بدأت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل عمليات عسكرية ضد إيران في 28 فبراير 2026، وردت طهران على هذه العمليات بالقيام باعتداءات سافرة على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بالرغم من أن هذه الدول لم تشارك في أي عمل عسكري ضد إيران، وأعلنت رسمياً عدم السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها أو مياهها في أعمال عدائية، كما سعت دول الخليج إلى تشجيع الجهود الدبلوماسية والوساطة بهدف تجنب اندلاع الحرب واتساع نطاقها في المنطقة. وقد تسببت هذه الاعتداءات الإيرانية في قتل وإصابة وتعريض العديد من المدنيين في دول الخليج للخطر، وأصابت مناطق مدنية بعيدة عن أي أهداف عسكرية، في انتهاك ظاهر لقواعد القانون الدولي الإنساني.
إن توسيع نطاق هذه العمليات ليشمل دول الخليج التي لم تشارك في النزاع يُعد تجاوزاً واضحاً لقواعد القانون الدولي. ومن هذا المنطلق، يسعى هذا التحليل إلى توضيح تضرر دول الخليج من التصعيد الإيراني المرتبط بالحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وذلك في إطار قواعد القانون الدولي ذات الصلة، ولا سيّما ميثاق الأمم المتحدة، وقواعد الحياد، والقانون الدولي الإنساني.
استقر في الممارسة الدولية وفقه القانون الدولي أن المادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة تشكل حجر الزاوية أو جوهر نظام ميثاق الأمم المتحدة، حيث تنص على: «أن يمتنع أعضاء الأمم المتحدة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة».
إن المشاهد عملياً أن إيران قد استهدفت أصولاً في دول الخليج، على الرغم من أن هذه الأصول لم تُستخدم في الواقع لمهاجمة إيران. وهذا يعني أن الضربات الإيرانية التي استهدفت تلك الأصول تتضمن أيضاً استخداماً للقوة ضد الدولة صاحبة الإقليم. كما أن الطريقة التي نفذت بها إيران ضرباتها ضد دول الخليج تشير إلى أنها استهدفت منشآت وأعياناً مدنية، بما يتعارض مع قواعد القانون الدولي الإنساني.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن الضربات الصاروخية وهجمات الطائرات المُسيَّرة الإيرانية ضد دول الخليج تُعد هجمات مسلحة. وبناءً على ذلك؛ يحق لهذه الدول أن تمارس حقها في الدفاع عن النفس ضد هذه الهجمات، ولها كذلك أن تدعو دولاً أخرى إلى مساعدتها في صد هذه الهجمات في إطار الدفاع الجماعي عن النفس بموجب المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.
قانون الحياد وسيادة الدول
تثير الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج كذلك إشكالية قانونية مهمة تتعلق بمدى احترام قواعد الحياد في القانون الدولي المعاصر. فوفقاً للقواعد التقليدية المنظمة للنزاعات المسلحة بين الدول، تلتزم أطراف النزاع باحترام سيادة الدول المحايدة وعدم نقل العمليات العسكرية إلى أراضيها. وقد كُرست هذه المبادئ بشكل واضح في اتفاقية لاهاي لعام 1907 بشأن حقوق وواجبات الدول المحايدة والأشخاص المحايدين في حالة الحرب البرية، التي تنص على أن إقليم الدولة المحايدة لا يجوز أن يكون مسرحاً للأعمال العدائية، كما تحظر على الأطراف المتحاربة انتهاك سيادة تلك الدول أو مهاجمة أراضيها، حيث نصت في المادة الأولى منها على: «لا تنتهك حرمة القوى المحايدة».
وفي هذا السياق، أعلنت دول الخليج أنها لم تشارك في العمليات العسكرية ضد إيران، كما أكدت رسمياً أنها لم تسمح باستخدام أراضيها لشن هجمات ضدها. فقد أشارت دول الخليج، في بيان صادر عنها خلال الاجتماع الاستثنائي الـ50 للمجلس الوزاري بشأن العدوان الإيراني عليها في الأول من مارس 2026، إلى أنه على الرغم من المساعي الدبلوماسية العديدة التي بذلتها دول مجلس التعاون الخليجي لتجنب التصعيد، وبالرغم من تأكيدها عدم استخدام أراضيها لشن أي هجوم على إيران؛ فإن الأخيرة استمرت في تنفيذ عمليات عسكرية تجاه دول مجلس التعاون طالت العديد من المنشآت المدنية السكنية.
وفي ضوء هذه التصريحات، فإن استهداف دول الخليج بالصواريخ أو الطائرات المُسيَّرة يشكل انتهاكاً مباشراً لسيادتها ولقواعد الحياد في القانون الدولي. ويعزز هذا التفسير أن ميثاق الأمم المتحدة يحظر في المادة 2 (4) استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي للدول؛ وهو ما يمثل القاعدة الأساسية في نظام الأمن الجماعي المعاصر.
وهو ما يعني، من بين جملة أمور، أن اتساع نطاق الضربات الإيرانية ليشمل أهدافاً مدنية أو بنى تحتية غير مرتبطة بالعمليات العسكرية يؤدي إلى انتهاك لقواعد القانون الدولي الإنساني التي تفرض التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية.
انتهاك القانون الدولي الإنساني
تُعد الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج مثالاً صارخاً على انتهاك القانون الدولي الإنساني من خلال استهداف السكان المدنيين والأعيان المدنية بشكل مباشر وعشوائي. فقد شنت إيران هجمات صاروخية وأطلقت طائرات مُسيَّرة على قواعد ومنشآت مدنية في هذه الدول، بما في ذلك المناطق السكنية والبنية التحتية الاقتصادية، مثل المطارات المدنية ومحطات الطاقة والمرافق النفطية؛ وهو ما يشكل استخداماً للقوة خارج النطاق الشرعي. ولا يخفى أن استهداف المدنيين والأعيان المدنية يشكلان انتهاكاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، وخاصة اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977. فقد ذهبت المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة في قضية المدعي العام ضد تاديتش إلى أن اتفاقية جنيف الرابعة تهدف إلى توفير الحماية للمدنيين سواء في أراضي العدو أو الأراضي المحتلة أو في منطقة القتال.
والمقصود بالمدنيين هنا، وفقاً لقضاء المحكمة، الأفراد الذين لا يحملون جنسية الطرف المحارب ويجدون أنفسهم في قبضته أو الأشخاص عديمي الجنسية. والمبدأ الأساسي المقرر في القانون الدولي الإنساني لمصلحة المدنيين هو أنه لا يجوز استهدافهم، فهم محصنون من الهجوم وفقاً لنص المادة 51 (2) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977.
إن إيران حين استهدفت في هجماتها أعياناً مدنية، لم تميز بين الأهداف العسكرية وتلك المدنية على الرغم من أن المادة (48) من البروتوكول الإضافي الأول تنص على: «تعمل أطراف النزاع على التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية؛ ومن ثم توجه عملياتها ضد الأهداف العسكرية من دون غيرها، وذلك من أجل تأمين احترام وحماية السكان المدنيين والأعيان المدنية». والغالب أن تُصاغ القواعد المتعلقة بالتمييز من منطلق حظر «الهجمات العشوائية». ومن ذلك أن المادة 51 (4) من البروتوكول الإضافي الأول تنص على: «تحظر الهجمات العشوائية»، وعرفت الهجمات العشوائية بأنها «تلك التي لا توجه إلى هدف عسكري محدد»، أو «تلك التي تستخدم طريقة أو وسيلة للقتال لا يمكن أن توجه إلى هدف عسكري محدد»؛ ومن ثم فإن من شأنها أن تصيب، في كل حالة كهذه، الأهداف العسكرية والأشخاص المدنيين أو الأعيان المدنية من دون تمييز.
وقد أظهرت الهجمات الإيرانية على المناطق المأهولة بالسكان، والبنية التحتية النفطية والاقتصادية في دول الخليج، أنها عبارة عن هجمات عشوائية تهدف إلى إشاعة الرعب بين السكان المدنيين؛ وهو ما يشكل جريمة حرب وفق القواعد القانونية الدولية، وخاصة المادة 8 (2) (ب) (20) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
حقوق دول الخليج
في ضوء ما تقدم، يتضح بشكل جلي أن الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج تُمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني، سواء من حيث استهداف المدنيين والمنشآت المدنية. فقد أثبتت الحقائق أن هذه الدول لم تشارك في أي عدوان ضد إيران، وأن أراضيها لم تُستخدم كمنصات للهجوم؛ ما يجعل أي عمل عسكري إيراني ضدها غير مشروع قانوناً.
والواقع أن هذه الهجمات العشوائية لا تهدد فقط أمن دول الخليج وسيادة أراضيها؛ بل تُشكل تهديداً مباشراً لاستقرار المنطقة بأسرها، وللاقتصاد العالمي، وخاصة فيما يتعلق بأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد. كما أن استهداف المدنيين والمنشآت الحيوية يعمق معاناة الشعوب ويزيد من الخسائر الإنسانية؛ وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، وكذلك قواعد القانون الدولي الإنساني.
وبناءً على ذلك، فإن دول الخليج، بموجب المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، تمتلك الحق الأصيل في الدفاع الشرعي عن نفسها، ولها أن تطلب بموجب ممارسة هذا الحق المساعدة من الأطراف الثالثة لصد الاعتداءات الإيرانية، في إطار الدفاع عن النفس، وعلى ما هو ضروري لحماية أراضيها وسكانها.
{ أستاذ القانون الدولي المساعد
بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك