العدد : ١٧٥٣٧ - الأحد ٢٩ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٣٧ - الأحد ٢٩ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

دول الخليج.. والتعامل مع تحديات الحرب

بقلم: زياد بركات

الأحد ٢٩ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

ستنتهي‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬بعدها‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬كما‭ ‬قبلها،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬حربها،‭ ‬بل‭ ‬عليها،‭ ‬كما‭ ‬سيتكشّف‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬أوزارها‭. ‬وتُعد‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬منبعا‭ ‬للثروة‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وهذا‭ ‬توصيفٌ‭ ‬تقني‭ ‬إن‭ ‬شئت،‭ ‬ما‭ ‬جعلها‭ ‬مطمعاً‭ ‬لكلّ‭ ‬مغامر‭ ‬أهوج،‭ ‬ومنهم‭ ‬إيران،‭ ‬لكن‭ ‬الحرب‭ ‬ربّما‭ ‬قدّمت‭ ‬لها‭ ‬الدرس‭ ‬الذهبي،‭ ‬وهو‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬الشاعر‭ ‬الجاهلي‭ ‬زهير‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬سلمى،‭ ‬والرَجل‭ ‬حكيم،‭ ‬وحكمته‭ ‬غلبت‭ ‬شعريته‭.‬

في‭ ‬معلّقته‭ ‬الشهيرة،‭ ‬ثمّة‭ ‬شطرٌ‭ ‬يقول‭ ‬فيه‭: ‬‮«‬ومن‭ ‬لم‭ ‬يذُد‭ ‬عن‭ ‬حوضه‭ ‬بسلاحه‭ ‬يُهَدَّم‮»‬،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الشاعر‭ ‬الثمانيني‭ ‬آنذاك‭ ‬توصّل‭ ‬إلى‭ ‬خلاصاتٍ‭ ‬قاسية،‭ ‬منها‭ ‬أن‭ ‬قانون‭ ‬القوّة‭ ‬أو‭ ‬قانون‭ ‬الغاب‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يحكم،‭ ‬فالأهم‭ ‬لديه‭ ‬إعلاء‭ ‬شأن‭ ‬القوّة‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ (‬بالهجوم‭)‬،‭ ‬وإلا‭ ‬فالهلاك‭.‬

ليس‭ ‬صحيحاً‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬ضعيفة،‭ ‬فهي‭ ‬تدافع‭ ‬عن‭ ‬أراضيها‭ ‬وأجوائها‭ ‬ومواطنيها‭ ‬وسكّانها‭ ‬باقتدارٍ‭ ‬كبيرٍ‭ ‬منذ‭ ‬بدأت‭ ‬‮«‬الجارة‮»‬‭ ‬إيران‭ ‬تُمطرها‭ ‬بالصواريخ‭ ‬والمسيّرات،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬صحيحاً‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬ما‭ ‬يُدبَّر‭ ‬لها،‭ ‬فلديها‭ ‬نُخبٌ‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأفضل‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬كما‭ ‬أنّها‭ ‬على‭ ‬تواصلٍ‭ ‬مع‭ ‬أفضل‭ ‬مراكز‭ ‬البحوث‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

لكن‭ ‬حيازة‭ ‬القوّة‭ ‬والمعرفة‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬في‭ ‬الأزمات‭ ‬الكُبرى،‭ ‬ما‭ ‬يوجب‭ ‬بلورة‭ ‬‮«‬عقيدة‮»‬‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الهجوم،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الدفاع‭ ‬فحسب‭. ‬وليس‭ ‬المقصود‭ ‬هنا‭ ‬تحريضها‭ ‬على‭ ‬الهجوم‭ ‬على‭ ‬الآخرين،‭ ‬بل‭ ‬تبنّي‭ ‬عقيدة‭ ‬تتجاوز‭ ‬الدفاع،‭ ‬وتجعلها‭ ‬جاهزةً‭ ‬للهجوم‭ ‬فالانتصار،‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬تعرّضت‭ ‬لخطر‭ ‬وجودي‭.‬

وفي‭ ‬ربط‭ ‬الراهن‭ ‬السياسي‭ ‬بالإنشاء‭ ‬الشعري‭ ‬لأبي‭ ‬سُلمى،‭ ‬يمكن‭ ‬تفهّم‭ ‬قوله‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬قصيدته‭ ‬الشهيرة‭: ‬‮«‬ومن‭ ‬لا‭ ‬يظلم‭ ‬الناس‭ ‬يُظلم‮»‬،‭ ‬أمّا‭ ‬لماذا؟‭ ‬فلأنه‭ ‬خَبِر‭ ‬الحرب‭: ‬‮«‬فما‭ ‬الحربُ‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬علمتم‭ ‬وذقتم‮»‬،‭ ‬وعرف‭ ‬طبيعتها‭ ‬القائمة‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الغلبة‭ ‬وحسب،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬الإفناء‭ ‬أيضاً،‭ ‬والحال‭ ‬هذه‭ ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تنتصر‭ ‬لتنجو‭.‬

هل‭ ‬هي‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران؟‭ ‬لا‭ ‬بالطبع،‭ ‬قولاً‭ ‬واحداً،‭ ‬فهذا‭ ‬هدفٌ‭ ‬عزيزٌ‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬وإيران‭ ‬معاً،‭ ‬أي‭ ‬تحويل‭ ‬الحرب‭ ‬الحالية‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬إقليمية‭ ‬بين‭ ‬طهران‭ ‬ودول‭ ‬الخليج،‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬الأطراف‭ ‬المتحاربة‭ ‬الآن‭ ‬الفرصة‭ ‬لتحويل‭ ‬الحرب‭ ‬بينهم‭ ‬إلى‭ ‬معارك‭ ‬صغيرة‭ ‬بين‭ ‬الجيران‭. ‬بل‭ ‬هي‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬دفع‭ ‬إيران‭ ‬أو‭ ‬سواها‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬ألف‭ ‬مرّة‭ ‬قبل‭ ‬المغامرة‭ ‬بالهجوم‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬وهي‭ ‬مطمئنة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ردّها‭ ‬سيظلّ‭ ‬دفاعياً‭.‬

ليست‭ ‬جريمة‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬ثرية،‭ ‬فهناك‭ ‬دول‭ ‬عديدة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬تحوز‭ ‬ثروات‭ ‬نفطية‭ ‬وطبيعية‭ ‬ضخمة‭. ‬فثروات‭ ‬ليبيا‭ ‬والعراق،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬تؤهّلهما‭ ‬لتكونا‭ ‬من‭ ‬أثرى‭ ‬دول‭ ‬المنطقة،‭ ‬لكنّها‭ ‬ثروات‭ ‬أُهدرت‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬مؤسف،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تفعله‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬التي‭ ‬أنتجت‭ ‬نموذجها‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬فائض‭ ‬الثروة،‭ ‬ثم‭ ‬هذّبته‭. ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬أنها‭ ‬مثالية،‭ ‬فثمّة‭ ‬مشكلات‭ ‬مازالت‭ ‬لديها،‭ ‬لكنّها‭ ‬رغم‭ ‬ذلك‭ ‬تظلّ‭ ‬من‭ ‬النماذج‭ ‬النادرة‭ ‬والناجحة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

ولا‭ ‬تقتضي‭ ‬العقيدة‭ ‬الهجومية،‭ ‬بالمناسبة،‭ ‬التقوقع‭ ‬والانغلاق‭ ‬والمبالغة‭ ‬في‭ ‬تطبيق‭ ‬القوانين‭ ‬الداخلية،‭ ‬فهذه‭ ‬ميكانزمات‭ ‬دفاعية‭ ‬مبدئية،‭ ‬تؤكّد‭ ‬أنك‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬دفاعٍ‭ ‬عن‭ ‬النفس،‭ ‬بل‭ ‬تقتضي‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬الدفاع‭ ‬الإيجابي،‭ ‬بتحديث‭ ‬المجتمع‭ ‬والإصرار‭ ‬على‭ ‬تعدّديته‭ ‬بما‭ ‬يستجيب‭ ‬لحداثة‭ ‬الدولة‭ ‬ويواكبها،‭ ‬وبما‭ ‬يعزّز‭ ‬هُويّة‭ ‬هذه‭ ‬المجتمعات،‭ ‬ويغنيها‭.‬

 

{ كاتب‭ ‬وروائي‭ ‬أردني‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا