العدد : ١٧٦٣٤ - السبت ٠٤ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣٤ - السبت ٠٤ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الحرب كشفت أزمة صنع القرار في واشنطن

بقلم: د. منار الشوربجي

الجمعة ٠٣ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

‭ ‬تصريحات‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬ترامب‭ ‬وفريقه‭ ‬بخصوص‭ ‬الحرب‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬تضارب‭ ‬وضبابية‭ ‬فإنها‭ ‬في‭ ‬ذاتها‭ ‬تكشف‭ ‬ملامح‭ ‬مهمة‭ ‬تجعل‭ ‬الحرب‭ ‬الجارية‭ ‬في‭ ‬لحظتها‭ ‬الراهنة‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬فيتنام‭ ‬من‭ ‬حربي‭ ‬العراق‭ ‬وأفغانستان‭. ‬فرغم‭ ‬الاختلافات‭ ‬الجوهرية‭ ‬بين‭ ‬حالتي‭ ‬فيتنام‭ ‬وإيران،‭ ‬تظل‭ ‬هناك‭ ‬اعتبارات‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬لا‭ ‬تخطئها‭ ‬العين‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬غض‭ ‬الطرف‭ ‬عنها‭.‬

أول‭ ‬هذه‭ ‬الأبعاد‭ ‬هو‭ ‬التدمير‭ ‬الذي‭ ‬ألحقه‭ ‬إيلون‭ ‬ماسك‭ ‬في‭ ‬أولى‭ ‬شهور‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬بجهاز‭ ‬الدولة‭ ‬الإداري،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬نطلق‭ ‬عليه‭ ‬بيروقراطية‭ ‬الدولة،‭ ‬تحت‭ ‬شعار‭ ‬تخفيض‭ ‬النفقات‭. ‬فالجهاز‭ ‬الإداري‭ ‬في‭ ‬الوزارات،‭ ‬يضم‭ ‬الخبرات‭ ‬التي‭ ‬تنتقل‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭. ‬فالرئيس‭ ‬الجديد‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬يأتي‭ ‬بالصف‭ ‬الأول‭ ‬والثاني‭ ‬من‭ ‬‮«‬السياسيين‮»‬‭ ‬بكل‭ ‬وزارة‭. ‬والكثيرون‭ ‬منهم‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬لديهم‭ ‬الخبرة‭ ‬الكافية‭. ‬لكنها‭ ‬عادة‭ ‬غير‭ ‬ملحوظة‭ ‬بفضل‭ ‬الجهاز‭ ‬الإداري،‭ ‬ففيه‭ ‬الذاكرة‭ ‬المؤسسية‭ ‬وفيه‭ ‬الخبراء‭ ‬الذين‭ ‬يقدمون‭ ‬المعلومات‭ ‬الدقيقة‭ ‬والبدائل‭ ‬المتاحة‭ ‬ليختار‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬صانع‭ ‬القرار‭.‬

والفصل‭ ‬العشوائي‭ ‬الذي‭ ‬مارسه‭ ‬ماسك‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تغييب‭ ‬الخبرات‭ ‬التي‭ ‬بدونها‭ ‬تخوض‭ ‬أمريكا‭ ‬اليوم‭ ‬حربها‭. ‬وتلك‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬أسباب‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬بفيتنام‭. ‬فتحت‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬عملاء‭ ‬السوفييت‭ ‬بالداخل‮»‬،‭ ‬طردت‭ ‬الموجة‭ ‬المكارثية‭ ‬الخبراء‭ ‬ولاحقتهم‭! ‬وفي‭ ‬النظام‭ ‬الأمريكي،‭ ‬كغيره،‭ ‬كلما‭ ‬كانت‭ ‬الأزمة‭ ‬ذات‭ ‬أهمية‭ ‬قصوى‭ ‬ضاقت‭ ‬الحلقة‭ ‬المعنية‭ ‬بصنع‭ ‬القرار‭. ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬الحلقة‭ ‬فارغة‭ ‬أصلا‭ ‬من‭ ‬الخبرات،‭ ‬صارت‭ ‬الأزمة‭ ‬أكثر‭ ‬حدة‭.‬

أما‭ ‬الاعتبار‭ ‬الثاني‭ ‬فيتعلق‭ ‬بالأسباب‭ ‬التي‭ ‬ساقتها‭ ‬الإدارة‭ ‬لخوض‭ ‬حرب‭ ‬إيران‭. ‬فتعددها‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬رموز‭ ‬الإدارة‭ ‬واختلافها‭ ‬من‭ ‬شخص‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬بينهم،‭ ‬عامل‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬مآلات‭ ‬الأمور‭. ‬فعندما‭ ‬لا‭ ‬تتفق‭ ‬الوزارات‭ ‬والهيئات‭ ‬بل‭ ‬والرئيس‭ ‬ونائبه‭ ‬على‭ ‬سبب‭ ‬خوض‭ ‬الحرب،‭ ‬فإنهم‭ ‬مختلفون‭ ‬بالضرورة‭ ‬حول‭ ‬الهدف‭ ‬المطلوب‭ ‬تحقيقه،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬بدائل‭ ‬تنفيذه‭.‬

في‭ ‬حرب‭ ‬فيتنام،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬واضحا‭ ‬لدى‭ ‬إدارتي‭ ‬جونسون‭ ‬ونيكسون‭ ‬لماذا‭ ‬بالضبط‭ ‬تحارب‭ ‬أمريكا‭.. ‬هل‭ ‬هي‭ ‬حرب‭ ‬ضد‭ ‬الصين،‭ ‬أم‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي،‭ ‬أم‭ ‬الشيوعية؟‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬حرب‭ ‬ضد‭ ‬فيتنام‭ ‬الشمالية؟‭ ‬فكل‭ ‬سبب‭ ‬للحرب‭ ‬يتطلب‭ ‬استراتيجية‭ ‬مختلفة‭ ‬لتحقيق‭ ‬النصر‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تضاربت‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬بين‭ ‬الوزارات‭ ‬وكانت‭ ‬النتيجة‭ ‬معروفة‭!‬

إن‭ ‬عدم‭ ‬وضوح‭ ‬الهدف‭ ‬ثم‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬أوجد‭ ‬البعد‭ ‬الثالث‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬خطورة‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تقدم،‭ ‬إذ‭ ‬نتج‭ ‬عنه‭ ‬سوء‭ ‬تقدير‭ ‬وأخطاء‭ ‬فادحة‭ ‬في‭ ‬الحسابات‭. ‬فقد‭ ‬انبنت‭ ‬التقديرات‭ ‬الأولية‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬القصف‭ ‬المتواصل‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أيام‭ ‬سيؤدى‭ ‬إلى‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬استسلام‭ ‬إيران‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تحقيق‭ ‬النصر‭ ‬السريع‭.‬

‭ ‬وعندما‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬ذلك،‭ ‬كان‭ ‬سوء‭ ‬التقدير‭ ‬هو‭ ‬سيد‭ ‬الموقف‭. ‬فمرة‭ ‬أخرى،‭ ‬بات‭ ‬التقدير‭ ‬أن‭ ‬يستمر‭ ‬القصف‭ ‬بقوة‭ ‬أكبر‭ ‬أملا‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الاستسلام‭. ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬لا‭ ‬تتحقق‭ ‬فيها‭ ‬النتيجة‭ ‬يتم‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬القصف‭ ‬بما‭ ‬يعنى‭ ‬مزيدا‭ ‬من‭ ‬التورط‭ ‬في‭ ‬الحرب،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وصل‭ ‬الأمر‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬بات‭ ‬فيه‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬القوات‭ ‬البرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬حلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬مستبعدا‭.‬

لكن‭ ‬دخول‭ ‬القوات‭ ‬البرية‭ ‬موضع‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الهدف،‭ ‬إذ‭ ‬ستكون‭ ‬تلك‭ ‬القوات‭ ‬عرضة‭ ‬للقصف‭ ‬الإيراني،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يعنى‭ ‬بالضرورة‭ ‬تعزيزها‭ ‬بالمزيد‭ ‬من‭ ‬القوات‭ ‬ومعها‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬القصف‭ ‬الجوي‭ ‬لحماية‭ ‬القوات‭ ‬البرية،‭ ‬وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬فيتنام‭!‬

فهناك،‭ ‬كانت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬كلما‭ ‬زجت‭ ‬بقوات‭ ‬برية‭ ‬إضافية‭ ‬زادت‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬الجوية‭ ‬لحمايتها،‭ ‬والمزيد‭ ‬من‭ ‬القوات‭ ‬البرية‭ ‬لحماية‭ ‬القوات‭ ‬البرية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬زجت‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬قبل‭!‬

إن‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬يسعى‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬مفاوضات‭ ‬يبدو‭ ‬أنها‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬المنطق‭ ‬نفسه؛‭ ‬أي‭ ‬تحقيق‭ ‬الاستسلام،‭ ‬بما‭ ‬يعنى‭ ‬بالضرورة‭ ‬تفويت‭ ‬الفرص‭ ‬الجادة‭ ‬لوقف‭ ‬الحرب،‭ ‬تماما‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬فيتنام،‭ ‬إذ‭ ‬أهدرت‭ ‬أمريكا‭ ‬الفرصة‭ ‬بعد‭ ‬الأخرى‭ ‬لخوض‭ ‬مفاوضات‭ ‬جادة‭ ‬تسمح‭ ‬بالانسحاب‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬مبكر‭ ‬وإنهاء‭ ‬مأزق‭ ‬الحرب‭!‬

 

{‭ ‬باحثة‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية

‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا