أول بحرينية تدرس العلاج الطبيعي في جامعة نورث أمبريا البريطانية وتعد بحثا أكاديميا فريدا من نوعه بمستشفى قوة الدفاع.. صاحبة إصدارين في أدب الأطفال.. د. سارة فاروق محمد لـ«أخبار الخليج»:

يقول الفيلسوف ابن خلدون: «الأيام الصعبة تخرج رجالا أقوياء.. والرجال الأقوياء يصنعون الرخاء والترف والرخاء يخرج رجالا ضعفاء.. والرجال الضعفاء يصنعون أياما صعبة»!
نعم، الطفولة القاسية تصنع في كثير من الأحيان شخصيات قوية، وتعزز لديهم القدرة على الصمود والتحدي، وهذا بالفعل ما جسدته تجربة هذه المرأة التي أثنت على نشأتها وسط ظروف صعبة بعيدا تماما عن كل أنواع الرفاهية والتدليل، وذلك في وقت كانت فيه المدرسة هي الأم الثانية التي تربي، الأمر الذي صنع منها إنسانة مستقلة وناجحة وتقدس عادات وتقاليد وطنها الأصيلة.
د. سارة فاروق محمد، عضو مجلس إدارة جمعية العلاج الطبيعي البحرينية، أول بحرينية تصدر كتابا أكاديميا بحثيا عن تحسين خدمات العلاج الطبيعي في مستشفى قوة الدفاع، صاحبة مؤلفين للأطفال؛ الأول بعنوان «كان ياما كان»، والثاني باسم «عادل وشجرة التفاح»، أكدت من خلالهما أهمية تكريس الهوية العربية داخل نفوس الجيل الجديد، وتقبل الآخر واحترامه والتعايش معه، وهو ما تربت عليه وتعلمته من البيئة المنامية التي نشأت بها.
حول هذه التجربة الإنسانية والعملية الملهمة كان الحوار الآتي:
كيف أثرت نشأتك على مسيرتك؟
يمكن القول إن طفولتي كانت تقليدية وقاسية، فهكذا كانت طبيعة التربية في السبعينيات، حيث كان الطفل في ذلك الوقت يعتمد على نفسه في كل شيء، ولا يلقى هذا الترفيه أو التدليل الحادث مع أبناء الجيل الجديد، كما كانت المدرسة تتعامل مع طلابها بكل صرامة وحزم ولا تتهاون مطلقا عند ارتكاب أي خطأ، فصحيح وكما يقال إن الأم مدرسة ولكن المدرسة في عهدنا كانت أما ثانية، فهي تربي وتعلم وتوجه إلى جانب التعليم. ولا شك أن هذا النوع من التربية علمنا كيف نحترم المدرسة وإدارتها والعلم، وخاصة أن الام كانت تعطي الضوء الأخضر للكوادر التعليمية للمساهمة في عملية التربية ومن ثم غرس روح الانضباط والالتزام بداخل طلابها.
لماذا تخصص العلاج الطبيعي؟
اختياري لتخصص العلاج الطبيعي جاء صدفة، وذلك حين حصلت على بعثة دراسية في دولة الكويت، وبعد عامين حدث الغزو العراقي فاضطررت إلى تكملة الدراسة في بريطانيا مدة ثلاث سنوات، وكنت أول بحرينية تنضم الي جامعة نورث أمبريا لدراسة هذا التخصص.
حدثينا عن تجربة الدراسة في بريطانيا؟
كانت تجربتي في المجتمع الضبابي صعبة وخاصة في البداية؛ وذلك نظرا إلى اختلاف كل أوجه الحياة هناك، ولكن على الصعيد الأكاديمي لم أواجه أي مشاكل بل الأمور بسلام، ولعل نشأتي بالمنامة سهلت عليّ الكثير فيما يتعلق بالاندماج وسط ثقافات وعادات مغايرة تماما، فقد اعتدت منذ طفولتي على التعامل مع كل الأطياف والديانات والجنسيات، الأمر الذي مهد الطريق أمامي عند الكبر لحدوث نوع من التناغم والانسجام والتقبل فيما بيني وبين الآخرين في المجتمع البريطاني وبكل أريحية ونجاح.
وبعد التخرج؟
بعد التخرج في جامعة نورث أمبريا وعودتي إلى وطني التحقت بمستشفى قوة دفاع البحرين للعمل كإخصائية علاج طبيعي وهي من الأماكن التي تمنح موظفيها مهارات مهنية خاصة وعالية ومتميزة، واستمررت هناك حوالي عشرين عاما، وكنت ضمن فريق إدارة الجودة بالقسم، وكان لي شرف إعداد أول بحث أكاديمي من نوعه عن تحسين الخدمات بالمستشفى في مجال العلاج الطبيعي، ثم انضممت إلى الجامعة الإيرلندية للحصول على رسالة الماجستير في إدارة الجودة للرعاية الصحية، عقب ذلك حصلت علي درجة الدكتوراه الإكلينيكية في العلاج الطبيعي من أمريكا من جامعة أوجستين هيلث سينس.
أهم تحد عبر مشوارك؟
أكبر تحد يواجه المرأة العاملة بشكل عام هو الوصول إلى مرحلة الموازنة بين مسؤولياتها وواجباتها الاسرية والعملية والعلمية، فحين أصبحت أما لثلاثة أطفال فكرت في التفرغ لرعايتهم وذلك رغم دعم زوجي ووالدتي وأختي لي، وبالفعل تقدمت باستقالتي إلى مدير القسم الذي نصحني بالحصول على إجازة مدة عام بدون راتب للتجربة، وبالفعل بعد مرور تلك المدة عدت إلى عملي وواصلت مسيرتي، وهنا يجب تأكيد أمر مهم هو أن ربة البيت تستحق كل التقدير والامتنان لتحملها أعباء كثيرة قد تفوق في أهميتها تلك التي تقع على عاتق المرأة العاملة، ويكفيها شرفا أنها تربي وتنشئ أجيال مجتمعها، وحين تضحي بالعمل من أجل ذلك علينا أن نرفع لها القبعة تقديرا واحتراما، وليس الاستهانة بدورها الأسري كما يحدث من البعض، وعلينا أن نتذكر دوما أنها في النهاية قدمت أجمل معاني الإيثار حين فضلت أسرتها على نفسها وعلى طموحاتها.
بدايتك مع تأليف الكتب؟
حين كان أبنائي صغارا اعتدت قراءة القصص لهم وتأليف بعضها ارتجاليا من الخيال بهدف زرع قيم جميلة بداخلهم بأسلوب غير مباشر، وكنت أجمع قصاصات لهذه القصص من وقت إلى آخر، وبعد عشر سنوات تقريبا قررت جمعها وإصدارها في كتاب بعنوان «كان ياما كان» وقد ضم تسعة قصص قصيرة تعتمد أساسا علي شخصيات وبيئات عربية، وكان هدفي من ذلك هو تأكيد أهمية لغتنا وقيمنا العربية، ومن ثم اتاحة الفرصة للطفل المتلقي للارتباط بها بكل فخر؛ وعلي سبيل المثال زرع مبادئ جميلة بداخله مثل الإخلاص والحب والمساعدة والتفكير الإيجابي وقوة النفس، ثم أصدرت كتابي الثاني بعنوان «عادل وشجرة التفاح » الذي يضم خمس قصص، وهو امتداد للكتاب الأول ويحمل نفس الأهداف.
دور اللغة في تنشئة الأطفال؟
أنا أرى أن أهم ما يحتاج إليه الجيل الجديد اليوم هو تكريس الهوية العربية بداخله وإتقان لغتنا الأم والارتباط والفخر بها؛ لأنها هي من تشكل طبيعة شخصيته وسلوكه في النهاية، ومن هنا لا بد من دق ناقوس الخطر وتوجيه الدعوة إلى كل من المدرسة والأسرة للترغيب في تعلمها، وأن نتذكر دائما ما قاله نعوم تشومسكي عالم اللسانيات الأمريكي بأن الفرد أو الطفل الذي يعرف لغة إنما تحصل عليها لأنه خاض في تجربة التعلم بتخطيطية واضحة ومفصلة تخبره بنوع اللغة المفروضة عليه، فاللغة تلعب دورا ليس فقط في التواصل ولكن أيضا في التعبير والمشاركة بين الأشخاص والمبادئ المنظمة الموروثة التي تقود سلوكياتنا الاجتماعية والعقلية والفردية؛ بمعنى تشكيل الطبيعة الإنسانية لدى الفرد. ومن أشد التجارب التي مرت بي كانت محنة فقد الوالد الذي عمل في شركة بابكو ما يقرب من 71 عاما، وهو من علمني الإخلاص والتفاني في العمل وقدسيته، وأنه أمانة بين أيدينا، ومن هنا أصبح مبدئي في الحياة هو العطاء للآخرين الذي يمثل بالنسبة إلي مصدر للسعادة والرضا، وهذا ما اشعر به بعد تقديم العلاج والنصائح لأي مريض يزورني في عيادتي التي اطلقتها بعد عشرين عاما من الخبرة مع مستشفى قوة الدفاع بالشراكة مع زميلة لي.
إلى أي مدى تسببت الحياة العصرية في مشاكل جسدية؟
مفهوم العلاج الطبيعي دائم التغير، ونصف هذا العلاج يعتمد على مدى فهم المشكلة، وتفاصيل المرض وأسبابه ومدة العلاج والنتيجة المتوقعة، ولا شك أن أسلوب الحياة العصرية استحدث معه مشاكل جسدية أثرت على أعضاء جسمنا وخاصة العضلات، فضلا عن تزايد الضغوط النفسية وطول مدة الجلسة المكتبية وغيرها من المشاكل التي تستدعي الحصول على العلاج الطبيعي.
طموحك القادم؟
طموحي القادم هو المزيد من الإصدارات المتعلقة بأدب الطفل بشكل عام، الذي اراه يواجه تحديات كبيرة اليوم تتمثل في ارتفاع الكلفة ومن ثم ضمان أن تتوازى مع المردود خاصة، الأمر الذي أوقع أدب الطفل العربي في خطر، ومن ثم هناك إلى دعمه معنويا وماديا، فمثلا من الممكن تخصيص زاوية خاصة للمؤلفين البحرينيين في هذا المجال الادبي ضمن معرض الكتاب الدولي، وغيرها من الأفكار التي تحفز وتشجع على التأليف وتذلل العقبات في سبيل ذلك.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك