في تسارع رقميّ مذهل، تُسرق منا طمأنينة العقل، أمّا القلب فتضطرب نبضاته وسط صخب تنبيهات الهواتفِ المحمولة وضجيج صفّارات الإنذار ليلًا ونهارًا.. نتلقّى معلومات إخبارية مبتورة تعجز عن إيصالنا إلى برّ الفهم واستيعاب ما يحدث حولنا.
نستهلك سيلًا من الأخبار حدَّ الإرهاق، وننتقل بين التطبيقات والمنصّات والقنوات، لا لنقرأ ونفهم، ولا لنربط السياقات، ولا لنتأمّل؛ بل بدافع يشبه إدمانا مستجدا صارت فيه شاشاتُ الهواتف «الرفيقَ الخوارزميَّ» الأقربَ إلينا من أبنائنا وأهلنا وأصدقائنا.
بات الصمت الذي كان يومًا فرصة للمراجعة والتأمل عبئًا ثقيلًا نهربُ منه إلى ضجيج الشاشات، ونفعل العكس متى ما أرهقتنا المُجريات، استبدلنا صوتَ ضمائرنا وأفكارَنا العفوية بأصواتٍ غريبةٍ تملي علينا ما نحب وما نكره، حتى غدونا غرباءَ عن أنفسنا، نقتات على آراء الآخرين وردود أفعالهم، تائهين في مرآةٍ رقميةٍ لا تعكس حقيقتنا.
والسؤال: متى كانت آخر جلسة مع النفس من دون هاتف؟
نواجه قدراً كبيراً من فوضى الأفكار والمشاعر، نلاحق الأخبار لا رغبةً في المعرفة والمعنى، بل خوفًا من أن يفوتنا شيءٌ ما هنا أو هناك، أو كلاهما معًا، والثمنُ يدفعه جهازُنا العصبي: أرقًا متواصلًا وغيابًا للأمان النفسي وخوفا من المجهول الآتي، وسط أحدث وتداعيات نعرف بدايتها ولا نعرف لها نهاية.
كنا فيما مضى نهاجم الهدوء، ونملُّ الأيامَ الرتيبة، ونلعن الروتين، قبل أن ندرك أن الطمأنينة كانت ترفًا لم نُحسن تقديره، وأن نعمةَ السكينة ليست دائمةً؛ فأصبحنا بين الحقيقة والضجيج فاقدين للبوصلة؛ نؤجّل راحتَنا، رغماً عنا، إلى إشعارٍ قد لا يأتي، ونؤجّل فهمَنا إلى خبرٍ لا يكتمل.
وسط هذا الضجيج الممتد والأنفاس المتسارعة بلا هوادة، لعلّ النجاة اليوم ليست في البقاء على اتصال ومواكبة كلّ خبر، بل في القدرة على الانفصال وإغلاق الشاشات حين يلزم الأمر.
إن من الحكمة أن نمنح أرواحَنا فرصةً لتستعيد هدوءها، وألا نسعى إلى معرفة كلّ شيء؛ بل إلى اختيار ما يستحق أن نعرف، وإلى إغلاق نوافذ تدفّق الأخبار حين تشتدّ العواصف في أدمغتنا المتعبة لنحلم بيومٍ بلا تنبيهاتٍ لعلّنا ننجح في الحفاظ على ما تبقّى من اتزانٍ داخليّ؛ ذلك لأن العقل المُرهق لا يفهم، والقلبَ المُثقل لا يطمئن، والإنسان الذي يفقد سكينتَه يفقد نفسه قبل أيّ شيءٍ آخر.
{ صحفية بحرينية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك