ ‬والاضطرابات‭.‬

ونؤكد‭ ‬هنا‭ ‬ان‭ ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬ليست‭ ‬مستغربة‭ ‬من‭ ‬الشقيقة‭ ‬الكبرى‭ ‬فهي‭ ‬تعكس‭ ‬عمق‭ ‬الروابط‭ ‬الأخوية‭ ‬ووحدة‭ ‬الهدف‭ ‬والمسار‭ ‬والتاريخ‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي،‭ ‬لتظل‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬سندا‭ ‬حقيقيا‭ ‬لأشقائها‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬وترسيخ‭ ‬الأمن‭ ‬والأمان‭ ‬والاستقرار‭.‬

 

{ باحث‭ ‬وكاتب‭ ‬صحفي

Abdulhadi‭.‬alkhalaqi@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا