العدد : ١٧٥٣٧ - الأحد ٢٩ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٣٧ - الأحد ٢٩ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

التهديد الإيراني للتجارب التنموية في دول الخليج

بقلم: د. عصام عبدالفتاح

الأحد ٢٩ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

الصورة‭ ‬العامة‭ ‬الراسخة‭ ‬دائمًا‭ ‬في‭ ‬وعى‭ ‬العالم‭ ‬عن‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬تبرز‭ ‬فيها‭ ‬الممالك‭ ‬العربية‭ ‬طودًا‭ ‬شامخًا‭ ‬أمام‭ ‬صروف‭ ‬الدهر‭ ‬السياسية،‭ ‬وواحة‭ ‬آمنة‭ ‬للطموح‭ ‬والاستثمار‭ ‬والازدهار‭ ‬والاستقرار‭ ‬بمنأى‭ ‬عن‭ ‬النزاعات‭ ‬المشتعلة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

وحينما‭ ‬ننظر‭ ‬إلى‭ ‬صور‭ ‬‮«‬إكسبو‭ ‬دبي‮»‬‭ ‬عام‭ ‬2021‭ ‬أو‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬قطر‭ ‬عام‭ ‬2022‭ ‬ونقارنها‭ ‬بما‭ ‬نشاهده‭ ‬الآن‭ ‬تبدو‭ ‬المنطقة‭ ‬وكأنها‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬آخر‭.. ‬فلماذا‭ ‬يتم‭ ‬تهديد‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬الناجحة‭ ‬تحت‭ ‬ضربات‭ ‬الصواريخ‭ ‬الإيرانية؟

هذا‭ ‬هو‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يشغل‭ ‬المختصين‭ ‬بشؤون‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬ورجال‭ ‬الأعمال‭ ‬الذين‭ ‬عزموا‭ ‬على‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬بلادهم‭ ‬بسبب‭ ‬الأحداث‭ ‬الراهنة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإقليم‭ ‬العزيز‭.‬

لئن‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬شهد‭ ‬هذا‭ ‬الإقليم‭ ‬أحداثًا‭ ‬عنيفة‭ ‬متفرقة‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬فهي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬ذات‭ ‬تأثير‭ ‬عميق‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬الصورة‭ ‬الكلية‭ ‬عنه‭. ‬فقد‭ ‬سبق‭ ‬مثلًا‭ ‬أن‭ ‬تعرضت‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬لهجوم‭ ‬غاشم‭ ‬بـ46‭ ‬صاروخًا‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬سكود‭ ‬شنه‭ ‬عليها‭ ‬نظام‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬عندما‭ ‬غزا‭ ‬الكويت‭ ‬عام‭ ‬1990،‭ ‬كما‭ ‬سبق‭ ‬لقطر‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬مسرحًا‭ ‬لهجومين‭ ‬جويين‭ ‬في‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬عام،‭ ‬أتاها‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬2025،‭ ‬وأصاب‭ ‬قاعدة‭ ‬أمريكية‭ ‬في‭ ‬‮«‬العديد‮»‬،‭ ‬والثاني‭ ‬شنته‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬نفسه‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬مكتب‭ ‬حماس‭ ‬في‭ ‬الدوحة‭.‬

وفى‭ ‬الإمارات‭ ‬تعرضت‭ ‬أبوظبي‭ ‬عام‭ ‬2022‭ ‬لموجة‭ ‬من‭ ‬الصواريخ‭ ‬الباليستية‭ ‬أطلقها‭ ‬عليها‭ ‬الحوثيون‭ ‬في‭ ‬اليمن‭. ‬لم‭ ‬تتبدل‭ ‬الأحوال‭ ‬فعليًا‭ ‬آنذاك‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬بعدما‭ ‬صارت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬هدفًا‭ ‬رئيسيًا‭ ‬للصواريخ‭ ‬والمسيرات‭ ‬الإيرانية‭..‬

مما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬تمتلك‭ ‬أنظمة‭ ‬دفاعية‭ ‬فائقة‭ ‬التطور‭ ‬تمكنت‭ ‬بها‭ ‬وبجدارة‭ ‬من‭ ‬تدمير‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬95‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬الصواريخ‭ ‬الإيرانية،‭ ‬لكن‭ ‬النسبة‭ ‬الضئيلة‭ ‬منها‭ ‬التي‭ ‬أفلتت‭ ‬من‭ ‬أنظمتها‭ ‬الدفاعية‭ ‬ألحقت‭ ‬أضرارًا‭ ‬بمؤسساتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وشركاتها‭ ‬الاستثمارية‭ ‬وبمطاراتها‭ ‬الدولية‭ ‬ومراكز‭ ‬الطاقة‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬غاز‭ ‬ونفط‭ ‬وبمصانعها‭ ‬الحيوية‭ ‬المهمة‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بتحلية‭ ‬مياه‭ ‬الشرب،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الخسائر‭ ‬التي‭ ‬حلت‭ ‬بقطاع‭ ‬السياحة‭ ‬فيها،‭ ‬وهو‭ ‬قطاع‭ ‬استثماري‭ ‬يضخ‭ ‬ثروات‭ ‬هائلة‭.‬

وبخلاف‭ ‬خسائرها‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬غلق‭ ‬إيران‭ ‬لمضيق‭ ‬هرمز‭ ‬وتداعياته‭ ‬على‭ ‬اقتصادياتها‭ ‬والاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬كله،‭ ‬بات‭ ‬واضحًا‭ ‬أن‭ ‬النموذج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الذي‭ ‬استنته‭ ‬لنفسها‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬وانتظمت‭ ‬تحت‭ ‬رايته‭ ‬سياساتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاستثمارية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬قد‭ ‬تعرض‭ ‬لتهديد‭ ‬كبير‭.‬

لأن‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬يعتمد‭ ‬بالأساس‭ ‬على‭ ‬تدفق‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬الأجنبية‭ ‬إليها‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬رؤوس‭ ‬أموال‭ ‬مواطنيها‭. ‬ولئن‭ ‬أثبتت‭ ‬أنظمة‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوية‭ ‬كفاءة‭ ‬منقطعة‭ ‬النظير‭ ‬في‭ ‬اصطياد‭ ‬أغلب‭ ‬الصواريخ‭ ‬الإيرانية‭ ‬فمشكلتها‭ ‬–‭ ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬بعض‭ ‬الخبراء‭ ‬العسكريين‭- ‬أن‭ ‬المسيرات‭ ‬الإيرانية‭ ‬الأقل‭ ‬تكلفة‭ ‬تشكل‭ ‬وسيلة‭ ‬استنزاف‭ ‬مستمرة‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬تعتمد‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬أنظمة‭ ‬الدفاع‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬تتولى‭ ‬الشركات‭ ‬الأمريكية‭ ‬إمدادها‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تحتاجه‭ ‬منها‭ ‬لأسباب‭ ‬عملياتية،‭ ‬فالواقع‭ ‬أن‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تسليم‭ ‬الأنظمة‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭ ‬غير‭ ‬مؤكدة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الأوضاع‭ ‬الراهنة‭.‬

والمؤكد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬ستكون‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الملفات‭ ‬التي‭ ‬ستعمل‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬بكل‭ ‬جدية‭. ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬بإمكان‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬صورة‭ ‬الجزر‭ ‬الهادئة‭ ‬البعيدة‭ ‬عن‭ ‬اضطرابات‭ ‬المنطقة‭ ‬دون‭ ‬اتخاذ‭ ‬إجراءات‭ ‬تأمينية‭ ‬أكثر‭ ‬تكاملا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الاستثمارات‭ ‬واستمرار‭ ‬تقدم‭ ‬تجاربها‭ ‬التنموية‭ ‬الناجحة‭. ‬

 

{‭ ‬أستاذ‭ ‬فلسفة‭ ‬اللغة‭ ‬والأدب‭ ‬الفرنسي‭ ‬

بكلية‭ ‬الآداب‭ ‬–‭ ‬جامعة‭ ‬حلوان‭.‬

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا