في أوقات الأزمات يمكن ملاحظة أن الفتنة صبورة. تنتظر اللحظة المناسبة. وأنسب لحظاتها حين يكون الناس خائفين، ومشغولين، ومتسرعين. لا تطرق الباب ولا تستأذن. تتسلل من بين الكلمات، من رسالة لم يتحقق أحد من مصدرها قبل أن يُعيد إرسالها، من كلمة سقطت في غير محلها فأفسدت ما بناه الزمن. والأزمات، أي أزمة، هي موسمها المفضل.
للفتنة وجهان لا يفترقان. الوجه الأول فتنة المعلومة: تلك الإشاعة التي تنتشر بسرعة لأن الناس خائفون، والخائف يصدق ما يُقلقه قبل أن يصدق ما يطمئنه. يتداول الناس ما يصلهم لأنهم يظنون أنهم يُحذّرون من يحبون، وهم في الحقيقة يُوسّعون دائرة القلق دون أن يقصدوا. والإشاعة لا تحتاج إلى كذّاب متعمد، تحتاج فقط إنساناً مشغولاً لم يتوقف لحظة قبل أن يضغط إرسال.
وفي هذه الأجواء تحديداً، تنبعث الخزعبلات والتنبؤات من كل اتجاه. وتجد تنبؤات المنجمين والعرّافين طريقها إلى كل هاتف، يتداولها الناس كأنها حقائق راسخة لا ظنون.
وقد وصل الأمر إلى أن الأمطار الرعدية التي شهدها شهر مارس ربطها البعض بالحرب والصواريخ، وجعلوا منها علامة على غضب السماء، متناسين أن مارس في منطقتنا الخليجية معروف بتقلب أحواله منذ القدم، وأن أجدادنا كانوا يعرفون هذا جيداً قبل أن تكون هناك حروب أو أزمات. ورغم أن ديننا الحنيف صريح في النهي عن تصديق المنجمين والعرّافين، وأن ما يقولونه لا يعدو كونه تخميناً يلبس ثوب اليقين، إلا أن بعضنا ينساق خلفها في لحظات الخوف، ناسياً أن التوكل على الله أجدى من التعلق بكلام لا سند له.
ومن أطرف ما تفعله الأجواء المشحونة بالقلق أنها تقلب المعنى رأساً على عقب. التوجيهات التي تصدر من الجهات المعنية لطمأنة الناس وإرشادهم، يقرأها بعضهم بعيون القلق لا بعيون الثقة، فتتحول في أذهانهم من رسالة اطمئنان إلى دليل على أن ثمة ما يُخفى. والنتيجة هلع لا مبرر له، وتداول مشحون يزيد الأمر تعقيداً. الجهات تتكلم لتهدئ، لكن القلق يغيّر طريقة سماعها.
هذا كله يصبّ في نفس الوعاء، ويُمهّد للوجه الثاني من الفتنة، فتنة النسيج الاجتماعي. يجد التوتر بين الناس ذريعة في تلك المعلومة المغلوطة، لا لأن النيات سيئة، لكن لأن الخوف يجعل الإنسان يبحث عن تفسير، وأسهل تفسير هو الذي يُلصق الخطأ بالآخر. وما يجعل هذا الوجه أشد خطورةً أنه يستهدف ما بناه الناس معاً على مدى سنوات، تلك الثقة اليومية البسيطة التي تجعل المجتمع يسير. والإشاعة حين تتحول من مجرد خبر كاذب إلى وقود يُشعل ما كان هادئاً، يكون الضرر أعمق من أي جرح ظاهر.
هنا تتحالف الفتنتان. الإشاعة تجد في التوتر وقوداً، والتوتر يجد في الإشاعة ذريعة. كل واحدة تُغذّي الأخرى، وكلتاهما تعملان في صمت، وكلتاهما تستهدفان شيئاً واحداً: النسيج الداخلي للمجتمع. لكن البحرين تعرف هذا الفخ.
البحرين مجتمع يعرف معنى التنوع، وبنى عليه لا رغمه. علاقات الجيرة والعمل والمصاهرة والصداقة نسجت على مدى عقود نسيجاً داخلياً متيناً. وما بقي بعد كل الأيام الصعبة هو أن الناس اختاروا البقاء معاً، لأنهم فهموا أن الاختلاف لا يُلغي الانتماء المشترك لهذا الوطن الذي يحمل الجميع.
هنا سؤال واحد يبقى فيصلاً حين تضطرب الأخبار: هل ما أقوله أو أنشره أو أصدّقه يخدم هذا الوطن أم يضره؟ أحياناً نُسيء لبلدنا دون أن ندري، بكلمة أطلقناها بحسن نية، أو برسالة أعدنا إرسالها دون أن نتحقق. والوطن يستحق منا هذا التوقف.
الحذر من الفتنة ليس جبناً ولا تجاهلاً للواقع. هو وعي. وعي بأن من يريد زعزعة هذا المجتمع يعرف جيداً أين يضرب، يضرب في الثقة بين الناس. البحرين ماضية نحو الأمام، مشاريع تُبنى وأجيال تتعلم ومستقبل يُرسم، ولا وقت لديها لمن يريدها أن تلتفت إلى الخلف. اليقظة هي أكبر رد.
وما بُني على معرفة حقيقية بين ناس يعيشون على أرض واحدة، ويشتركون في هموم واحدة، ويريدون لأبنائهم غداً واحداً، لا تخترقه فتنة عابرة مهما اشتدت.
هذا الوطن يستحق منا أن ننتبه، للكلمة قبل أن تُقال، وللرسالة قبل أن تُنشر.
اللهم احفظ البحرين وأهلها، وأدم عليها نعمة الأمن والوحدة والاستقرار.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك