العدد : ١٧٥٣٩ - الثلاثاء ٣١ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٣٩ - الثلاثاء ٣١ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

البحث عن طَمأنينة العقل في زمن التواصل الرقمي

بقلم: فاطمة الحجري

الثلاثاء ٣١ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬تسارع‭ ‬رقميّ‭ ‬مذهل،‭ ‬تُسرق‭ ‬منا‭ ‬طمأنينة‭ ‬العقل،‭ ‬أمّا‭ ‬القلب‭ ‬فتضطرب‭ ‬نبضاته‭ ‬وسط‭ ‬صخب‭ ‬تنبيهات‭ ‬الهواتفِ‭ ‬المحمولة‭ ‬وضجيج‭ ‬صفّارات‭ ‬الإنذار‭ ‬ليلًا‭ ‬ونهارًا‭.. ‬نتلقّى‭ ‬معلومات‭ ‬إخبارية‭ ‬مبتورة‭ ‬تعجز‭ ‬عن‭ ‬إيصالنا‭ ‬إلى‭ ‬برّ‭ ‬الفهم‭ ‬واستيعاب‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬حولنا‭.‬

نستهلك‭ ‬سيلًا‭ ‬من‭ ‬الأخبار‭ ‬حدَّ‭ ‬الإرهاق،‭ ‬وننتقل‭ ‬بين‭ ‬التطبيقات‭ ‬والمنصّات‭ ‬والقنوات،‭ ‬لا‭ ‬لنقرأ‭ ‬ونفهم،‭ ‬ولا‭ ‬لنربط‭ ‬السياقات،‭ ‬ولا‭ ‬لنتأمّل؛‭ ‬بل‭ ‬بدافع‭ ‬يشبه‭ ‬إدمانا‭ ‬مستجدا‭ ‬صارت‭ ‬فيه‭ ‬شاشاتُ‭ ‬الهواتف‭ ‬‮«‬الرفيقَ‭ ‬الخوارزميَّ‮»‬‭ ‬الأقربَ‭ ‬إلينا‭ ‬من‭ ‬أبنائنا‭ ‬وأهلنا‭ ‬وأصدقائنا‭.‬

بات‭ ‬الصمت‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يومًا‭ ‬فرصة‭ ‬للمراجعة‭ ‬والتأمل‭ ‬عبئًا‭ ‬ثقيلًا‭ ‬نهربُ‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬ضجيج‭ ‬الشاشات،‭ ‬ونفعل‭ ‬العكس‭ ‬متى‭ ‬ما‭ ‬أرهقتنا‭ ‬المُجريات،‭ ‬استبدلنا‭ ‬صوتَ‭ ‬ضمائرنا‭ ‬وأفكارَنا‭ ‬العفوية‭ ‬بأصواتٍ‭ ‬غريبةٍ‭ ‬تملي‭ ‬علينا‭ ‬ما‭ ‬نحب‭ ‬وما‭ ‬نكره،‭ ‬حتى‭ ‬غدونا‭ ‬غرباءَ‭ ‬عن‭ ‬أنفسنا،‭ ‬نقتات‭ ‬على‭ ‬آراء‭ ‬الآخرين‭ ‬وردود‭ ‬أفعالهم،‭ ‬تائهين‭ ‬في‭ ‬مرآةٍ‭ ‬رقميةٍ‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬حقيقتنا‭.‬

والسؤال‭: ‬متى‭ ‬كانت‭ ‬آخر‭ ‬جلسة‭ ‬مع‭ ‬النفس‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬هاتف؟

نواجه‭ ‬قدراً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬فوضى‭ ‬الأفكار‭ ‬والمشاعر،‭ ‬نلاحق‭ ‬الأخبار‭ ‬لا‭ ‬رغبةً‭ ‬في‭ ‬المعرفة‭ ‬والمعنى،‭ ‬بل‭ ‬خوفًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يفوتنا‭ ‬شيءٌ‭ ‬ما‭ ‬هنا‭ ‬أو‭ ‬هناك،‭ ‬أو‭ ‬كلاهما‭ ‬معًا،‭ ‬والثمنُ‭ ‬يدفعه‭ ‬جهازُنا‭ ‬العصبي‭: ‬أرقًا‭ ‬متواصلًا‭ ‬وغيابًا‭ ‬للأمان‭ ‬النفسي‭ ‬وخوفا‭ ‬من‭ ‬المجهول‭ ‬الآتي،‭ ‬وسط‭ ‬أحدث‭ ‬وتداعيات‭ ‬نعرف‭ ‬بدايتها‭ ‬ولا‭ ‬نعرف‭ ‬لها‭ ‬نهاية‭.‬

كنا‭ ‬فيما‭ ‬مضى‭ ‬نهاجم‭ ‬الهدوء،‭ ‬ونملُّ‭ ‬الأيامَ‭ ‬الرتيبة،‭ ‬ونلعن‭ ‬الروتين،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ندرك‭ ‬أن‭ ‬الطمأنينة‭ ‬كانت‭ ‬ترفًا‭ ‬لم‭ ‬نُحسن‭ ‬تقديره،‭ ‬وأن‭ ‬نعمةَ‭ ‬السكينة‭ ‬ليست‭ ‬دائمةً؛‭ ‬فأصبحنا‭ ‬بين‭ ‬الحقيقة‭ ‬والضجيج‭ ‬فاقدين‭ ‬للبوصلة؛‭ ‬نؤجّل‭ ‬راحتَنا،‭ ‬رغماً‭ ‬عنا،‭ ‬إلى‭ ‬إشعارٍ‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يأتي،‭ ‬ونؤجّل‭ ‬فهمَنا‭ ‬إلى‭ ‬خبرٍ‭ ‬لا‭ ‬يكتمل‭.‬

وسط‭ ‬هذا‭ ‬الضجيج‭ ‬الممتد‭ ‬والأنفاس‭ ‬المتسارعة‭ ‬بلا‭ ‬هوادة،‭ ‬لعلّ‭ ‬النجاة‭ ‬اليوم‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬البقاء‭ ‬على‭ ‬اتصال‭ ‬ومواكبة‭ ‬كلّ‭ ‬خبر،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الانفصال‭ ‬وإغلاق‭ ‬الشاشات‭ ‬حين‭ ‬يلزم‭ ‬الأمر‭.‬

إن‭ ‬من‭ ‬الحكمة‭ ‬أن‭ ‬نمنح‭ ‬أرواحَنا‭ ‬فرصةً‭ ‬لتستعيد‭ ‬هدوءها،‭ ‬وألا‭ ‬نسعى‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬كلّ‭ ‬شيء؛‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬اختيار‭ ‬ما‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬نعرف،‭ ‬وإلى‭ ‬إغلاق‭ ‬نوافذ‭ ‬تدفّق‭ ‬الأخبار‭ ‬حين‭ ‬تشتدّ‭ ‬العواصف‭ ‬في‭ ‬أدمغتنا‭ ‬المتعبة‭ ‬لنحلم‭ ‬بيومٍ‭ ‬بلا‭ ‬تنبيهاتٍ‭ ‬لعلّنا‭ ‬ننجح‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تبقّى‭ ‬من‭ ‬اتزانٍ‭ ‬داخليّ؛‭ ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬العقل‭ ‬المُرهق‭ ‬لا‭ ‬يفهم،‭ ‬والقلبَ‭ ‬المُثقل‭ ‬لا‭ ‬يطمئن،‭ ‬والإنسان‭ ‬الذي‭ ‬يفقد‭ ‬سكينتَه‭ ‬يفقد‭ ‬نفسه‭ ‬قبل‭ ‬أيّ‭ ‬شيءٍ‭ ‬آخر‭.‬

{ صحفية‭ ‬بحرينية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا