العدد : ١٧٥٣٨ - الاثنين ٣٠ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٣٨ - الاثنين ٣٠ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

خيارات صعبة أمام الإدارة الأمريكية في الحرب الراهنة

بقلم: د. حسن نافعة

الاثنين ٣٠ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

يرى‭ ‬مراقبون‭ ‬كُثرٌ‭ ‬أنّ‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬حشر‭ ‬نفسَه‭ ‬في‭ ‬مأزق‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬الخروج‭ ‬منه‭ ‬بعد‭ ‬تورّطه‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬جرّته‭ ‬إليها‭ ‬إسرائيل،‭ ‬ما‭ ‬يفسّر‭ ‬شعوراً‭ ‬بالقلق‭ ‬بدأ‭ ‬ينتاب‭ ‬شرائحَ‭ ‬واسعةً‭ ‬من‭ ‬نُخب‭ ‬سياسية‭ ‬وفكرية‭ ‬أمريكية‭ ‬انساقت‭ ‬وراء‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬أمريكا‭ ‬أولاً‮»‬،‭ ‬وتصوّرت‭ ‬أنّ‭ ‬ترامب‭ ‬هو‭ ‬الرجل‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬‮«‬جعل‭ ‬أمريكا‭ ‬عظيمةً‭ ‬مرّةً‭ ‬أخرى‮»‬‭. ‬بل‭ ‬إنّ‭ ‬نسبةً‭ ‬لا‭ ‬يُستهان‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬قاعدته‭ ‬الانتخابية‭ ‬بدأت‭ ‬تثير‭ ‬الشكوك‭ ‬حول‭ ‬حقيقة‭ ‬الدوافع‭ ‬المحرّكة‭ ‬لسلوك‭ (‬ومواقف‭) ‬رئيسها‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يرى‭ ‬إلا‭ ‬نفسه‭ ‬تجاه‭ ‬قضايا‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬بعدما‭ ‬لاحظت‭ ‬مدى‭ ‬حرصه‭ ‬على‭ ‬ترجيح‭ ‬كفّة‭ ‬المصالح‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬تناقضت‭ ‬مع‭ ‬المصالح‭ ‬الأمريكية،‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬مرّة‭ ‬تعيّن‭ ‬عليه‭ ‬المفاضلة‭ ‬بينهما،‭ ‬ما‭ ‬يوحي‭ ‬بأنّه‭ ‬يستوحي‭ ‬قناعاته‭ ‬الفكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬من‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬إسرائيل‭ ‬أولاً‭ ‬وأخيراً‮»‬‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬أمريكا‭ ‬أولاً‮»‬‭.‬

من‭ ‬المفيد‭ ‬إعادة‭ ‬تذكير‭ ‬القرّاء‭ ‬بأنّ‭ ‬لدى‭ ‬ترامب‭ ‬سجّلاً‭ ‬حافلاً‭ ‬يؤكّد‭ ‬انحيازه‭ ‬الأعمى‭ ‬لإسرائيل‭. ‬فعقب‭ ‬دخوله‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬المرّة‭ ‬الأولى،‭ ‬مستهلّ‭ ‬عام‭ ‬2017،‭ ‬شرع‭ (‬على‭ ‬الفور‭) ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬القرارات،‭ ‬أقلّ‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُوصف‭ ‬به‭ ‬أنّها‭ ‬فاقت‭ ‬تطلّعات‭ ‬أكثر‭ ‬تيّارات‭ ‬اليمين‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬تطرّفاً،‭ ‬فقد‭ ‬شملت‭ ‬الاعتراف‭ ‬بمدينة‭ ‬القدس‭ ‬‮«‬عاصمةً‭ ‬أبديةً‭ ‬موحَّدةً‮»‬‭ ‬لإسرائيل،‭ ‬ونقل‭ ‬مقرّ‭ ‬السفارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬إليها،‭ ‬والاعتراف‭ ‬بالسيادة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬هضبة‭ ‬الجولان‭ ‬السورية،‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬قراراتٍ‭ ‬لم‭ ‬يجرؤ‭ ‬أيُّ‭ ‬رئيس‭ ‬أمريكي‭ ‬على‭ ‬اتخاذها‭. ‬ثم‭ ‬راح‭ ‬يبلور‭ ‬تصوّره‭ ‬الشخصي‭ ‬لتسوية‭ ‬الصراع‭ ‬العربي‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬ويطرحه‭ ‬في‭ ‬ورقة‭ ‬حملت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬صفقة‭ ‬القرن‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬التصوّر‭ ‬الذي‭ ‬عكس‭ ‬بوضوح‭ ‬مواقف‭ ‬سياسية‭ ‬مستمدَّة‭ ‬من‭ ‬أساطير‭ ‬دينية‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬التاريخية‭ ‬‮«‬أرضاً‭ ‬موعودة‮»‬‭ ‬لليهود،‭ ‬وتختزل‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬بعدها‭ ‬الإنساني،‭ ‬وبالتالي‭ ‬قابلةً‭ ‬للتسوية‭ ‬عبر‭ ‬مشروعات‭ ‬تنموية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬توفّر‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬لتوطين‭ ‬جميع‭ ‬اللاجئين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬وجودهم‭.‬

لذا‭ ‬يمكن‭ ‬القول،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تجاوز،‭ ‬إنّ‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬الصفقة‮»‬‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬سوى‭ ‬مخطّط‭ ‬صُممّ‭ ‬لتصفية‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬بدليل‭ ‬حرصه‭ ‬الشديد‭ ‬على‭ ‬الدفع‭ ‬باتجاه‭ ‬التطبيع‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬بما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬نسف‭ ‬قرار‭ ‬قمّة‭ ‬بيروت‭ ‬العربية‭ ‬لعام‭ ‬2002‭ ‬التي‭ ‬اشترطت‭ ‬قيام‭ ‬الدولة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المستقلة‭ ‬أولاً‭ ‬قبل‭ ‬الشروع‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬تطبيع‭.‬

وكان‭ ‬ترامب،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬يدرك‭ ‬أنّ‭ ‬وضع‭ ‬رؤيته‭ ‬لتسوية‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬يتطلّب‭ ‬تطويع‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬وإجباره‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬سياساته‭ ‬ولو‭ ‬بالقوة،‭ ‬ما‭ ‬يفسّر‭ ‬قراره‭ ‬بالانسحاب‭ ‬الأحادي‭ ‬من‭ ‬الاتفاق‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭ ‬الذي‭ ‬وقّعه‭ ‬الرئيس‭ ‬باراك‭ ‬أوباما‭ ‬عام‭ ‬2015،‭ ‬وفرضه‭ ‬‮«‬عقوبات‭ ‬قصوى‮»‬‭ ‬على‭ ‬إيران‭. ‬وليس‭ ‬من‭ ‬المبالغة‭ ‬القول‭ ‬إنّه‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬قُدِّر‭ ‬لترامب‭ ‬أن‭ ‬يفوز‭ ‬بفترة‭ ‬ولاية‭ ‬ثانية‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬الرئاسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬نهاية‭ ‬عام‭ ‬2020،‭ ‬لعادت‭ ‬‮«‬صفقة‭ ‬القرن‮»‬‭ ‬تتصدّر‭ ‬جدول‭ ‬أعماله‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬ولدخل‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مسلّحة‭ ‬مع‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الأقدار‭ ‬شاءت‭ ‬أن‭ ‬يخسر‭ ‬هذه‭ ‬الانتخابات‭.‬

حين‭ ‬عاد‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬بعد‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الغياب،‭ ‬كان‭ ‬نتنياهو‭ ‬ينتظر‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬بفارغ‭ ‬الصبر،‭ ‬ويتطلّع‭ ‬بشغف‭ ‬كي‭ ‬يستكملا‭ ‬ما‭ ‬بدآه‭ ‬معاً‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬بسنوات،‭ ‬خصوصاً‭ ‬أنّ‭ ‬الأخير‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬قطع‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬خطط‭ ‬بايدن‭ ‬التي‭ ‬استهدفت‭ ‬عودة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬الالتزام‭ ‬باتفاق‭ ‬2015‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬على‭ ‬نتنياهو،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬كهذا،‭ ‬إقناع‭ ‬ترامب‭ ‬بأنّه‭ ‬سيكون‭ ‬من‭ ‬المستحيل‭ ‬وضع‭ ‬رؤيتهما‭ ‬المشتركة‭ ‬لما‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬عليه‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬موضع‭ ‬التطبيق‭ ‬قبل‭ ‬إزاحة‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني،‭ ‬ما‭ ‬يفسّر‭ ‬تحرّكات‭ ‬ترامب‭ ‬اللاحقة‭. ‬فقد‭ ‬وافق‭ ‬على‭ ‬مشاركة‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬محدودة‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬منتصف‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ (‬حرب‭ ‬الاثني‭ ‬عشر‭ ‬يوماً‭)‬،‭ ‬تولّى‭ ‬الجيش‭ ‬الأمريكي‭ ‬خلالها‭ ‬مهمّة‭ ‬تدمير‭ ‬المنشآت‭ ‬النووية‭ ‬الإيرانية‭ ‬الحصينة،‭ ‬وبعد‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬سبعة‭ ‬أشهر‭ ‬بدا‭ ‬معها‭ ‬حريصاً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تضطلع‭ ‬إدارته‭ ‬بالدور‭ ‬القيادي‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬شاملة‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬فبراير‭ ‬الماضي‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬مشاركة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬شنّ‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬نتاج‭ ‬حدث‭ ‬ظرفي‭ ‬عابر‭ ‬أو‭ ‬خطأ‭ ‬في‭ ‬الحسابات‭ ‬من‭ ‬أجهزة‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬هنا‭ ‬أو‭ ‬هناك،‭ ‬وإنما‭ ‬جاءت‭ ‬تطوّراً‭ ‬طبيعياً‭ ‬لأزمة‭ ‬بنيوية‭ ‬أمسكت‭ ‬بتلابيب‭ ‬النظامين‭ ‬الأمريكي‭ ‬والصهيوني،‭ ‬ثم‭ ‬راحت‭ ‬تتراكم‭ ‬وتتعمّق‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت‭. ‬فبقدر‭ ‬ما‭ ‬عكست‭ ‬الظاهرة‭ ‬‮«‬الترامبية‮»‬،‭ ‬إن‭ ‬جاز‭ ‬التعبير،‭ ‬أزمةً‭ ‬بنيويةً‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬الهيمنة‭ ‬العالمي‭ ‬الذي‭ ‬تقوده‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬عكست‭ ‬الظاهرة‭ ‬‮«‬النتنياهوية‮»‬،‭ ‬إن‭ ‬جاز‭ ‬التعبير،‭ ‬أزمةً‭ ‬بنيويةً‭ ‬داخل‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬يطمح‭ ‬إلى‭ ‬الهيمنة‭ ‬الإقليمية‭ ‬على‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬برمّتها‭. ‬ليس‭ ‬معنى‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬كلتا‭ ‬الإدارتين،‭ ‬الأمريكية‭ ‬بقيادة‭ ‬ترامب‭ ‬والصهيونية‭ ‬بقيادة‭ ‬نتنياهو،‭ ‬لم‭ ‬ترتكبا‭ ‬أخطاءً‭ ‬في‭ ‬الحسابات‭ ‬حين‭ ‬اتخذتا‭ ‬قرارهما‭ ‬المشترك‭ ‬شنّ‭ ‬الحرب‭ ‬الشاملة،‭ ‬فقد‭ ‬ارتكبتا‭ ‬بالفعل‭ ‬أخطاءً‭ ‬جسيمة،‭ ‬لكنّها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬أخطاءً‭ ‬ناشئة،‭ ‬وإنما‭ ‬كاشفة‭ ‬للأزمة‭ ‬قد‭ ‬يساعد‭ ‬ارتكابها‭ ‬على‭ ‬تعميق‭ ‬الأزمة‭ ‬وتسريع‭ ‬وتيرتها،‭ ‬لكنّه‭ ‬لا‭ ‬يحول‭ ‬دون‭ ‬استمرارها‭.‬

بل‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إنّها‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬الأخطاء‭ ‬التقليدية‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬غرور‭ ‬القوة،‭ ‬وعن‭ ‬إحساس‭ ‬متزايد‭ ‬لدى‭ ‬أجهزة‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬بعمق‭ ‬الأزمة‭. ‬فقد‭ ‬بنى‭ ‬ترامب‭ ‬ونتنياهو‭ ‬حساباتهما‭ ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬تصوّر‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬لن‭ ‬يصمد‭ ‬أمام‭ ‬ضربة‭ ‬ساحقة‭ ‬ماحقة‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬اغتيال‭ ‬معظم‭ ‬قيادات‭ ‬الصفّ‭ ‬الأول،‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬سينهار‭ ‬على‭ ‬الفور،‭ ‬أو‭ ‬بالتدرّج‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة‭.‬

لكن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬كان‭ ‬العكس؛‭ ‬صحيح‭ ‬أنّ‭ ‬الضربة‭ ‬الافتتاحية‭ ‬كانت‭ ‬ناجحة،‭ ‬فأدّت‭ ‬بالفعل‭ ‬إلى‭ ‬اغتيال‭ ‬معظم‭ ‬قيادات‭ ‬الصفّ‭ ‬الأول،‭ ‬بمن‭ ‬فيها‭ ‬المرشد‭ ‬الأعلى،‭ ‬لكنّ‭ ‬النظام‭ ‬تماسك،‭ ‬وتمكنّ‭ ‬من‭ ‬الردّ‭ ‬المؤثّر،‭ ‬بل‭ ‬راح‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت‭ ‬يزداد‭ ‬تصميماً‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬القتال‭.‬

والواقع‭ ‬أن‭ ‬الفحص‭ ‬المدقّق‭ ‬لمسار‭ ‬الحرب،‭ ‬التي‭ ‬توشك‭ ‬على‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬شهرها‭ ‬الثاني،‭ ‬يؤكّد‭ ‬ما‭ ‬يوحي‭ ‬بأن‭ ‬الحرب‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬طريقها‭ ‬نحو‭ ‬الحسم‭ ‬لمصلحة‭ ‬الأطراف‭ ‬التي‭ ‬بادرت‭ ‬بشنّها،‭ ‬وإنما‭ ‬بأنّ‭ ‬استراتيجية‭ ‬الاستنزاف‭ ‬التي‭ ‬تنتهجها‭ ‬إيران‭ ‬أكثر‭ ‬فاعليةً‭ ‬وكفاءةً‭ ‬من‭ ‬استراتيجية‭ ‬الحرب‭ ‬السريعة‭ ‬أو‭ ‬الخاطفة‭ ‬التي‭ ‬تنتهجها‭ ‬إسرائيل‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬صحيح‭ ‬أنّ‭ ‬هناك‭ ‬فجوة‭ ‬هائلة‭ ‬في‭ ‬القوة‭ ‬لمصلحة‭ ‬الأطراف‭ ‬التي‭ ‬بادرت‭ ‬بالهجوم،‭ ‬إذ‭ ‬استطاعت‭ ‬هذه‭ ‬الأطراف‭ ‬أن‭ ‬تُلحق‭ ‬بإيران‭ ‬خسائر‭ ‬ضخمة،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬الأخيرة‭ ‬تمكّنت‭ ‬من‭ ‬الردّ‭ ‬وبالذات‭ ‬داخل‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وتبدو‭ ‬المواجهة‭ ‬مستمرة‭ ‬لوقت‭ ‬ربّما‭ ‬أطول‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬توقعته‭ ‬الأطراف‭ ‬المتصارعة‭ ‬،‭ ‬لأن‭ ‬ايران‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬تضاريس‭ ‬معقّدة‭ ‬توفّر‭ ‬الحماية‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التخفّي‭ ‬والاختباء،‭ ‬وموقع‭ ‬جيوسياسي‭ ‬مهم،‭ ‬وموارد‭ ‬طبيعية‭ ‬وبشرية‭ ‬وفيرة،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬العناصر‭ ‬التي‭ ‬مكّنت‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬حماية‭ ‬ترسانتها‭ ‬الصاروخية‭ ‬وأيضاً‭ ‬من‭ ‬الردّ‭ ‬بطريقة‭ ‬متدرّجة‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬عمق‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المحتلة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬إلحاق‭ ‬الأذى‭ ‬بالكيان‭ ‬الصهيوني‭.‬

كان‭ ‬هدف‭ ‬ترامب‭ ‬الوحيد،‭ ‬حين‭ ‬قرّر‭ ‬شنّ‭ ‬هذه‭ ‬الحرب،‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬الحالي‭ ‬واستبداله‭ ‬بنظام‭ ‬موالي‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬نظام‭ ‬الشاه،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬صمود‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬أجبر‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬موقفه‭ ‬وإبداء‭ ‬استعداده‭ ‬للتفاوض‭ ‬مع‭ ‬النظام‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬سعى‭ ‬لإسقاطه،‭ ‬فقام‭ ‬أخيراً‭ ‬بطرح‭ ‬مسوّدة‭ ‬اتفاق‭ ‬تتضمّن‭ ‬15‭ ‬بنداً‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬الانتباه‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬إصرار‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬أنّه‭ ‬انتصر،‭ ‬وأنّ‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬هُزم،‭ ‬ويدعوه،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬إلى‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬طاولة‭ ‬المفاوضات‭. ‬فالمنتصر‭ ‬لا‭ ‬يفاوض،‭ ‬وإنّما‭ ‬يجبر‭ ‬المهزوم‭ ‬على‭ ‬التوقيع‭ ‬على‭ ‬صكّ‭ ‬استسلام،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يحدث،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬المتوقّع‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬القريب‭.‬

لذا‭ ‬تبدو‭ ‬الخيارات‭ ‬المتاحة‭ ‬أمام‭ ‬ترامب،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬كهذا،‭ ‬محدودةً‭ ‬جدّاً؛‭ ‬فالطريق‭ ‬إلى‭ ‬مفاوضات‭ ‬حقيقية‭ ‬وجادّة‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬الأطراف‭ ‬تقديم‭ ‬تنازلات‭ ‬متبادَلة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يستطيعه‭ ‬ترامب،‭ ‬لأنّه‭ ‬سيواجَه‭ ‬حينئذ‭ ‬بعقبتَين‭ ‬رئيستَين‭ ‬تحولان‭ ‬دون‭ ‬انتهاج‭ ‬هذا‭ ‬الطريق‭: ‬الأولى‭ ‬هي‭ ‬موقف‭ ‬نتنياهو‭ ‬الذي‭ ‬سيرفض‭ ‬حتماً‭ ‬تقديم‭ ‬أيّ‭ ‬تنازلات،‭ ‬خصوصاً‭ ‬أنّ‭ ‬مستقبله‭ ‬السياسي‭ ‬يتوقّف‭ ‬على‭ ‬نجاحه‭ ‬في‭ ‬استدامة‭ ‬الحرب‭.‬

والثانية‭ ‬هي‭ ‬انتخابات‭ ‬التجديد‭ ‬النصفي‭ ‬للكونجرس،‭ ‬التي‭ ‬سيخسرها‭ ‬ترامب‭ ‬حتماً‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬إقناع‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬الأمريكي‭ ‬بجدوى‭ ‬إقحام‭ ‬بلاده‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬لا‭ ‬تفيد‭ ‬سوى‭ ‬نتنياهو،‭ ‬خصوصاً‭ ‬إذا‭ ‬استمرّت‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬إحكام‭ ‬سيطرتها‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬بكلّ‭ ‬ما‭ ‬سيترتّب‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تبعات‭ ‬اقتصادية‭ ‬سيتحملها‭ ‬المستهلك‭ ‬الأمريكي‭.‬

أمّا‭ ‬إذا‭ ‬قرّر‭ ‬ترامب‭ ‬عملية‭ ‬جوّية‭ ‬كبرى‭ ‬تؤدّي‭ ‬إلى‭ ‬تدمير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬المدنية‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬أو‭ ‬عملية‭ ‬بحرية‭ ‬تؤدّي‭ ‬إلى‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬وفتحه‭ ‬بالقوة‭ ‬أمام‭ ‬الملاحة‭ ‬العالمية،‭ ‬أو‭ ‬عملية‭ ‬برّية‭ ‬تؤدّي‭ ‬إلى‭ ‬احتلال‭ ‬جزر‭ ‬إيرانية‭ ‬وحرمان‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬تصدير‭ ‬نفطها‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭... ‬فلن‭ ‬تضمن‭ ‬له‭ ‬أيّ‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬العمليات‭ ‬تحقيق‭ ‬نصر‭ ‬حاسم‭ ‬بالضرورة‭ ‬أو‭ ‬إجبار‭ ‬الخصم‭ ‬على‭ ‬توقيع‭ ‬صكّ‭ ‬الاستسلام،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬أنّ‭ ‬جميع‭ ‬هذه‭ ‬البدائل‭ ‬مكلفةٌ‭ ‬بشرياً‭ ‬ومادّياً،‭ ‬ما‭ ‬يؤكّد‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬أنّ‭ ‬المأزق‭ ‬الذي‭ ‬دخل‭ ‬فيه‭ ‬ترامب‭ ‬بمحض‭ ‬إرادته‭ ‬يبدو‭ ‬مأزقا‭ ‬صعبا‭.‬

{‭ ‬أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية

في‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا