تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب وفريقه بخصوص الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران رغم ما تحمله من تضارب وضبابية فإنها في ذاتها تكشف ملامح مهمة تجعل الحرب الجارية في لحظتها الراهنة أقرب إلى حرب فيتنام من حربي العراق وأفغانستان. فرغم الاختلافات الجوهرية بين حالتي فيتنام وإيران، تظل هناك اعتبارات على الأقل لا تخطئها العين ولا يمكن غض الطرف عنها.
أول هذه الأبعاد هو التدمير الذي ألحقه إيلون ماسك في أولى شهور إدارة ترامب بجهاز الدولة الإداري، أو ما نطلق عليه بيروقراطية الدولة، تحت شعار تخفيض النفقات. فالجهاز الإداري في الوزارات، يضم الخبرات التي تنتقل من إدارة إلى أخرى. فالرئيس الجديد عادة ما يأتي بالصف الأول والثاني من «السياسيين» بكل وزارة. والكثيرون منهم لا تكون لديهم الخبرة الكافية. لكنها عادة غير ملحوظة بفضل الجهاز الإداري، ففيه الذاكرة المؤسسية وفيه الخبراء الذين يقدمون المعلومات الدقيقة والبدائل المتاحة ليختار من بينها صانع القرار.
والفصل العشوائي الذي مارسه ماسك أدى إلى تغييب الخبرات التي بدونها تخوض أمريكا اليوم حربها. وتلك كانت من أهم أسباب ما جرى بفيتنام. فتحت شعار «عملاء السوفييت بالداخل»، طردت الموجة المكارثية الخبراء ولاحقتهم! وفي النظام الأمريكي، كغيره، كلما كانت الأزمة ذات أهمية قصوى ضاقت الحلقة المعنية بصنع القرار. فإذا كانت تلك الحلقة فارغة أصلا من الخبرات، صارت الأزمة أكثر حدة.
أما الاعتبار الثاني فيتعلق بالأسباب التي ساقتها الإدارة لخوض حرب إيران. فتعددها على لسان رموز الإدارة واختلافها من شخص إلى آخر بينهم، عامل بالغ الأهمية في تحديد مآلات الأمور. فعندما لا تتفق الوزارات والهيئات بل والرئيس ونائبه على سبب خوض الحرب، فإنهم مختلفون بالضرورة حول الهدف المطلوب تحقيقه، فضلا عن بدائل تنفيذه.
في حرب فيتنام، لم يكن واضحا لدى إدارتي جونسون ونيكسون لماذا بالضبط تحارب أمريكا.. هل هي حرب ضد الصين، أم الاتحاد السوفيتي، أم الشيوعية؟ أم أنها حرب ضد فيتنام الشمالية؟ فكل سبب للحرب يتطلب استراتيجية مختلفة لتحقيق النصر. ومن هنا تضاربت الاستراتيجيات بين الوزارات وكانت النتيجة معروفة!
إن عدم وضوح الهدف ثم الاستراتيجية أوجد البعد الثالث الذي لا يقل خطورة عن كل ما تقدم، إذ نتج عنه سوء تقدير وأخطاء فادحة في الحسابات. فقد انبنت التقديرات الأولية على أن القصف المتواصل على مدى أيام سيؤدى إلى إسقاط النظام أو إلى استسلام إيران ومن ثم تحقيق النصر السريع.
وعندما لم يحدث ذلك، كان سوء التقدير هو سيد الموقف. فمرة أخرى، بات التقدير أن يستمر القصف بقوة أكبر أملا في الوصول إلى ذلك الاستسلام. وفي كل مرة لا تتحقق فيها النتيجة يتم اللجوء إلى المزيد من القصف بما يعنى مزيدا من التورط في الحرب، إلى أن وصل الأمر اليوم إلى وضع بات فيه اللجوء إلى القوات البرية الأمريكية حلا بعد أن كان مستبعدا.
لكن دخول القوات البرية موضع شك في تحقيق الهدف، إذ ستكون تلك القوات عرضة للقصف الإيراني، الأمر الذي يعنى بالضرورة تعزيزها بالمزيد من القوات ومعها المزيد من القصف الجوي لحماية القوات البرية، وهذا بالضبط ما حدث في فيتنام!
فهناك، كانت الولايات المتحدة كلما زجت بقوات برية إضافية زادت من القوة الجوية لحمايتها، والمزيد من القوات البرية لحماية القوات البرية التي كانت قد زجت بها من قبل!
إن الرئيس ترامب يسعى اليوم إلى مفاوضات يبدو أنها تقوم على المنطق نفسه؛ أي تحقيق الاستسلام، بما يعنى بالضرورة تفويت الفرص الجادة لوقف الحرب، تماما كما حدث في فيتنام، إذ أهدرت أمريكا الفرصة بعد الأخرى لخوض مفاوضات جادة تسمح بالانسحاب في وقت مبكر وإنهاء مأزق الحرب!
{ باحثة في العلوم السياسية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك