العدد : ١٧٦٨١ - الخميس ٢٠ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٨١ - الخميس ٢٠ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الرسائل والمعاني العميقة لكلمات صاحبة السمو إلى المرأة البحرينية

بقلم: نبيلة رجب

الخميس ٠٢ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

الشهادةُ‭ ‬أصدق‭ ‬من‭ ‬المديح‭. ‬المديح‭ ‬يُقال‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭ ‬ويُنسى،‭ ‬أما‭ ‬الشهادة‭ ‬فتبقى‭ ‬لأنها‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬القلب‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬المقام‭. ‬صاحبة‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأميرة‭ ‬سبيكة‭ ‬بنت‭ ‬إبراهيم‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬قرينة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬المعظم،‭ ‬رئيسة‭ ‬المجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للمرأة،‭ ‬اختارت‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ما‭ ‬تمر‭ ‬به‭ ‬منطقتنا‭ ‬أن‭ ‬توجه‭ ‬كلمة‭ ‬إلى‭ ‬المرأة‭ ‬البحرينية،‭ ‬لتشهد‭ ‬لها‭ ‬بما‭ ‬تستحق‭. ‬وبين‭ ‬المديح‭ ‬والشهادة‭ ‬فرقٌ‭ ‬يعرفه‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬ذاق‭ ‬الاثنين‭.‬

قالت‭ ‬سموّها‭: ‬‮«‬ما‭ ‬يعرفه‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬عاش‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬الاستثنائية‭. ‬أن‭ ‬الوطن‭ ‬في‭ ‬ساعات‭ ‬الشدة‭ ‬لا‭ ‬يسأل‭ ‬عن‭ ‬الأسماء،‭ ‬يسأل‭ ‬عن‭ ‬المواقف‭. ‬والمرأة‭ ‬البحرينية‭ ‬أجابت‭ ‬بلا‭ ‬تردد،‭ ‬طمأنت‭ ‬أطفالها‭ ‬وأخفت‭ ‬خوفها‭ ‬عنهم،‭ ‬لم‭ ‬تغادر‭ ‬موقعها‭ ‬في‭ ‬العمل،‭ ‬وظل‭ ‬صمتها‭ ‬الذي‭ ‬اختارته‭ ‬قوةً‭ ‬لا‭ ‬ضعفاً‮»‬‭.‬

وتوقفتُ‭ ‬طويلاً‭ ‬عند‭ ‬ما‭ ‬قالته‭ ‬عن‭ ‬البيت‭. ‬فهو‭ ‬المدرسة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬تعلّم‭ ‬فيها‭ ‬الطفل‭ ‬ما‭ ‬معنى‭ ‬الوطن،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬اسمه‭ ‬كاملاً‭. ‬الأم‭ ‬التي‭ ‬تُبقي‭ ‬البيت‭ ‬دافئاً‭ ‬في‭ ‬أشد‭ ‬اللحظات‭ ‬برودة،‭ ‬والجدة‭ ‬التي‭ ‬تحكي‭ ‬وعيناها‭ ‬تقولان‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تقول‭ ‬الكلمات،‭ ‬هؤلاء‭ ‬لم‭ ‬يدرسن‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬التاريخ،‭ ‬لكن‭ ‬التاريخ‭ ‬لم‭ ‬يقم‭ ‬من‭ ‬دونهن‭.‬

ولستُ‭ ‬بعيدة‭ ‬عما‭ ‬وصفته‭. ‬عشتُ‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬بكل‭ ‬ثقلها،‭ ‬وما‭ ‬رأيتُه‭ ‬لم‭ ‬تنقله‭ ‬نشرات‭ ‬الأخبار‭. ‬رأيتُ‭ ‬أماً‭ ‬تُغلق‭ ‬نشرة‭ ‬الأخبار‭ ‬كلما‭ ‬دخل‭ ‬أطفالها‭ ‬الغرفة،‭ ‬وتُكمل‭ ‬إعداد‭ ‬العشاء‭ ‬بابتسامة‭ ‬تُحارب‭ ‬بها‭ ‬الخوف‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُطعم‭ ‬بها‭ ‬أولادها‭. ‬ورأيتُ‭ ‬موظفةً‭ ‬تخرج‭ ‬كل‭ ‬صباح‭ ‬وهي‭ ‬تعرف‭ ‬ما‭ ‬تعرفه،‭ ‬لأن‭ ‬الوطن‭ ‬لا‭ ‬يُبنى‭ ‬بالبيوت‭ ‬الموصدة‭. ‬هؤلاء‭ ‬لم‭ ‬تُضئ‭ ‬عليهن‭ ‬الكاميرات،‭ ‬لكنهن‭ ‬كنّ‭ ‬الضوء‭.‬

وللدعاء‭ ‬في‭ ‬رسالة‭ ‬سموّها‭ ‬مكانة‭ ‬خاصة‭. ‬فالمرأة‭ ‬التي‭ ‬ترفع‭ ‬يديها‭ ‬في‭ ‬جوف‭ ‬الليل،‭ ‬تعرف‭ ‬أين‭ ‬تضع‭ ‬ثقلها‭. ‬واستشهادها‭ ‬بقوله‭ ‬تعالى‭ (‬وَإِذَا‭ ‬سَأَلَكَ‭ ‬عِبَادِي‭ ‬عَنِّي‭ ‬فَإِنِّي‭ ‬قَرِيبٌ‭ ‬أُجِيبُ‭ ‬دَعْوَةَ‭ ‬الدَّاعِ‭ ‬إِذَا‭ ‬دَعَانِ‭) ‬كان‭ ‬اختياراً‭ ‬من‭ ‬القلب‭. ‬وفي‭ ‬زمن‭ ‬تعلو‭ ‬فيه‭ ‬أصوات‭ ‬كثيرة،‭ ‬يبقى‭ ‬الدعاء‭ ‬الصادق‭ ‬أعلاها‭ ‬وأبقاها‭.‬

وفي‭ ‬رسالتها‭ ‬صورةٌ‭ ‬بالغة‭ ‬الدقة‭: ‬‮«‬المرأة‭ ‬البحرينية‭ ‬تملك‭ ‬سلاح‭ ‬الوعي‭ ‬كما‭ ‬حملت‭ ‬أمهاتها‭ ‬سلاح‭ ‬الصبر‮»‬‭. ‬وهذه‭ ‬الكلمات‭ ‬تلامس‭ ‬شيئاً‭ ‬تعرفه‭ ‬كل‭ ‬امرأة‭ ‬منّا‭. ‬الوعي‭ ‬لا‭ ‬يُولد‭ ‬فجأة،‭ ‬يتشكّل‭ ‬ببطء‭ ‬في‭ ‬بيوت‭ ‬علّمت‭ ‬أبناءها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تعلّمهم‭ ‬المدارس،‭ ‬وفي‭ ‬صمت‭ ‬أمهات‭ ‬حملن‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬أعلنّ‭. ‬هو‭ ‬ليس‭ ‬ترفاً‭ ‬فكرياً،‭ ‬هو‭ ‬أداة‭ ‬من‭ ‬تعرف‭ ‬أن‭ ‬الكلمة‭ ‬الصحيحة‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬الصحيحة‭ ‬تصنع‭ ‬فارقاً،‭ ‬وأن‭ ‬الأم‭ ‬التي‭ ‬تُحسن‭ ‬تربية‭ ‬أبنائها‭ ‬على‭ ‬قيم‭ ‬الوطن‭ ‬تبني‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تبنيه‭ ‬الجيوش‭.‬

هذا‭ ‬ليس‭ ‬تحولاً،‭ ‬هو‭ ‬تراكم‭. ‬جيل‭ ‬علّم‭ ‬جيلاً،‭ ‬وأم‭ ‬زرعت‭ ‬في‭ ‬ابنتها‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬له‭ ‬اسماً،‭ ‬فوجدته‭ ‬البنت‭ ‬في‭ ‬أصعب‭ ‬اللحظات‭. ‬الصبر‭ ‬لم‭ ‬يذهب،‭ ‬تجذّر‭ ‬وأينع‭ ‬وعياً‭. ‬والمرأة‭ ‬التي‭ ‬تصمد‭ ‬لا‭ ‬تصمد‭ ‬من‭ ‬فراغ،‭ ‬تصمد‭ ‬لأن‭ ‬في‭ ‬عروقها‭ ‬تاريخاً‭ ‬طويلاً‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬اللواتي‭ ‬لم‭ ‬يُسأل‭ ‬عنهن‭ ‬أحد،‭ ‬وكنّ‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬العمود‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يُرى‭ ‬ولا‭ ‬يسقط‭.‬

وما‭ ‬لفت‭ ‬قلبي‭ ‬أن‭ ‬سموّها‭ ‬خاطبت‭ ‬المرأة‭ ‬البحرينية‭ ‬مباشرة،‭ ‬امرأة‭ ‬تخاطب‭ ‬امرأة،‭ ‬بلغة‭ ‬من‭ ‬يعرف‭ ‬ما‭ ‬يقول‭ ‬لأنه‭ ‬عاش‭ ‬ما‭ ‬يقول‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬المخاطبة‭ ‬المباشرة‭ ‬كرامة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مجاملة‭.‬

وفي‭ ‬الكلمة‭ ‬حنوٌ‭ ‬لا‭ ‬تُخطئه‭ ‬القلوب‭. ‬من‭ ‬يقرأها‭ ‬يحسّ‭ ‬أن‭ ‬وراء‭ ‬كل‭ ‬جملة‭ ‬قلباً‭ ‬كبيراً‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يحمل‭ ‬ما‭ ‬تعجز‭ ‬الكلمات‭ ‬عن‭ ‬قوله‭. ‬كلماتٌ‭ ‬رأت‭ ‬فيها‭ ‬كل‭ ‬امرأة‭ ‬منّا‭ ‬ما‭ ‬أخفته‭ ‬عن‭ ‬الجميع،‭ ‬ذلك‭ ‬الخوف‭ ‬المكتوم،‭ ‬والتعب‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يُعلن،‭ ‬والقوة‭ ‬التي‭ ‬تُنفق‭ ‬في‭ ‬صمت‭. ‬وهذا‭ ‬بالذات‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬جعلها‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬القلوب‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬العقول‭.‬

وشبّهت‭ ‬سموّها‭ ‬المرأة‭ ‬البحرينية‭ ‬بالنخلة‭. ‬والنخلة‭ ‬في‭ ‬وجداننا‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬شجرة،‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬تعرف‭ ‬كيف‭ ‬تعطي‭ ‬في‭ ‬الجدب‭ ‬قبل‭ ‬الخصب،‭ ‬وتصمد‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تصمد‭ ‬غيرها،‭ ‬وتبقى‭ ‬خضراء‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬أشد‭ ‬الرياح‭. ‬هذه‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬وصفتها‭ ‬سموّها‭ ‬لا‭ ‬تنتظر‭ ‬أن‭ ‬تهدأ‭ ‬العاصفة‭ ‬لتقف،‭ ‬هي‭ ‬واقفة‭ ‬أصلاً،‭ ‬وستظل‭.‬

لهذا‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬الكلمة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬رسالة‭. ‬كانت‭ ‬مرآة‭ ‬عكست‭ ‬للمرأة‭ ‬البحرينية‭ ‬صورتها‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬أجمل‭ ‬تجلياتها‭. ‬ونحن‭ ‬النساء‭ ‬اللواتي‭ ‬عشنا‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬وما‭ ‬زلنا،‭ ‬نعرف‭ ‬أن‭ ‬الشهادة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مناسبة‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬منصة‭. ‬تحتاج‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬يرى‭. ‬وسموَّها‭ ‬رأت‭.‬

 

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا