الصورة العامة الراسخة دائمًا في وعى العالم عن الخليج العربي تبرز فيها الممالك العربية طودًا شامخًا أمام صروف الدهر السياسية، وواحة آمنة للطموح والاستثمار والازدهار والاستقرار بمنأى عن النزاعات المشتعلة في الشرق الأوسط.
وحينما ننظر إلى صور «إكسبو دبي» عام 2021 أو كأس العالم في قطر عام 2022 ونقارنها بما نشاهده الآن تبدو المنطقة وكأنها تنتمي إلى زمن آخر.. فلماذا يتم تهديد هذه التجارب الناجحة تحت ضربات الصواريخ الإيرانية؟
هذا هو السؤال الذي يشغل المختصين بشؤون الخليج العربي ورجال الأعمال الذين عزموا على العودة إلى بلادهم بسبب الأحداث الراهنة في هذا الإقليم العزيز.
لئن سبق أن شهد هذا الإقليم أحداثًا عنيفة متفرقة في الماضي فهي لم تكن ذات تأثير عميق في تغيير الصورة الكلية عنه. فقد سبق مثلًا أن تعرضت المملكة العربية السعودية لهجوم غاشم بـ46 صاروخًا من طراز سكود شنه عليها نظام صدام حسين عندما غزا الكويت عام 1990، كما سبق لقطر أن كانت مسرحًا لهجومين جويين في أقل من عام، أتاها الأول من إيران في يونيو 2025، وأصاب قاعدة أمريكية في «العديد»، والثاني شنته في العام نفسه إسرائيل على مكتب حماس في الدوحة.
وفى الإمارات تعرضت أبوظبي عام 2022 لموجة من الصواريخ الباليستية أطلقها عليها الحوثيون في اليمن. لم تتبدل الأحوال فعليًا آنذاك كما هو الحال بعدما صارت دول الخليج العربية هدفًا رئيسيًا للصواريخ والمسيرات الإيرانية..
مما لا شك فيه أن دول الخليج تمتلك أنظمة دفاعية فائقة التطور تمكنت بها وبجدارة من تدمير ما يزيد على 95 بالمائة من الصواريخ الإيرانية، لكن النسبة الضئيلة منها التي أفلتت من أنظمتها الدفاعية ألحقت أضرارًا بمؤسساتها الاقتصادية وشركاتها الاستثمارية وبمطاراتها الدولية ومراكز الطاقة فيها من غاز ونفط وبمصانعها الحيوية المهمة التي تقوم بتحلية مياه الشرب، بالإضافة إلى الخسائر التي حلت بقطاع السياحة فيها، وهو قطاع استثماري يضخ ثروات هائلة.
وبخلاف خسائرها الناجمة عن غلق إيران لمضيق هرمز وتداعياته على اقتصادياتها والاقتصاد العالمي كله، بات واضحًا أن النموذج الاقتصادي الذي استنته لنفسها دول الخليج وانتظمت تحت رايته سياساتها الاقتصادية والاستثمارية والاجتماعية قد تعرض لتهديد كبير.
لأن هذا النموذج يعتمد بالأساس على تدفق رؤوس الأموال الأجنبية إليها فضلًا عن رؤوس أموال مواطنيها. ولئن أثبتت أنظمة الدفاع الجوية كفاءة منقطعة النظير في اصطياد أغلب الصواريخ الإيرانية فمشكلتها – كما يرى بعض الخبراء العسكريين- أن المسيرات الإيرانية الأقل تكلفة تشكل وسيلة استنزاف مستمرة.
وإذا كانت دول الخليج تعتمد بصورة كبيرة على أنظمة الدفاع الأمريكية التي تتولى الشركات الأمريكية إمدادها بكل ما تحتاجه منها لأسباب عملياتية، فالواقع أن قدرتها على تسليم الأنظمة إليها في الوقت المناسب غير مؤكدة في ظل الأوضاع الراهنة.
والمؤكد أن هذه المسألة ستكون من أبرز الملفات التي ستعمل دول الخليج على التعامل معها بكل جدية. فلم يعد بإمكان دول الخليج الحفاظ على صورة الجزر الهادئة البعيدة عن اضطرابات المنطقة دون اتخاذ إجراءات تأمينية أكثر تكاملا من أجل الحفاظ على الاستثمارات واستمرار تقدم تجاربها التنموية الناجحة.
{ أستاذ فلسفة اللغة والأدب الفرنسي
بكلية الآداب – جامعة حلوان.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك