يُقال: في الأزمات تظهر معادن الشعوب الحقيقية والمحطات الاستثنائية حيث تتحول الأزمات إلى ميادين كبرى تبرز أسمى قيم المؤازرة والتكاتف وفي اللحظات الفارقة يختفي التكلف وتظهر القيم المتجذرة في وجدان الشعوب، هذا التكاتف الأخوي يحول المحنة من مجرد عائق إلى قوة دافعة، حيث تتجاوز الشعوب المصالح الفردية ليصبح الكل من أجل الواحد.
إن هذه الأزمة سوف تنتهي مهما كان ضررها وتبعاتها، واليوم يبرز الموقف الخليجي بوضوح بتماسكه وتكاتفه وتوحيد الصف ضد العدوان الإيراني الذي استهدف البنى التحتية والمطارات ومنشآت الطاقة ومحطات تحلية المياه ومصانع الإنتاج ومساكن المدنيين وهدد أمن واستقرار المنطقة باسرها، ولله الحمد أثبتت المنظومات الدفاعية الخليجية كفاءة عالية في التصدي لآلاف من الصواريخ والمسيّرات، وهذا الفضل يعود بعد الله عز وجل إلى جاهزية قواتنا المسلحة بفضل الكفاءة القتالية العالية والجاهزية العسكرية لرجالها في التصدي للتهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة ما عزز قدرة دول مجلس التعاون الخليجي والبحرين تحديداً على حماية أجوائها وسيادة أراضيها.
لقد تبنت دول المجلس خطابا سياسيا موحدا في المحافل الدولية يرفض ويندد بهذه الاعتداءات الإرهابية ويطالب باحترام سيادة الدول، هذا التماسك لا يحمي الحدود فحسب بل يبعث برسالة واضحة إلى المجتمع الدولي بأن استقرار الخليج هو ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وبأن أمن دول المجلس كل لا يتجزأ.
وهنا لابد أن نشيد بمواقف الدول العربية والإسلامية والدول الصديقة والشقيقة التي أدانت واستنكرت وجرمت هذا العدوان الإرهابي على أوطاننا وأبدت استعدادها لتقديم الدعم اللازم.
فهذه المواقف كانت حجر زاوية في تعزيز صمود البحرين ودول المنطقة أمام هذه الهجمات الإرهابية وعزل الأطراف المعتدية دولياً ووضعت المجتمع الدولي أمام مسؤولياته لحفظ السلم والأمن في المنطقة، هذا الالتفاف لم يقتصر على التنديد فقط بل تُرجم إلى تنسيق ميداني ولوجستي مستمر لحماية الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية وعكس التكاتف العربي مع دول الخليج في مواجهة الغطرسة الإيرانية إدراكاً من الجميع بأن أمن الخليج هو صمام أمان للأمن القومي العربي بالكامل.
وقد تعدت المواقف العربية الداعمة البيانات الرسمية للقادة الى تظاهرات ومسيرات شعبية حاشدة خرجت في بعض المدن العربية منددة ومستنكرة للعدوان الإيراني على دول مجلس التعاون الخليجي، وصدحت المنابر والمساجد بالدعاء لله تعالى بحفظ أرض الحرمين الشريفين ودول الخليج العربي من كيد الكائدين وعدوان الإرهاب الإيراني الآثم.
ولكن تبقى جهود ودعم الشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية هي السند المتين والعمق الاستراتيجي لمملكة البحرين ولجميع دول مجلس التعاون في مواجهة التحديات المصيرية، وقد تجسد هذا الدعم عبر عدة مسارات حاسمة في دعم الدفاعات الجوية في اعتراض الصواريخ والمسيّرات، حيث أكدت الرياض أن أمن البحرين من أمن السعودية، كما قادت المملكة العربية السعودية حراكاً عربياً وإسلامياً ودولياً واسعاً لإدانة الاعتداءات الإيرانية وحشدت التأييد العالمي لموقف البحرين في المحافل الدولية.
كما تبنت المملكة العربية السعودية حزمة من المبادرات الاستراتيجية لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد ودعم اقتصادات المنطقة في ظل العدوان الإيراني وتحويل المملكة إلى مركز لوجستي عالمي يربط القارات الثلاث ويؤمن تدفق السلع للدول المجاورة وتم إنشاء مناطق مخصصة لكل دولة خليجية في ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام لتنظيم حركة الحاويات ومنح الواردات والصادرات الخليجية إعفاءً من أجور التخزين مدة تصل إلى 60 يوماً ورفع العمر التشغيلي للشاحنات الخليجية المسموح بدخولها للمملكة إلى 22 سنة والسماح لدخول الشاحنات المبردة الفارغة من دول الخليج لنقل البضائع والعودة بها ما يقلل تكاليف الشحن ويؤمن المواد الغذائية وتشغيل أسطول يتجاوز 500 ألف شاحنة لنقل البضائع عبر المسارات الإقليمية ما يربط الموانئ والمطارات بالمدن الصناعية في المنطقة وتقليل الاعتماد الكلي على مضيق هرمز عبر تعزيز الثقل اللوجستي للموانئ المطلة على البحر الأحمر لتأمين تدفقات الطاقة والسلع.
كذلك فتحت السعودية مطاراتها الدولية مثل مطار الملك فهد بالدمام ومطار الملك خالد بالرياض ومطار الملك عبد العزيز بجدة كقواعد لوجستية بديلة لاستقبال الشحنات المتجهة إلى دول المنطقة بما في ذلك البحرين وسخرت المملكة قدراتها لضمان وصول السلع الأساسية والأدوية إلى الأسواق الخليجية والعربية من دون انقطاع وقدمت الهيئة العامة للطيران المدني تسهيلات استثنائية لشركات الطيران الوطنية في الدول الشقيقة لعبور الأجواء السعودية واستخدام مطاراتها ومرافقها ما قلل من تكاليف الشحن الناتجة عن تغيير المسارات الطويلة.
إن هذه الخطوات جاءت لتؤكد أن المملكة العربية السعودية ليست فقط عمقاً استراتيجياً عسكرياً بل هي أيضاً الشريان الاقتصادي واللوجستي الذي يضمن عدم تأثر حياة الشعوب في المنطقة بالهجمات والاضطرابات.
ونؤكد هنا ان هذه المواقف ليست مستغربة من الشقيقة الكبرى فهي تعكس عمق الروابط الأخوية ووحدة الهدف والمسار والتاريخ بين دول مجلس التعاون الخليجي، لتظل المملكة العربية السعودية سندا حقيقيا لأشقائها في الخليج العربي في دعم وترسيخ الأمن والأمان والاستقرار.
{ باحث وكاتب صحفي
Abdulhadi.alkhalaqi@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك