أفرزت الحرب الدائرة حاليا بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى دروسا كثيرة، بعضها معروف ومكرر، وتأكيد لدروس سابقة، كأهمية التقنية والاستخبارات، والعنصر البشري في نجاح العمليات.
ومن أهم ما أفرزت الحرب تأكيد ضرورة التكامل الاقتصادي والعسكري والسياسي بين مختلف دول مجلس التعاون الخليجي، وبناء القدرات الذاتية لكل دولة من دوله. وبخاصة السعي إلى امتلاك التقنية وتصنيعها للمجالين المدني والعسكري. ومن أشمل من كتب عن ذك المهندس عبدالله بن عودة الغبين في صحيفة مال، تحت عنوان «الصناعات العسكرية في دول العالم: دروس وتجارب واستشراف للمستقبل السعودي» حيث أشار إلى أهمية الصناعات العسكرية، حيث تمثل ركيزة أساسية للقوة الوطنية الشاملة، وأحد أعمدة السيادة والنفوذ لكل دولة.
وقد استعرض في مقاله المهم تجارب التصنيع العسكري لخمس دول هي أمريكا وألمانيا وكوريا الجنوبية وإيطاليا والبرازيل. ورغم أن لكل دولة إمكاناتها وظروفها وسياساتها الدفاعية إلا أنها تشترك في خطوات مهمة لنجاح التصنيع العسكري والمدني من أهمها:
أولاً: الأهم والقاسم المشترك بين تجارب هذه الدول هو الإرادة السياسية التي ترفع الصناعة الدفاعية إلى مرتبة الأولوية الاستراتيجية الراسخة لإنجاح هذا القطاع، ودعمه بكل ما يحتاج من مال وخبرات، وتسهيل الإجراءات، وإقامة علاقات راسخة بين القطاعين العام والخاص. وإقامة شراكة مع الجامعات ومراكز الأبحاث. الإرادة العليا هي ما تصنع الفرق، وتذلل العقبات.
ثانياً: الاستثمار الهائل في التعليم والبحث والتطور هو القاسم المشترك لجهود تلك الدول. وهو البوابة لامتلاك التقنية، ولن يؤتي التعليم ثماره إلا بإيجاد منظومة تربط بين الجامعات البحثية والصناعة والقوات العسكرية. لخلق قدرات وطنية في مجالات مهمة كالذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيرة، وأنظمة الفضاء، وكل ما يدعم المجهود الحربي، والاقتصاد بشكل عام.
وتمثل كوريا أفضل النماذج التي ذكرها الكاتب، فقد ركزت على التعليم والبحث والتطوير، وجعلت نقل التقنية من أهم بنود شراء السلاح، بعد أن كانت تشتريه، وتكتفي بتجميعه فقط. وعقدت الشراكات مع مراكز الأبحاث والشركات العالمية، وشجعت شركاتها على البحث والتطوير وزودتها بجيوش من المهندسين والفنيين.
ثالثاً: التعاون الوثيق بين القطاعين العام والخاص في مجال التصنيع، وإشراك الجامعات ومراكز الأبحاث في ذلك. وفي الصين على سبيل المثال لا يعتبر التعاون تطوعاً، بل إلزامياً تفرضه الحكومة وتدعمه بكل احتياجاته.
وفي ألمانيا يتضح التعاون بين القطاعين في مجال الأبحاث المشتركة، والتدريب العملي لطلبة المعاهد والجامعات في شركات القطاع الخاص أثناء دراستهم، لدمج العلوم النظرية مع التطبيق والممارسة.
رابعاً: الشركات الصغيرة والمتوسطة هي العمود الفقري لكل تصنيع ناجح، وهذه بحاجة إلى ضمان التمويل بعيداً عن المصارف التجارية التي تحجم عن التمويل عالي المخاطر وبعيد المدى، كما هو في الصناعات العسكرية. مع ضمان الشراء من قبل القطاعات العسكرية، والمرونة في التصدير. وبناء الشراكات مع الشركات الكبرى.
خامساً: العنصر البشري هو الأهم لإنجاح التصنيع، والتنمية بشكل عام. وهذا يتطلب المراجعة المستمرة لنظام التعليم من رياض الأطفال حتى التعليم العالي. وجعل التدريب والابتعاث ونقل التقنية من أهم بنود شراء السلاح من الخارج.
إن الدول التي نجحت في التصنيع العسكري وغيره هي التي استثمرت في الإنسان على مدى عقود، واتخذت من العلم منطلقاً لامتلاك القوة بكل مكوناتها. هي التي اتخذت استراتيجية تجمع بين التشريع الواضح والمرن، والتمويل، والتعليم والبحث والتصنيع. وهي التي تدرس تجارب الدول وتأخذ بأفضل الممارسات بما يضمن السيادة الوطنية، ويعزز الاقتصاد، ويرسخ مكانتها كدول صناعية على مستوى العالم.
{ كاتب ومحلل سعودي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك