العدد : ١٧٥٣٥ - الجمعة ٢٧ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٣٥ - الجمعة ٢٧ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

الحرب وأزمة الطاقة وإعادة تشكيل ميزان القوى في آسيا

بقلم: ابتهال أحمد

الجمعة ٢٧ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

لا‭ ‬تقتصر‭ ‬تداعيات‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬–‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬أو‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأوروبية‭ ‬المتضررة‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬واضطراب‭ ‬إمدادات‭ ‬الغاز،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬إلى‭ ‬آسيا،‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬ضغوطًا‭ ‬متزايدة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الطاقة‭. ‬ومع‭ ‬تطور‭ ‬الأزمة،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تظل‭ ‬هذه‭ ‬التداعيات‭ ‬اقتصادية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تتسع‭ ‬لتشمل‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬التحالفات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬وربما‭ ‬إحداث‭ ‬تحولات‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬ميزان‭ ‬القوى‭ ‬داخل‭ ‬القارة‭.‬

فبداية،‭ ‬يمكن‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬اعتماد‭ ‬القارة‭ ‬الآسيوية‭ ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬نفط‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط؛‭ ‬إذ‭ ‬تستورد‭ ‬نحو‭ ‬60%‭ ‬من‭ ‬احتياجاتها‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬من‭ ‬المنطقة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬اضطراب‭ ‬فيها‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬اقتصاداتها‭. ‬ولن‭ ‬يعنى‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬أو‭ ‬احتواء‭ ‬الأزمة‭ ‬الإيرانية‭ ‬أن‭ ‬تداعياتها‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬ستتلاشى‭ ‬فورًا،‭ ‬وخاصة‭ ‬أن‭ ‬عودة‭ ‬الإمدادات‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الأزمة‭ ‬تظل‭ ‬عملية‭ ‬تدريجية‭ ‬وليست‭ ‬لحظية‭. ‬ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬النفط،‭ ‬فآسيا‭ ‬تُعد‭ ‬الوجهة‭ ‬الرئيسة‭ ‬لنحو‭ ‬90‭% ‬من‭ ‬صادرات‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬العابرة‭ ‬لمضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬أو‭ ‬بصيغة‭ ‬أخرى،‭ ‬يمر‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬ربع‭ ‬واردات‭ ‬القارة‭ ‬الآسيوية‭ ‬من‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬من‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭.‬

ومن‭ ‬ثم،‭ ‬تواجه‭ ‬معظم‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الآسيوية‭ ‬خطر‭ ‬أزمة‭ ‬طاقة‭ ‬حادة،‭ ‬إذ‭ ‬قد‭ ‬تنفد‭ ‬المخزونات‭ ‬لدى‭ ‬عدد‭ ‬منها‭ ‬خلال‭ ‬أسابيع‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب‭. ‬ولهذا،‭ ‬سارعت‭ ‬الدول‭ ‬الآسيوية‭ ‬إلى‭ ‬اتخاذ‭ ‬إجراءات‭ ‬عاجلة‭ ‬لاحتواء‭ ‬تداعيات‭ ‬الأزمة‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭.‬

فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬أعلنت‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬فرض‭ ‬سقف‭ ‬لأسعار‭ ‬الوقود،‭ ‬فى‭ ‬خطوة‭ ‬تُعد‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬نوعها‭ ‬منذ‭ ‬نحو‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود‭. ‬وفى‭ ‬الفلبين‭ ‬جرى‭ ‬تقليص‭ ‬أسبوع‭ ‬العمل‭ ‬الحكومي‭ ‬إلى‭ ‬أربعة‭ ‬أيام،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬توجيه‭ ‬الوكالات‭ ‬بخفض‭ ‬استهلاك‭ ‬الطاقة‭ ‬بنسبة‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬10‭ ‬و20‭%. ‬كما‭ ‬حثّت‭ ‬فيتنام‭ ‬أصحاب‭ ‬الأعمال‭ ‬على‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬عن‭ ‬بُعد‭ ‬لتقليل‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الوقود‭. ‬وقامت‭ ‬دول‭ ‬آسيوية‭ ‬أخرى‭ ‬بإغلاق‭ ‬المدارس،‭ ‬ودعوة‭ ‬مواطنيها‭ ‬إلى‭ ‬ترشيد‭ ‬استهلاك‭ ‬الطاقة،‭ ‬تحسبا‭ ‬لارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬الذي‭ ‬سيؤدى‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬تقريبا،‭ ‬من‭ ‬الغذاء‭ ‬إلى‭ ‬النقل‭ ‬والكهرباء‭.‬

ولا‭ ‬تتوقف‭ ‬تداعيات‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة،‭ ‬بل‭ ‬تشمل‭ ‬قطاعات‭ ‬حيوية‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬آسيا،‭ ‬وفى‭ ‬مقدمتها‭ ‬سوق‭ ‬الأسمدة،‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تشهد‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬حادًا‭ ‬في‭ ‬تكاليف‭ ‬إنتاجها،‭ ‬نظرا‭ ‬لأن‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬ومضيق‭ ‬هرمز‭ ‬يُعدّان‭ ‬مصدرا‭ ‬رئيسيا‭ ‬لإمدادات‭ ‬الأسمدة‭ ‬عالميًا،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬كون‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬عنصرًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الأسمدة،‭ ‬مثل‭ ‬اليوريا،‭ ‬وهي‭ ‬أكثر‭ ‬أنواع‭ ‬الأسمدة‭ ‬النيتروجينية‭ ‬استخدامًا‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬وبالتالي،‭ ‬ستتسبب‭ ‬الأزمة‭ ‬في‭ ‬مفاقمة‭ ‬أزمة‭ ‬أخرى،‭ ‬وهي‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الغذاء‭.‬

علاوة‭ ‬على‭ ‬هذا،‭ ‬تعطلت‭ ‬بعض‭ ‬الصادرات‭ ‬الآسيوية‭ ‬مع‭ ‬تعطل‭ ‬المرور‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬وتراجع‭ ‬الطلب‭ ‬من‭ ‬أسواق‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬شهدت‭ ‬صادرات‭ ‬المنتجات‭ ‬الزراعية‭ ‬الهندية‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬تراجعًا‭ ‬ملحوظًا،‭ ‬ما‭ ‬اضطر‭ ‬المزارعين‭ ‬إلى‭ ‬بيع‭ ‬إنتاجهم‭ ‬محليًا‭ ‬بأسعار‭ ‬منخفضة،‭ ‬وتوقفت‭ ‬صادرات‭ ‬الأرز‭ ‬التايلاندي‭ ‬إلى‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

وبالتوازي،‭ ‬تمتد‭ ‬الصدمة‭ ‬إلى‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬الصناعية،‭ ‬إذ‭ ‬يُعدّ‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬مركزًا‭ ‬رئيسًا‭ ‬لإنتاج‭ ‬البتروكيماويات‭ ‬والهيليوم،‭ ‬وهما‭ ‬عنصران‭ ‬حيويان‭ ‬لصناعات‭ ‬الإلكترونيات‭ ‬وأشباه‭ ‬الموصلات‭. ‬ومع‭ ‬توقف‭ ‬الإنتاج‭ ‬في‭ ‬منشآت‭ ‬رئيسة‭ ‬مثل‭ ‬رأس‭ ‬لفان‭ ‬في‭ ‬قطر،‭ ‬تتزايد‭ ‬مخاطر‭ ‬نقص‭ ‬الإمدادات‭ ‬وارتفاع‭ ‬الأسعار،‭ ‬بما‭ ‬يهدد‭ ‬صناعات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المتقدمة‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬تايوان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬واليابان،‭ ‬ويضع‭ ‬اقتصادات‭ ‬تعتمد‭ ‬بكثافة‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬الإلكترونيات،‭ ‬مثل‭ ‬الفلبين،‭ ‬أمام‭ ‬ضغوط‭ ‬مزدوجة‭ ‬تتعلق‭ ‬بالطاقة‭ ‬وسلاسل‭ ‬التوريد‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬قد‭ ‬تتمكن‭ ‬دولة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬من‭ ‬تجاوز‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة،‭ ‬ألا‭ ‬وهي‭ ‬الصين‭. ‬فعلى‭ ‬مدار‭ ‬عقدين،‭ ‬عملت‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬احتياطاتها‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬استعدادًا‭ ‬لسيناريوهات‭ ‬اضطراب‭ ‬الإمدادات‭. ‬وأثمرت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الصينية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭ ‬عن‭ ‬بناء‭ ‬احتياطات‭ ‬نفطية‭ ‬تقدر‭ ‬بنحو‭ ‬1‭.‬4‭ ‬مليار‭ ‬برميل‭. ‬

وتشير‭ ‬بعض‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬كانت‭ ‬تستعد‭ ‬لمواجهة‭ ‬سيناريو‭ ‬نشوب‭ ‬الحرب؛‭ ‬حيث‭ ‬زادت‭ ‬وارداتها‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬بنسبة‭ ‬بلغت‭ ‬نحو‭ ‬16‭%‬‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬سنوي‭ ‬خلال‭ ‬شهري‭ ‬يناير‭ ‬وفبراير‭ ‬2026‭. ‬وإلى‭ ‬جانب‭ ‬هذا،‭ ‬عزّزت‭ ‬الصين‭ ‬شراكاتها‭ ‬مع‭ ‬روسيا؛‭ ‬إذ‭ ‬واصلت‭ ‬استيراد‭ ‬الغاز‭ ‬عبر‭ ‬خطوط‭ ‬الأنابيب‭ ‬البرية‭ ‬الروسية،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬نقاط‭ ‬الاختناق‭ ‬البحرية‭.‬

وقد‭ ‬أدركت‭ ‬الصين‭ ‬أن‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬فقط‭ ‬عبر‭ ‬بناء‭ ‬احتياطيات‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬والغاز،‭ ‬بل‭ ‬يتطلب‭ ‬أيضًا‭ ‬تنويع‭ ‬مصادر‭ ‬الإمداد،‭ ‬وفى‭ ‬مقدمتها‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الكهرباء‭. ‬وبالتالي،‭ ‬عملت‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬توليد‭ ‬أكبر‭ ‬قدر‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬الكهرباء‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬محلية؛‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استخدام‭ ‬الفحم‭ ‬والطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬والطاقة‭ ‬النووية‭. ‬وتجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬تستحوذ‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬نصف‭ ‬المفاعلات‭ ‬النووية‭ ‬قيد‭ ‬الإنشاء‭ ‬عالميًا،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬توجهًا‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬الاستقلالية‭ ‬فى‭ ‬مجال‭ ‬الطاقة،‭ ‬وتعزيز‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬الصدمات‭.‬

وبالتالي،‭ ‬أصبحت‭ ‬الكهرباء‭ ‬تمثل‭ ‬نحو‭ ‬30‭% ‬من‭ ‬استهلاك‭ ‬الصين‭ ‬للطاقة،‭ ‬مدعومة‭ ‬بتوسع‭ ‬في‭ ‬كهربة‭ ‬قطاعات‭ ‬رئيسة،‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬قطاع‭ ‬النقل؛‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬السيارات‭ ‬المباعة‭ ‬كهربائية‭. ‬ووفقًا‭ ‬لبعض‭ ‬التقديرات،‭ ‬فإن‭ ‬الصين‭ ‬تجنبت‭ ‬نموًا‭ ‬في‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬بمقدار‭ ‬1‭.‬2‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬يوميًا‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2019‭.‬

وجدير‭ ‬بالذكر‭ ‬أن‭ ‬روسيا‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬الرابحين‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬على‭ ‬إيران؛‭ ‬إذ‭ ‬تستفيد‭ ‬روسيا‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط،‭ ‬ومن‭ ‬قيام‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬برفع‭ ‬العقوبات‭ ‬بشكل‭ ‬مؤقت‭ ‬من‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬الروسي‭. ‬وتحمل‭ ‬هذه‭ ‬الديناميكية‭ ‬تداعيات‭ ‬تتجاوز‭ ‬سوق‭ ‬الطاقة،‭ ‬إذ‭ ‬تُسهم‭ ‬العائدات‭ ‬النفطية‭ ‬المرتفعة‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬قدرة‭ ‬روسيا‭ ‬على‭ ‬تمويل‭ ‬حربها‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬إيرادات‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬قد‭ ‬سجلت‭ ‬أدنى‭ ‬مستوياتها‭ ‬في‭ ‬سنوات‭.‬

على‭ ‬هذا‭ ‬النحو،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬تداعيات‭ ‬الأزمة‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬حسابات‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬آسيا،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬لتدفع‭ ‬بعض‭ ‬دولها‭ ‬نحو‭ ‬الاقتراب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الصين،‭ ‬باعتبارها‭ ‬شريكًا‭ ‬موثوقًا،‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬إمدادات‭ ‬أكثر‭ ‬استقرارًا‭ ‬أو‭ ‬بدائل‭ ‬أقل‭ ‬عرضة‭ ‬للاضطراب‭.‬

فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬قد‭ ‬تدفع‭ ‬الأزمة‭ ‬الدول‭ ‬الآسيوية‭ ‬إلى‭ ‬تسريع‭ ‬التحول‭ ‬نحو‭ ‬الكهرباء‭ ‬وتقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الوقود،‭ ‬وقد‭ ‬يُفضى‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬إلى‭ ‬تعميق‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الصين،‭ ‬نظرًا‭ ‬لهيمنتها‭ ‬على‭ ‬سلاسل‭ ‬توريد‭ ‬تقنيات‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة،‭ ‬من‭ ‬الألواح‭ ‬الشمسية‭ ‬وتوربينات‭ ‬الرياح‭ ‬إلى‭ ‬مكونات‭ ‬تخزين‭ ‬الطاقة‭ ‬وشبكات‭ ‬الكهرباء‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬التي‭ ‬أثارتها‭ ‬واشنطن‭ ‬دون‭ ‬تنسيق‭ ‬مع‭ ‬الحلفاء‭ ‬ترسخ‭ ‬الانطباع‭ ‬بأن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬باتت‭ ‬تشكل‭ ‬مصدرًا‭ ‬رئيسًا‭ ‬للأزمات،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تحرص‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬نفسها‭ ‬كشريك‭ ‬اقتصادي‭ ‬موثوق‭ ‬وأكثر‭ ‬استقرارًا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬شركاء‭ ‬واشنطن‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬حساباتهم‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬وتعزيز‭ ‬انخراطهم‭ ‬مع‭ ‬بكين‭. ‬وإلى‭ ‬جانب‭ ‬هذا،‭ ‬فإن‭ ‬قيام‭ ‬واشنطن‭ ‬بإعادة‭ ‬توجيه‭ ‬أصول‭ ‬دفاعية‭ ‬من‭ ‬آسيا‭ ‬إلى‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬منظومات‭ ‬حيوية‭ ‬مثل‭ ‬الصواريخ‭ ‬الدفاعية‭ ‬‮«‬ثاد‮»‬،‭ ‬وتصاعد‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬تأخر‭ ‬تسليم‭ ‬الأسلحة‭ ‬والذخائر‭ ‬لحلفاء‭ ‬آسيويين‭ ‬كاليابان‭ ‬وتايوان،‭ ‬قد‭ ‬يترجم‭ ‬إلى‭ ‬مكاسب‭ ‬صينية‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬سياسي‭ ‬واستراتيجي‭.‬

وفي‭ ‬سياق‭ ‬متصل،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬أشارت‭ ‬إليه‭ ‬بعض‭ ‬التقارير‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬محادثات‭ ‬بين‭ ‬الصين‭ ‬وإيران‭ ‬لترتيب‭ ‬مرور‭ ‬آمن‭ ‬للسفن‭ ‬الصينية‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬إن‭ ‬تحقق،‭ ‬قد‭ ‬يمنح‭ ‬الدول‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬بكين‭ ‬ميزة‭ ‬نسبية‭ ‬في‭ ‬تأمين‭ ‬إمدادات‭ ‬الطاقة‭ ‬مقارنة‭ ‬بغيرها،‭ ‬وسيعنى‭ ‬أن‭ ‬التحالف‭ ‬مع‭ ‬الصين‭ ‬له‭ ‬مزايا‭ ‬عملية‭ ‬وأكثر‭ ‬جدوى‭ ‬من‭ ‬التحالف‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬

وعلى‭ ‬هذا‭ ‬النحو،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬تداعيات‭ ‬حرب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬ستطال‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬والتحالفات‭ ‬في‭ ‬آسيا؛‭ ‬إذ‭ ‬قد‭ ‬تجد‭ ‬الدول‭ ‬الآسيوية‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬واقع‭ ‬جديد‭ ‬يعزز‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬الصين‭ ‬كلاعب‭ ‬مركزي‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬الطاقة‭ ‬الإقليمي‭. ‬وبالتالي،‭ ‬قد‭ ‬تسهم‭ ‬الأزمة‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬النفوذ‭ ‬والاعتماد‭ ‬في‭ ‬القارة‭ ‬الآسيوية‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭.‬

 

{‭ ‬باحثة‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الدولية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا