العدد : ١٧٦٣٤ - السبت ٠٤ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣٤ - السبت ٠٤ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج في ضوء أحكام القانون الدولي

بقلم: د. إبراهيم سيف المنشاوي

الجمعة ٠٣ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

بدأت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وإسرائيل‭ ‬عمليات‭ ‬عسكرية‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬فبراير‭ ‬2026،‭ ‬وردت‭ ‬طهران‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬العمليات‭ ‬بالقيام‭ ‬باعتداءات‭ ‬سافرة‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬لم‭ ‬تشارك‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬عمل‭ ‬عسكري‭ ‬ضد‭ ‬إيران،‭ ‬وأعلنت‭ ‬رسمياً‭ ‬عدم‭ ‬السماح‭ ‬باستخدام‭ ‬أراضيها‭ ‬أو‭ ‬أجوائها‭ ‬أو‭ ‬مياهها‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬عدائية،‭ ‬كما‭ ‬سعت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬تشجيع‭ ‬الجهود‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬والوساطة‭ ‬بهدف‭ ‬تجنب‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬واتساع‭ ‬نطاقها‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬وقد‭ ‬تسببت‭ ‬هذه‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬قتل‭ ‬وإصابة‭ ‬وتعريض‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المدنيين‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬للخطر،‭ ‬وأصابت‭ ‬مناطق‭ ‬مدنية‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬أهداف‭ ‬عسكرية،‭ ‬في‭ ‬انتهاك‭ ‬ظاهر‭ ‬لقواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭.‬

إن‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬هذه‭ ‬العمليات‭ ‬ليشمل‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تشارك‭ ‬في‭ ‬النزاع‭ ‬يُعد‭ ‬تجاوزاً‭ ‬واضحاً‭ ‬لقواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬يسعى‭ ‬هذا‭ ‬التحليل‭ ‬إلى‭ ‬توضيح‭ ‬تضرر‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬من‭ ‬التصعيد‭ ‬الإيراني‭ ‬المرتبط‭ ‬بالحرب‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬قواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬ذات‭ ‬الصلة،‭ ‬ولا‭ ‬سيّما‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬وقواعد‭ ‬الحياد،‭ ‬والقانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭.‬

استقر‭ ‬في‭ ‬الممارسة‭ ‬الدولية‭ ‬وفقه‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬أن‭ ‬المادة‭ ‬2‭ (‬4‭) ‬من‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬تشكل‭ ‬حجر‭ ‬الزاوية‭ ‬أو‭ ‬جوهر‭ ‬نظام‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬حيث‭ ‬تنص‭ ‬على‭: ‬‮«‬أن‭ ‬يمتنع‭ ‬أعضاء‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬جميعاً‭ ‬في‭ ‬علاقاتهم‭ ‬الدولية‭ ‬عن‭ ‬التهديد‭ ‬باستعمال‭ ‬القوة‭ ‬أو‭ ‬استخدامها‭ ‬ضد‭ ‬سلامة‭ ‬الأراضي‭ ‬أو‭ ‬الاستقلال‭ ‬السياسي‭ ‬لأي‭ ‬دولة‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬وجه‭ ‬آخر‭ ‬لا‭ ‬يتفق‭ ‬ومقاصد‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‮»‬‭.‬

إن‭ ‬المشاهد‭ ‬عملياً‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬قد‭ ‬استهدفت‭ ‬أصولاً‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأصول‭ ‬لم‭ ‬تُستخدم‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬لمهاجمة‭ ‬إيران‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الضربات‭ ‬الإيرانية‭ ‬التي‭ ‬استهدفت‭ ‬تلك‭ ‬الأصول‭ ‬تتضمن‭ ‬أيضاً‭ ‬استخداماً‭ ‬للقوة‭ ‬ضد‭ ‬الدولة‭ ‬صاحبة‭ ‬الإقليم‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬نفذت‭ ‬بها‭ ‬إيران‭ ‬ضرباتها‭ ‬ضد‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬استهدفت‭ ‬منشآت‭ ‬وأعياناً‭ ‬مدنية،‭ ‬بما‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬قواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬كذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الضربات‭ ‬الصاروخية‭ ‬وهجمات‭ ‬الطائرات‭ ‬المُسيَّرة‭ ‬الإيرانية‭ ‬ضد‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬تُعد‭ ‬هجمات‭ ‬مسلحة‭. ‬وبناءً‭ ‬على‭ ‬ذلك؛‭ ‬يحق‭ ‬لهذه‭ ‬الدول‭ ‬أن‭ ‬تمارس‭ ‬حقها‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ ‬ضد‭ ‬هذه‭ ‬الهجمات،‭ ‬ولها‭ ‬كذلك‭ ‬أن‭ ‬تدعو‭ ‬دولاً‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬مساعدتها‭ ‬في‭ ‬صد‭ ‬هذه‭ ‬الهجمات‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الدفاع‭ ‬الجماعي‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ ‬بموجب‭ ‬المادة‭ (‬51‭) ‬من‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭.‬

 

قانون‭ ‬الحياد‭ ‬وسيادة‭ ‬الدول

تثير‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية‭ ‬السافرة‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬كذلك‭ ‬إشكالية‭ ‬قانونية‭ ‬مهمة‭ ‬تتعلق‭ ‬بمدى‭ ‬احترام‭ ‬قواعد‭ ‬الحياد‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬المعاصر‭. ‬فوفقاً‭ ‬للقواعد‭ ‬التقليدية‭ ‬المنظمة‭ ‬للنزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬تلتزم‭ ‬أطراف‭ ‬النزاع‭ ‬باحترام‭ ‬سيادة‭ ‬الدول‭ ‬المحايدة‭ ‬وعدم‭ ‬نقل‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬إلى‭ ‬أراضيها‭. ‬وقد‭ ‬كُرست‭ ‬هذه‭ ‬المبادئ‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬اتفاقية‭ ‬لاهاي‭ ‬لعام‭ ‬1907‭ ‬بشأن‭ ‬حقوق‭ ‬وواجبات‭ ‬الدول‭ ‬المحايدة‭ ‬والأشخاص‭ ‬المحايدين‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الحرب‭ ‬البرية،‭ ‬التي‭ ‬تنص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬إقليم‭ ‬الدولة‭ ‬المحايدة‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مسرحاً‭ ‬للأعمال‭ ‬العدائية،‭ ‬كما‭ ‬تحظر‭ ‬على‭ ‬الأطراف‭ ‬المتحاربة‭ ‬انتهاك‭ ‬سيادة‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬أو‭ ‬مهاجمة‭ ‬أراضيها،‭ ‬حيث‭ ‬نصت‭ ‬في‭ ‬المادة‭ ‬الأولى‭ ‬منها‭ ‬على‭: ‬‮«‬لا‭ ‬تنتهك‭ ‬حرمة‭ ‬القوى‭ ‬المحايدة‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬أعلنت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تشارك‭ ‬في‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬ضد‭ ‬إيران،‭ ‬كما‭ ‬أكدت‭ ‬رسمياً‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تسمح‭ ‬باستخدام‭ ‬أراضيها‭ ‬لشن‭ ‬هجمات‭ ‬ضدها‭. ‬فقد‭ ‬أشارت‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬في‭ ‬بيان‭ ‬صادر‭ ‬عنها‭ ‬خلال‭ ‬الاجتماع‭ ‬الاستثنائي‭ ‬الـ50‭ ‬للمجلس‭ ‬الوزاري‭ ‬بشأن‭ ‬العدوان‭ ‬الإيراني‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬مارس‭ ‬2026،‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬المساعي‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬العديدة‭ ‬التي‭ ‬بذلتها‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬لتجنب‭ ‬التصعيد،‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬تأكيدها‭ ‬عدم‭ ‬استخدام‭ ‬أراضيها‭ ‬لشن‭ ‬أي‭ ‬هجوم‭ ‬على‭ ‬إيران؛‭ ‬فإن‭ ‬الأخيرة‭ ‬استمرت‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬عمليات‭ ‬عسكرية‭ ‬تجاه‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬طالت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المنشآت‭ ‬المدنية‭ ‬السكنية‭.‬

وفي‭ ‬ضوء‭ ‬هذه‭ ‬التصريحات،‭ ‬فإن‭ ‬استهداف‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬بالصواريخ‭ ‬أو‭ ‬الطائرات‭ ‬المُسيَّرة‭ ‬يشكل‭ ‬انتهاكاً‭ ‬مباشراً‭ ‬لسيادتها‭ ‬ولقواعد‭ ‬الحياد‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭. ‬ويعزز‭ ‬هذا‭ ‬التفسير‭ ‬أن‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬يحظر‭ ‬في‭ ‬المادة‭ ‬2‭ (‬4‭) ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬ضد‭ ‬السلامة‭ ‬الإقليمية‭ ‬والاستقلال‭ ‬السياسي‭ ‬للدول؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬القاعدة‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬المعاصر‭.‬

وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني،‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬جملة‭ ‬أمور،‭ ‬أن‭ ‬اتساع‭ ‬نطاق‭ ‬الضربات‭ ‬الإيرانية‭ ‬ليشمل‭ ‬أهدافاً‭ ‬مدنية‭ ‬أو‭ ‬بنى‭ ‬تحتية‭ ‬غير‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالعمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬انتهاك‭ ‬لقواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬التي‭ ‬تفرض‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الأهداف‭ ‬العسكرية‭ ‬والمدنية‭.‬

 

انتهاك‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني

تُعد‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬مثالاً‭ ‬صارخاً‭ ‬على‭ ‬انتهاك‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استهداف‭ ‬السكان‭ ‬المدنيين‭ ‬والأعيان‭ ‬المدنية‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬وعشوائي‭. ‬فقد‭ ‬شنت‭ ‬إيران‭ ‬هجمات‭ ‬صاروخية‭ ‬وأطلقت‭ ‬طائرات‭ ‬مُسيَّرة‭ ‬على‭ ‬قواعد‭ ‬ومنشآت‭ ‬مدنية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدول،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المناطق‭ ‬السكنية‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬مثل‭ ‬المطارات‭ ‬المدنية‭ ‬ومحطات‭ ‬الطاقة‭ ‬والمرافق‭ ‬النفطية؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يشكل‭ ‬استخداماً‭ ‬للقوة‭ ‬خارج‭ ‬النطاق‭ ‬الشرعي‭. ‬ولا‭ ‬يخفى‭ ‬أن‭ ‬استهداف‭ ‬المدنيين‭ ‬والأعيان‭ ‬المدنية‭ ‬يشكلان‭ ‬انتهاكاً‭ ‬لقواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني،‭ ‬وخاصة‭ ‬اتفاقية‭ ‬جنيف‭ ‬الرابعة‭ ‬لعام‭ ‬1949،‭ ‬والبروتوكول‭ ‬الإضافي‭ ‬الأول‭ ‬لعام‭ ‬1977‭. ‬فقد‭ ‬ذهبت‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭ ‬ليوغسلافيا‭ ‬السابقة‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬المدعي‭ ‬العام‭ ‬ضد‭ ‬تاديتش‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬اتفاقية‭ ‬جنيف‭ ‬الرابعة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬توفير‭ ‬الحماية‭ ‬للمدنيين‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬أراضي‭ ‬العدو‭ ‬أو‭ ‬الأراضي‭ ‬المحتلة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬القتال‭.‬

والمقصود‭ ‬بالمدنيين‭ ‬هنا،‭ ‬وفقاً‭ ‬لقضاء‭ ‬المحكمة،‭ ‬الأفراد‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يحملون‭ ‬جنسية‭ ‬الطرف‭ ‬المحارب‭ ‬ويجدون‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬قبضته‭ ‬أو‭ ‬الأشخاص‭ ‬عديمي‭ ‬الجنسية‭. ‬والمبدأ‭ ‬الأساسي‭ ‬المقرر‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭ ‬لمصلحة‭ ‬المدنيين‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬استهدافهم،‭ ‬فهم‭ ‬محصنون‭ ‬من‭ ‬الهجوم‭ ‬وفقاً‭ ‬لنص‭ ‬المادة‭ ‬51‭ (‬2‭) ‬من‭ ‬البروتوكول‭ ‬الإضافي‭ ‬الأول‭ ‬لعام‭ ‬1977‭.‬

إن‭ ‬إيران‭ ‬حين‭ ‬استهدفت‭ ‬في‭ ‬هجماتها‭ ‬أعياناً‭ ‬مدنية،‭ ‬لم‭ ‬تميز‭ ‬بين‭ ‬الأهداف‭ ‬العسكرية‭ ‬وتلك‭ ‬المدنية‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬المادة‭ (‬48‭) ‬من‭ ‬البروتوكول‭ ‬الإضافي‭ ‬الأول‭ ‬تنص‭ ‬على‭: ‬‮«‬تعمل‭ ‬أطراف‭ ‬النزاع‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬السكان‭ ‬المدنيين‭ ‬والمقاتلين‭ ‬وبين‭ ‬الأعيان‭ ‬المدنية‭ ‬والأهداف‭ ‬العسكرية؛‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬توجه‭ ‬عملياتها‭ ‬ضد‭ ‬الأهداف‭ ‬العسكرية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬غيرها،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تأمين‭ ‬احترام‭ ‬وحماية‭ ‬السكان‭ ‬المدنيين‭ ‬والأعيان‭ ‬المدنية‮»‬‭. ‬والغالب‭ ‬أن‭ ‬تُصاغ‭ ‬القواعد‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالتمييز‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬حظر‭ ‬‮«‬الهجمات‭ ‬العشوائية‮»‬‭. ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬المادة‭ ‬51‭ (‬4‭) ‬من‭ ‬البروتوكول‭ ‬الإضافي‭ ‬الأول‭ ‬تنص‭ ‬على‭: ‬‮«‬تحظر‭ ‬الهجمات‭ ‬العشوائية‮»‬،‭ ‬وعرفت‭ ‬الهجمات‭ ‬العشوائية‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬تلك‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬توجه‭ ‬إلى‭ ‬هدف‭ ‬عسكري‭ ‬محدد‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تستخدم‭ ‬طريقة‭ ‬أو‭ ‬وسيلة‭ ‬للقتال‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬توجه‭ ‬إلى‭ ‬هدف‭ ‬عسكري‭ ‬محدد»؛‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تصيب،‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حالة‭ ‬كهذه،‭ ‬الأهداف‭ ‬العسكرية‭ ‬والأشخاص‭ ‬المدنيين‭ ‬أو‭ ‬الأعيان‭ ‬المدنية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تمييز‭.‬

وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬الهجمات‭ ‬الإيرانية‭ ‬على‭ ‬المناطق‭ ‬المأهولة‭ ‬بالسكان،‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬النفطية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬أنها‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬هجمات‭ ‬عشوائية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬إشاعة‭ ‬الرعب‭ ‬بين‭ ‬السكان‭ ‬المدنيين؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يشكل‭ ‬جريمة‭ ‬حرب‭ ‬وفق‭ ‬القواعد‭ ‬القانونية‭ ‬الدولية،‭ ‬وخاصة‭ ‬المادة‭ ‬8‭ (‬2‭) (‬ب‭) (‬20‭) ‬من‭ ‬النظام‭ ‬الأساسي‭ ‬للمحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭.‬

 

حقوق‭ ‬دول‭ ‬الخليج

في‭ ‬ضوء‭ ‬ما‭ ‬تقدم،‭ ‬يتضح‭ ‬بشكل‭ ‬جلي‭ ‬أن‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية‭ ‬السافرة‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬تُمثل‭ ‬انتهاكاً‭ ‬صارخاً‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭ ‬العام‭ ‬والقانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬استهداف‭ ‬المدنيين‭ ‬والمنشآت‭ ‬المدنية‭. ‬فقد‭ ‬أثبتت‭ ‬الحقائق‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬لم‭ ‬تشارك‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬عدوان‭ ‬ضد‭ ‬إيران،‭ ‬وأن‭ ‬أراضيها‭ ‬لم‭ ‬تُستخدم‭ ‬كمنصات‭ ‬للهجوم؛‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬عمل‭ ‬عسكري‭ ‬إيراني‭ ‬ضدها‭ ‬غير‭ ‬مشروع‭ ‬قانوناً‭.‬

والواقع‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الهجمات‭ ‬العشوائية‭ ‬لا‭ ‬تهدد‭ ‬فقط‭ ‬أمن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬وسيادة‭ ‬أراضيها؛‭ ‬بل‭ ‬تُشكل‭ ‬تهديداً‭ ‬مباشراً‭ ‬لاستقرار‭ ‬المنطقة‭ ‬بأسرها،‭ ‬وللاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬وخاصة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بأسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬استهداف‭ ‬المدنيين‭ ‬والمنشآت‭ ‬الحيوية‭ ‬يعمق‭ ‬معاناة‭ ‬الشعوب‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬الخسائر‭ ‬الإنسانية؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬المبادئ‭ ‬الأساسية‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬وكذلك‭ ‬قواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭.‬

وبناءً‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬بموجب‭ ‬المادة‭ (‬51‭) ‬من‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬تمتلك‭ ‬الحق‭ ‬الأصيل‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬الشرعي‭ ‬عن‭ ‬نفسها،‭ ‬ولها‭ ‬أن‭ ‬تطلب‭ ‬بموجب‭ ‬ممارسة‭ ‬هذا‭ ‬الحق‭ ‬المساعدة‭ ‬من‭ ‬الأطراف‭ ‬الثالثة‭ ‬لصد‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس،‭ ‬وعلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬ضروري‭ ‬لحماية‭ ‬أراضيها‭ ‬وسكانها‭.‬

 

{‭ ‬أستاذ‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬المساعد

بكلية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والعلوم‭ ‬السياسية‭ ‬بجامعة‭ ‬القاهرة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا