لا يمكن النظر في «اليوم التالي» إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران من دون حساب «المغانم والمغارم» الصينية في تلك الحرب، لأن إيران ليست وحدها، بل ضمن تحالف «غير معلن» يجمع روسيا والصين وكوريا الشمالية وحلفاء إيران في الشرق الأوسط.
وهناك نظرية أمريكية تقول إن مشاركة الولايات المتحدة في الحرب على إيران لم تكن من أجل عيون إسرائيل فقط، بل من أجل مصالح جيوسياسية تتعلق بالمنافسة الاستراتيجية بين واشنطن وبكين. ووفق هذه النظرية، فإن إسقاط النظام الإيراني أو تغيير سلوكه سوف يضعف الصين في آسيا الوسطى وجنوب القوقاز، ويقرب الولايات المتحدة من الحدود الغربية الصينية، بينما بقاء النظام الإيراني سوف يشجع الصين على رفع «قفاز التحدي» عالياً في وجه الولايات المتحدة في مختلف القضايا السياسية والتجارية التي ستكون على جدول أعمال القمة الصينية الأمريكية في مايو القادم.
ويمكن حساب المغانم والمغارم الصينية في ظل مرور شهر على «تبادل اللكمات» بين واشنطن وتل أبيب من جانب، وطهران من جانب آخر. فالواقع يقول إنه رغم استهداف نحو 10 آلاف هدف إيراني، فإن الولايات المتحدة لم تستطع «حتى الآن» توجيه «الضربة القاضية» إلى إيران، ولهذا يتحدث الجيش الأمريكي عن «تفوق جوى» في الأجواء الإيرانية، ولم يتحدث يوماً عن «السيادة الجوية». وهناك فارق شاسع بين «التفوق الجوي» و«السيادة الجوية».
كما أن «عدم استسلام» الإيرانيين للشروط الأمريكية، وارتفاع تكاليف الحرب السياسية والاقتصادية في واشنطن، هي التي دفعت وأمريكا لتقديم مبادرة من 15 بنداً لوقف الحرب. وكل ذلك يعطى فرصة للصين للحفاظ على مصالحها مع إيران حال استمرار وبقاء النظام الإيراني الحالي، وعدم تفكك الجمهورية الإيرانية كما كانت تأمل تل أبيب، التي لا تزال تنتظر تحرك الشارع الإيراني ضد النظام، وتفكيك الدولة الإيرانية بين الفرس والأذريين والأكراد والعرب والبلوش.
فكيف تحسب الصين معادلاتها الأمنية والاقتصادية في تلك الحرب؟ وما حجم المغانم التي حصلت عليها بكين حتى نهاية الشهر الأول من الحرب؟ وهل هناك «مغارم وفاتورة باهظة» تنتظر الصين حال استمرار الحرب وسقوط النظام وتفكيك الجمهورية الإيرانية؟
المغانم: أكثر الأطراف المستفيدة من بقاء النظام الإيراني هي الصين، وخصوصًا بعد خسارة بكين لمصالحها في بنما بعد انسحاب بنما من «مبادرة الحزام والطريق» في 6 فبراير 2025، ثم خطف واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في 3 يناير الماضي، وهو ما قاد إلى سيطرة البيت الأبيض على المقدرات الفنزويلية، فى مقدمتها النفط، حيث كان النفط الفنزويلي يمثل نحو 4% من الواردات النفطية الصينية، الذى كانت تستخرج منه الصين مادة البيتومين لرصف الطرق.
ولهذا تنظر الصين إلى بقاء وتماسك النظام الإيراني وتبادل الهجمات مع الولايات المتحدة وإسرائيل باعتباره «نصراً للصين»، لأنه يحقق لها مجموعة واسعة من المغانم السياسية والاقتصادية، وهذه المغانم هي:
أولاً نهاية الاستعلاء: رغم الخسائر الإيرانية الفادحة، وعدم النجاح في تحقيق الأهداف الأمريكية في حرب «سريعة وخاطفة»، مع إغلاق مضيق هرمز، وحديث الولايات المتحدة عن حل سياسي، ينهى عملياً سياسة «الاستعلاء الأمريكي» التي بدأت بالضغط على بنما للخروج من مبادرة الحزام والطريق، و«تغيير وجه النظام» الفنزويلي، ومحاولة الضغط على كندا، والسعي لشراء جزيرة «جرينلاند»، وفرض رسوم جمركية على الصين وغيرها من دول العالم. ولهذا ترى الصين في عدم سقوط النظام الإيراني رغم تفوق القوة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية بمثابة «فرملة» للاندفاعة العسكرية الأمريكية.
ثانياً الثغرات الأمريكية: ترى الصين في الحملة العسكرية «غير الناجحة» -من وجهة نظر بكين- فرصة لمعرفة كيف يفكر مخططو الحرب الأمريكيون، وتنظر بسعادة إلى استمرار التورط الأمريكي في الحرب، وتعتبره في الوقت ذاته «فشلاً» للجيش الأمريكي.
فمن وجهة النظر الصينية، فان مسار الحرب حتى الان، يؤكد أن الجيش الأمريكي لا يمتلك أفضلية مطلقة في أي حرب قادمة، وخصوصاً إذا تعلق الأمر بتايوان. كما أن تحويل الأسلحة من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط يكشف ضعف المخزونات الأمريكية.
ثالثاً واشنطن وحدها: أكبر المكاسب التي تكشفت للصين هي «الفجوة العميقة» بين الولايات المتحدة وشركائها في الاتحاد الأوروبي وحلف «الناتو». فقد رفضت معظم دول الحلف دعم العملية العسكرية، وهو ما يهدد مبدأ «التضامن الجماعي للغرب».
رابعاً شريك الاستقرار: تقدم الصين نفسها كشريك للاستقرار مقابل الفوضى الناتجة عن السياسات الأمريكية في مناطق مختلفة من العالم.
خامساً الطاقة: عدم سقوط النظام الإيراني يحافظ على تدفق الطاقة للصين، حيث تستورد نحو 1.3 مليون برميل يوميًا من إيران، ونحو 44% من وارداتها من الخليج.
المغارم: عدم نجاح المفاوضات واستمرار الحرب قد يفرض خسائر كبيرة على الصين، أبرزها:
أولاً الحزام والطريق: حدوث اضطرابات في إيران قد يحدث فوضى في آسيا الوسطى، وهو ما يهدد المشروع الصيني الاستراتيجي.
ثانياً بديل ملقا: أصبح هناك تهديد لخط السكك الحديدية عبر إيران الذي يمثل بديلاً استراتيجياً لمضيق ملقا، وأي اضطراب يهدده.
ثالثاً النمو الصناعي: ارتفاع أسعار الطاقة يضر بالصناعات الصينية ويؤثر على النمو الاقتصادي.
والمؤكد أن أفضل سيناريو للصين هو انتهاء الحرب فورًا، فهل تلعب بكين دورا دبلوماسيا في إنهاء الحرب؟
{ باحث وخبير في العلاقات الدولية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك