العدد : ١٧٥٣٨ - الاثنين ٣٠ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٣٨ - الاثنين ٣٠ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

ضرورة التصدي للشائعات في زمن الأزمات

بقلم: نبيلة رجب

الاثنين ٣٠ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭ ‬يمكن‭ ‬ملاحظة‭ ‬أن‭ ‬الفتنة‭ ‬صبورة‭. ‬تنتظر‭ ‬اللحظة‭ ‬المناسبة‭. ‬وأنسب‭ ‬لحظاتها‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬الناس‭ ‬خائفين،‭ ‬ومشغولين،‭ ‬ومتسرعين‭. ‬لا‭ ‬تطرق‭ ‬الباب‭ ‬ولا‭ ‬تستأذن‭. ‬تتسلل‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الكلمات،‭ ‬من‭ ‬رسالة‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬مصدرها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يُعيد‭ ‬إرسالها،‭ ‬من‭ ‬كلمة‭ ‬سقطت‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬محلها‭ ‬فأفسدت‭ ‬ما‭ ‬بناه‭ ‬الزمن‭. ‬والأزمات،‭ ‬أي‭ ‬أزمة،‭ ‬هي‭ ‬موسمها‭ ‬المفضل‭.‬

للفتنة‭ ‬وجهان‭ ‬لا‭ ‬يفترقان‭. ‬الوجه‭ ‬الأول‭ ‬فتنة‭ ‬المعلومة‭: ‬تلك‭ ‬الإشاعة‭ ‬التي‭ ‬تنتشر‭ ‬بسرعة‭ ‬لأن‭ ‬الناس‭ ‬خائفون،‭ ‬والخائف‭ ‬يصدق‭ ‬ما‭ ‬يُقلقه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصدق‭ ‬ما‭ ‬يطمئنه‭. ‬يتداول‭ ‬الناس‭ ‬ما‭ ‬يصلهم‭ ‬لأنهم‭ ‬يظنون‭ ‬أنهم‭ ‬يُحذّرون‭ ‬من‭ ‬يحبون،‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬يُوسّعون‭ ‬دائرة‭ ‬القلق‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يقصدوا‭. ‬والإشاعة‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬كذّاب‭ ‬متعمد،‭ ‬تحتاج‭ ‬فقط‭ ‬إنساناً‭ ‬مشغولاً‭ ‬لم‭ ‬يتوقف‭ ‬لحظة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يضغط‭ ‬إرسال‭.‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬الأجواء‭ ‬تحديداً،‭ ‬تنبعث‭ ‬الخزعبلات‭ ‬والتنبؤات‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬اتجاه‭. ‬وتجد‭ ‬تنبؤات‭ ‬المنجمين‭ ‬والعرّافين‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬هاتف،‭ ‬يتداولها‭ ‬الناس‭ ‬كأنها‭ ‬حقائق‭ ‬راسخة‭ ‬لا‭ ‬ظنون‭.‬

وقد‭ ‬وصل‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأمطار‭ ‬الرعدية‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬شهر‭ ‬مارس‭ ‬ربطها‭ ‬البعض‭ ‬بالحرب‭ ‬والصواريخ،‭ ‬وجعلوا‭ ‬منها‭ ‬علامة‭ ‬على‭ ‬غضب‭ ‬السماء،‭ ‬متناسين‭ ‬أن‭ ‬مارس‭ ‬في‭ ‬منطقتنا‭ ‬الخليجية‭ ‬معروف‭ ‬بتقلب‭ ‬أحواله‭ ‬منذ‭ ‬القدم،‭ ‬وأن‭ ‬أجدادنا‭ ‬كانوا‭ ‬يعرفون‭ ‬هذا‭ ‬جيداً‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬حروب‭ ‬أو‭ ‬أزمات‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬ديننا‭ ‬الحنيف‭ ‬صريح‭ ‬في‭ ‬النهي‭ ‬عن‭ ‬تصديق‭ ‬المنجمين‭ ‬والعرّافين،‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬يقولونه‭ ‬لا‭ ‬يعدو‭ ‬كونه‭ ‬تخميناً‭ ‬يلبس‭ ‬ثوب‭ ‬اليقين،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬بعضنا‭ ‬ينساق‭ ‬خلفها‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬الخوف،‭ ‬ناسياً‭ ‬أن‭ ‬التوكل‭ ‬على‭ ‬الله‭ ‬أجدى‭ ‬من‭ ‬التعلق‭ ‬بكلام‭ ‬لا‭ ‬سند‭ ‬له‭.‬

ومن‭ ‬أطرف‭ ‬ما‭ ‬تفعله‭ ‬الأجواء‭ ‬المشحونة‭ ‬بالقلق‭ ‬أنها‭ ‬تقلب‭ ‬المعنى‭ ‬رأساً‭ ‬على‭ ‬عقب‭. ‬التوجيهات‭ ‬التي‭ ‬تصدر‭ ‬من‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية‭ ‬لطمأنة‭ ‬الناس‭ ‬وإرشادهم،‭ ‬يقرأها‭ ‬بعضهم‭ ‬بعيون‭ ‬القلق‭ ‬لا‭ ‬بعيون‭ ‬الثقة،‭ ‬فتتحول‭ ‬في‭ ‬أذهانهم‭ ‬من‭ ‬رسالة‭ ‬اطمئنان‭ ‬إلى‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬ما‭ ‬يُخفى‭. ‬والنتيجة‭ ‬هلع‭ ‬لا‭ ‬مبرر‭ ‬له،‭ ‬وتداول‭ ‬مشحون‭ ‬يزيد‭ ‬الأمر‭ ‬تعقيداً‭. ‬الجهات‭ ‬تتكلم‭ ‬لتهدئ،‭ ‬لكن‭ ‬القلق‭ ‬يغيّر‭ ‬طريقة‭ ‬سماعها‭.‬

هذا‭ ‬كله‭ ‬يصبّ‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوعاء،‭ ‬ويُمهّد‭ ‬للوجه‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬الفتنة،‭ ‬فتنة‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي‭. ‬يجد‭ ‬التوتر‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬ذريعة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المعلومة‭ ‬المغلوطة،‭ ‬لا‭ ‬لأن‭ ‬النيات‭ ‬سيئة،‭ ‬لكن‭ ‬لأن‭ ‬الخوف‭ ‬يجعل‭ ‬الإنسان‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬تفسير،‭ ‬وأسهل‭ ‬تفسير‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يُلصق‭ ‬الخطأ‭ ‬بالآخر‭. ‬وما‭ ‬يجعل‭ ‬هذا‭ ‬الوجه‭ ‬أشد‭ ‬خطورةً‭ ‬أنه‭ ‬يستهدف‭ ‬ما‭ ‬بناه‭ ‬الناس‭ ‬معاً‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات،‭ ‬تلك‭ ‬الثقة‭ ‬اليومية‭ ‬البسيطة‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬المجتمع‭ ‬يسير‭. ‬والإشاعة‭ ‬حين‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬خبر‭ ‬كاذب‭ ‬إلى‭ ‬وقود‭ ‬يُشعل‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬هادئاً،‭ ‬يكون‭ ‬الضرر‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬جرح‭ ‬ظاهر‭.‬

هنا‭ ‬تتحالف‭ ‬الفتنتان‭. ‬الإشاعة‭ ‬تجد‭ ‬في‭ ‬التوتر‭ ‬وقوداً،‭ ‬والتوتر‭ ‬يجد‭ ‬في‭ ‬الإشاعة‭ ‬ذريعة‭. ‬كل‭ ‬واحدة‭ ‬تُغذّي‭ ‬الأخرى،‭ ‬وكلتاهما‭ ‬تعملان‭ ‬في‭ ‬صمت،‭ ‬وكلتاهما‭ ‬تستهدفان‭ ‬شيئاً‭ ‬واحداً‭: ‬النسيج‭ ‬الداخلي‭ ‬للمجتمع‭. ‬لكن‭ ‬البحرين‭ ‬تعرف‭ ‬هذا‭ ‬الفخ‭.‬

البحرين‭ ‬مجتمع‭ ‬يعرف‭ ‬معنى‭ ‬التنوع،‭ ‬وبنى‭ ‬عليه‭ ‬لا‭ ‬رغمه‭. ‬علاقات‭ ‬الجيرة‭ ‬والعمل‭ ‬والمصاهرة‭ ‬والصداقة‭ ‬نسجت‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود‭ ‬نسيجاً‭ ‬داخلياً‭ ‬متيناً‭. ‬وما‭ ‬بقي‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬الأيام‭ ‬الصعبة‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الناس‭ ‬اختاروا‭ ‬البقاء‭ ‬معاً،‭ ‬لأنهم‭ ‬فهموا‭ ‬أن‭ ‬الاختلاف‭ ‬لا‭ ‬يُلغي‭ ‬الانتماء‭ ‬المشترك‭ ‬لهذا‭ ‬الوطن‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬الجميع‭.‬

هنا‭ ‬سؤال‭ ‬واحد‭ ‬يبقى‭ ‬فيصلاً‭ ‬حين‭ ‬تضطرب‭ ‬الأخبار‭: ‬هل‭ ‬ما‭ ‬أقوله‭ ‬أو‭ ‬أنشره‭ ‬أو‭ ‬أصدّقه‭ ‬يخدم‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭ ‬أم‭ ‬يضره؟‭ ‬أحياناً‭ ‬نُسيء‭ ‬لبلدنا‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ندري،‭ ‬بكلمة‭ ‬أطلقناها‭ ‬بحسن‭ ‬نية،‭ ‬أو‭ ‬برسالة‭ ‬أعدنا‭ ‬إرسالها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نتحقق‭. ‬والوطن‭ ‬يستحق‭ ‬منا‭ ‬هذا‭ ‬التوقف‭.‬

الحذر‭ ‬من‭ ‬الفتنة‭ ‬ليس‭ ‬جبناً‭ ‬ولا‭ ‬تجاهلاً‭ ‬للواقع‭. ‬هو‭ ‬وعي‭. ‬وعي‭ ‬بأن‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬زعزعة‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع‭ ‬يعرف‭ ‬جيداً‭ ‬أين‭ ‬يضرب،‭ ‬يضرب‭ ‬في‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬الناس‭. ‬البحرين‭ ‬ماضية‭ ‬نحو‭ ‬الأمام،‭ ‬مشاريع‭ ‬تُبنى‭ ‬وأجيال‭ ‬تتعلم‭ ‬ومستقبل‭ ‬يُرسم،‭ ‬ولا‭ ‬وقت‭ ‬لديها‭ ‬لمن‭ ‬يريدها‭ ‬أن‭ ‬تلتفت‭ ‬إلى‭ ‬الخلف‭. ‬اليقظة‭ ‬هي‭ ‬أكبر‭ ‬رد‭.‬

وما‭ ‬بُني‭ ‬على‭ ‬معرفة‭ ‬حقيقية‭ ‬بين‭ ‬ناس‭ ‬يعيشون‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬واحدة،‭ ‬ويشتركون‭ ‬في‭ ‬هموم‭ ‬واحدة،‭ ‬ويريدون‭ ‬لأبنائهم‭ ‬غداً‭ ‬واحداً،‭ ‬لا‭ ‬تخترقه‭ ‬فتنة‭ ‬عابرة‭ ‬مهما‭ ‬اشتدت‭.‬

هذا‭ ‬الوطن‭ ‬يستحق‭ ‬منا‭ ‬أن‭ ‬ننتبه،‭ ‬للكلمة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُقال،‭ ‬وللرسالة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُنشر‭.‬

اللهم‭ ‬احفظ‭ ‬البحرين‭ ‬وأهلها،‭ ‬وأدم‭ ‬عليها‭ ‬نعمة‭ ‬الأمن‭ ‬والوحدة‭ ‬والاستقرار‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا