مرّت المحكمة الجنائية الدولية منذ 16 مايو 2025 بواحدة من أدق الأزمات، مع انتقال الادعاءات المتعلقة بسوء السلوك المنسوبة للمدعي العام كريم خان إلى مسار تحقيق رسمي، إثر إعلانه تعليق مهامه مؤقتا ريثما تصدر نتائج التحقيق الأممي. ولم تكن تلك القضية مجرد مسألة شخصية، بل تحولت سريعا إلى امتحان جوهري لقدرة المؤسسة على الحفاظ على توازنها الداخلي، في لحظة تتزاحم فيها أكثر القضايا الدولية تعقيدا، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
في مستهل الإجراءات، أُحيلت المزاعم إلى تحقيق أممي عبر مكتب خدمات الرقابة الداخلية في الأمم المتحدة، المختص بالتحقيقات الإدارية، حيث باشر جمع الوقائع والإفادات الأولية. وبالتوازي، خضع الملف للمتابعة داخل المحكمة عبر جمعية الدول الأطراف بصفتها الجهة الرقابية الأعلى، لضمان الشفافية ومواصلة الإشراف المؤسسي على تطورات القضية بصورة منهجية ومسؤولة، وبما يعزز ثقة المجتمع الدولي بعمل المحكمة.
في سياق العدالة الدولية، لا يُقاس وزن الاتهامات بحجمها الإعلامي، بل بقدرتها على الصمود أمام معايير الإثبات الصارمة. فالمحكمة الجنائية الدولية تعتمد معايير أعلى من تلك المعمول بها في عديد من الأنظمة الوطنية، نظرا لخطورة الجرائم التي تنظر فيها وطبيعة المسؤولين المستهدفين. ومن هنا، فإن سقوط الاتهامات لعدم كفاية الأدلة لا يُعد مجرد نتيجة إجرائية، بل تأكيد أن المحكمة، رغم الضغوط، لا تزال متمسكة بمنهجها القانوني، وهو أمر يكتسب أهمية خاصة في زمن تُستخدم فيه الاتهامات أحيانا كأدوات سياسية.
لاحقا، أُحيلت نتائج التحقيق إلى لجنة قانونية مستقلة مؤلفة من ثلاثة قضاة، كلّفت بمراجعة تقرير التحقيق وتقييمه من حيث المنهجية وقابلية الأدلة للإثبات. وقد خلصت هذه اللجنة إلى وجود إشكاليات جوهرية، معتبرة أن جزءا من الأدلة سماعي، وأن بعض الإفادات تشوبها تناقضات، فضلا عن انتقادات لطريقة جمع الأدلة وتحليلها. هذه الخلاصات لم تصل إلى حد إعلان تبرئة نهائية، لكنها أضعفت بشكل واضح الأساس القانوني الذي يمكن البناء عليه لإدانة المدعي العام.
في المنطق القانوني، يشكّل ضعف الأدلة نقطة تحول حاسمة، إذ لا يقتصر أثره على منع الإدانة، بل يمتد إلى إعادة الاعتبار الوظيفي للشخص المعني. وفي حالة كريم خان، فإن هذا التطور قد أعاد تثبيت موقعه داخل المؤسسة، ومنحه هامشا أوسع للتحرك، خصوصا بعد أن تجاوز مرحلة الشك التي كانت تقيّد أداءه وتضعف قدرته على المبادرة.
تكشف هذه القضية عن إشكالية أعمق تتعلق بموقع الادعاء داخل النظام الدولي. فمدعي المحكمة الجنائية الدولية لا يعمل في فراغ قانوني، بل في بيئة سياسية معقّدة تتقاطع فيها مصالح الدول الكبرى. ومع ذلك، فإن قدرة مكتب الادعاء على الاستمرار في عمله، رغم الضغوط والعقوبات، تشير إلى أن فكرة الاستقلال القضائي الدولي، وإن كانت نسبية، لا تزال قائمة وقابلة للتعزيز. وهذا يفتح الباب أمام إعادة تقييم دور المحكمة ليس كمجرد أداة قانونية، بل كفاعل ضمن توازنات القوة العالمية.
وتتضاعف أهمية هذا التحول عند ربطه بطبيعة الملفات التي يشرف عليها المدعي العام، وفي مقدمتها التحقيقات المتعلقة بالوضع في فلسطين. فقد شهدت المحكمة الجنائية الدولية، بقيادة كريم خان، تطورا نوعيا مع إصدار مذكرات توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف جالانت، في خطوة غير مسبوقة على هذا المستوى.
ولم يقتصر المسار عند هذا الحد، بل كان من المتوقع أن تتوسّع دائرة المساءلة لتشمل مزيدا من المسؤولين، ليس فقط على خلفية ما يجري في قطاع غزة، بل أيضا في سياق الانتهاكات المرتبطة بالضفة الغربية، بما في ذلك سياسات الاستيطان، واتجاهات الضم، إضافة إلى ملف الأسرى بما فيه من سوء الاحتجاز والمعاملة (التعذيب حتى الموت).
من الملفات التي يُتوقع أن تأخذ زخما أكبر في المرحلة المقبلة، ملف الأسرى، والذي يشكّل أحد أكثر الجوانب حساسية في النزاع. فالتقارير الحقوقية المتواترة حول ظروف الاحتجاز، والمعاملة القاسية، وحالات الوفاة داخل مراكز التوقيف، تفتح المجال أمام توصيفات قانونية قد ترقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية. وفي حال تحرّك الادعاء في هذا الاتجاه، فإن ذلك سيشكّل تحوّلا نوعيا، لأنه ينقل المساءلة من مستوى العمليات العسكرية إلى بنية السياسات الاحتجازية نفسها.
على خلاف الجرائم المرتبطة بالحروب والتي قد تكون محددة زمنيا، فإن الاستيطان يمثل جريمة مستمرة في القانون الدولي، وهو ما يمنح المحكمة مساحة زمنية أوسع للتحقيق والمساءلة. فسياسات نقل السكان، وتغيير الطابع الديمغرافي للأراضي المحتلة، تمثل انتهاكا واضحا لنصوص القانون الدولي الإنساني، وخاصة اتفاقية جنيف الرابعة. ومع تحسّن موقع المدعي العام، قد نشهد عودة قوية لهذا الملف، ليس فقط كقضية سياسية، بل كجريمة قانونية قائمة بذاتها تستوجب الملاحقة.
وفي هذا السياق، يكتسب تراجع وزن الاتهامات ضد كريم خان بعدا يتجاوز شخصه، ليصبح عاملا مؤثرا في مسار العدالة الدولية برمّته. فتعزيز موقع المدعي العام يعني عمليا تقوية قدرة المحكمة على المضي قدما في الملفات الحساسة، وتقليل تأثير الضغوط السياسية التي غالبا ما تعيق عملها.
لطالما وُجّهت انتقادات إلى المحكمة الجنائية الدولية بأنها تمارس نوعا من الانتقائية في ملاحقة الجرائم، وأنها تركّز على دول دون أخرى، غير أن التطورات الأخيرة قد تشكّل فرصة لتجاوز هذا الاتهام، إذا ما استُثمرت في الدفع نحو ملفات أكثر حساسية، وعلى رأسها فلسطين. فالمعيار الحقيقي لقياس جدية المحكمة ليس في فتح الملفات، بل في القدرة على الاستمرار فيها رغم الكلفة السياسية.
لقد أظهرت الأزمة قدرة المحكمة على إدارة تحدياتها الداخلية دون انهيار مؤسسي، وهو ما يعزز مصداقيتها كجهاز قادر على معالجة أزماته الذاتية وفق معايير واضحة، لا مجرد محاسبة الآخرين فحسب.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن قضية كريم خان تمثل نقطة تحول مزدوجة: فهي من جهة كشفت هشاشة البيئة التي تعمل فيها العدالة الدولية، ومن جهة أخرى أظهرت قدرتها على استعادة التوازن. وإذا ما أُغلق الملف رسميا دون إدانة، فإن ذلك قد يمهّد لمرحلة أكثر حسما، يتقدم فيها الادعاء بثقة أكبر نحو القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها مساءلة قادة الاحتلال الإسرائيلي.
{ خبير في القانون الدولي الإنساني.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك