العدد : ١٧٥٣٥ - الجمعة ٢٧ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٣٥ - الجمعة ٢٧ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

مسؤولية النظام الإيراني عن الاعتداءات غير المشروعة دوليا

بقلم: د. بدر محمد عادل

الجمعة ٢٧ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬أثناء‭ ‬العدوان‭ ‬الإيراني‭ ‬الغاشم‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬والدول‭ ‬العربية‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬المساس‭ ‬بسيادتها‭ ‬وسلامة‭ ‬أراضيها‭ ‬وتقويض‭ ‬استقرارها‭ ‬ووحدة‭ ‬شعوبها،‭ ‬تجد‭ ‬أحد‭ ‬مسؤولي‭ ‬العدوان‭ ‬الإيراني‭ ‬يقول‭ ‬إنهم‭ ‬مستعدون‭ ‬لوقف‭ ‬اعتداءاته‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬وفقا‭ ‬لشروط‭ ‬وضمانات‭ ‬محددة‭ ‬والتي‭ ‬تضمنت‭ ‬الالتزام‭ ‬بدفع‭ ‬تعويضات‭ ‬وبعدم‭ ‬تكرار‭ ‬الهجوم‭ ‬مستقبلا‭.‬

وهذا‭ ‬أمر‭ ‬يستدعي‭ ‬المثل‭ ‬العربي‭ ‬المأثور‭ -‬شر‭ ‬البلية‭ ‬ما‭ ‬يضحك‭- ‬الذي‭ ‬يقال‭ ‬عند‭ ‬وقع‭ ‬مصيبة‭ ‬أو‭ ‬مأساة‭ ‬شديدة‭ ‬غريبة‭ ‬أو‭ ‬مضحكة‭ ‬لدرجة‭ ‬تدفع‭ ‬الإنسان‭ ‬للسخرية‭ ‬والضحك‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الحزن‭ ‬والبكاء‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬العجز‭ ‬أما‭ ‬غرابة‭ ‬الموقف‭ ‬باعتبارها‭ ‬مفارقة‭ ‬غريبة‭ ‬وعجيبة‭ ‬تثير‭ ‬السخرية‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬عصيبة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬فيها‭ ‬هذه‭ ‬الحكومة‭ ‬الإيرانية‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬المسؤولية‭ ‬والحدث،‭ ‬ولا‭ ‬يسعنا‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬العدو‭ ‬الغاشم‭ ‬بدأ‭ ‬يهذي‭ ‬فخروج‭ ‬هذا‭ ‬المسؤول‭ ‬وصراخه‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬قدر‭ ‬الألم‭ ‬الذي‭ ‬ألم‭ ‬بدولتهم‭ ‬المتخبطة‭.‬

فهذه‭ ‬الحالة‭ ‬التي‭ ‬أصابت‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬وكثرة‭ ‬الضربات‭ ‬ليلاً‭ ‬ونهاراً‭ ‬جعلت‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬يمثله‭ ‬لا‭ ‬يدركون‭ ‬أبعاد‭ ‬ما‭ ‬يقولونه‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لتضليل‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬والالتفاف‭ ‬حول‭ ‬أعماله‭ ‬العدائية‭ ‬التي‭ ‬استهدفت‭ ‬المدنيين‭ ‬والمنشآت‭ ‬المدنية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬والدول‭ ‬العربية‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬يستدعي‭ ‬تأكيد‭ ‬مسؤولية‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬غير‭ ‬المشروعة‭ ‬دولياً‭ ‬لمخالفتها‭ ‬لأحكام‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الآمرة‭ ‬ومنها‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬الدولية‭ ‬والعرف‭ ‬الدولي‭ ‬والمبادي‭ ‬العامة‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭ ‬التي‭ ‬رسخها‭ ‬القضاء‭ ‬الدولي،‭ ‬فالاعتداءات‭ ‬الإيرانية‭ ‬الغاشمة‭ ‬وما‭ ‬سببته‭ ‬من‭ ‬انتهاك‭ ‬لسيادة‭ ‬الدول‭ ‬والمساس‭ ‬بأمنها‭ ‬وتقويض‭ ‬استقرارها‭ ‬تتوافر‭ ‬فيها‭ ‬عناصر‭ ‬المسؤولية‭ ‬الدولية‭ ‬عن‭ ‬الأعمال‭ ‬غير‭ ‬المشروعة‭ ‬دوليا‭ ‬بأنواعها‭ ‬كمسؤوليتها‭ ‬الجنائية‭ ‬أو‭ ‬المسؤولية‭ ‬المدنية‭ ‬بنوعيها‭ ‬العقدية‭ ‬أو‭ ‬التقصيرية‭ ‬وسواء‭ ‬كانت‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭.‬

إن‭ ‬النظام‭ ‬القانوني‭ ‬الدولي‭ ‬وضع‭ ‬من‭ ‬القواعد‭ ‬ما‭ ‬يحمل‭ ‬قيام‭ ‬أحد‭ ‬أشخاص‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬والتي‭ ‬تعتبر‭ ‬الدولة‭ ‬أحد‭ ‬أشخاصها‭  ‬المسؤولية‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬فعل‭ ‬أو‭ ‬امتناع‭ ‬عن‭ ‬عمل‭ ‬مخالف‭ ‬للالتزامات‭ ‬المقررة‭ ‬وفقاً‭ ‬لأحكام‭ ‬القانون‭ ‬وأساس‭ ‬هذه‭ ‬المسؤولية‭ ‬قد‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬الخطأ‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬العمل‭ ‬غير‭ ‬المشروع‭ ‬دولياً‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬المخاطر‭ ‬وتحمل‭ ‬التبعية‭ ‬باعتبارها‭ ‬أسسا‭ ‬أقرها‭ ‬أحكام‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬وفقه‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬والسوابق‭ ‬القضائية‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تؤسس‭ ‬عليه‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬للاعتداءات‭ ‬الإيرانية‭ ‬الغاشمة‭ ‬مواقفها‭ ‬وفق‭ ‬شروط‭ ‬المسؤولية‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬تقتضي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬العمل‭ ‬غير‭ ‬المشروع‭ ‬دولياً‭ ‬انتهاكاً‭ ‬لأحكام‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬وهذا‭ ‬شرط‭ ‬عام‭ ‬موضوعي‭ ‬دون‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الوصف‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬الداخلي‭ ‬للحكومة‭ ‬الإيرانية‭ ‬المعتدية،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬العمل‭ ‬غير‭ ‬المشروع‭  ‬والمتمثل‭ ‬في‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الغاشمة‭ ‬نتج‭ ‬عنها‭ ‬ضرر‭ ‬ومساس‭ ‬بحق‭ ‬أو‭ ‬مصلحة‭ ‬لأحد‭ ‬أشخاص‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬ضررا‭ ‬ماديا‭ ‬أو‭ ‬معنويا‭ ‬والضرر‭ ‬المادي‭ ‬متوفر‭ ‬في‭ ‬المساس‭ ‬بالممتلكات‭ ‬العامة‭ ‬والخاصة‭ ‬وأرواح‭ ‬المواطنين‭ ‬ورعايا‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭.‬

إن‭ ‬الضرر‭ ‬المعنوي‭ ‬بالمساس‭ ‬بكرامة‭ ‬وسيادة‭ ‬الدول‭ ‬المعتدى‭ ‬عليها‭ ‬واستقلالها،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬العمل‭ ‬غير‭ ‬المشروع‭ ‬كافيا‭ ‬وحده‭ ‬لتقرير‭ ‬المسؤولية‭ ‬الدولية‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬المسؤولية‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬نتيجة‭ ‬لهذا‭ ‬الفعل،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬أسناد‭ ‬الفعل‭ ‬غير‭ ‬المشروع‭ ‬إلي‭ ‬فاعله‭ ‬وهي‭ ‬الحكومة‭ ‬الإيرانية‭ ‬المعتدية،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬أوصت‭ ‬به‭ ‬المادة‭ ‬الرابعة‭ ‬من‭ ‬مشروع‭ ‬مسودة‭ ‬مواد‭ ‬الأفعال‭ ‬غير‭ ‬المشروعة‭ ‬دولياً‭ ‬الذي‭ ‬أعدته‭ ‬اللجنة‭ ‬الدولية‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭ ‬سنة‭ ‬2001‭ ‬وأقرته‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬بالأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬بالقرار‭ ‬رقم‭ ‬83‭/‬56‭ ‬بقولها‭  ‬إن‭ ‬كل‭ ‬تصرف‭ ‬لجهاز‭ ‬من‭ ‬أجهزة‭ ‬الدولة‭ ‬يعد‭ ‬تصرفا‭ ‬صادرا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الدولة‭ ‬وسواء‭ ‬كان‭ ‬التصرف‭ ‬صادرا‭ ‬من‭ ‬أجهزة‭ ‬الحكومة‭ ‬المركزية‭ ‬أو‭ ‬وحداتها‭ ‬الإقليمية‭.‬

بذلك‭ ‬فإن‭ ‬المبدأ‭ ‬الأساسي‭ ‬بشأن‭ ‬مسؤولية‭ ‬الدولة‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬فعل‭ ‬غير‭ ‬مشروع‭ ‬دولياً‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬دولة‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬يستتبع‭ ‬مسؤوليتها‭ ‬الدولية‭ ‬ينسب‭ ‬للدولة‭ ‬أو‭ ‬الدول‭ ‬المعتدى‭ ‬عليها‭ ‬ولا‭ ‬يتماشى‭ ‬مع‭ ‬التزاماتها‭ ‬الدولية‭ ‬ولا‭ ‬يتطلب‭ ‬هذا‭ ‬الالتزام‭ ‬أي‭ ‬تقصير‭ ‬أو‭ ‬سوء‭ ‬نية‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الحكومة‭ ‬الإيرانية‭ ‬المعتدية‭ ‬كسبب‭ ‬لإثبات‭ ‬الفعل‭ ‬غير‭ ‬المشروع،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬عنصر‭ ‬التقصير‭ ‬وسوء‭ ‬النية‭ ‬لا‭ ‬محل‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬المتعلقة‭ ‬بمسؤولية‭ ‬الدولة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬عبرت‭ ‬عنه‭ ‬مواد‭ ‬قرار‭ ‬الأفعال‭ ‬غير‭ ‬المشروعة‭ ‬دولياً‭ ‬الذي‭ ‬أعدته‭ ‬اللجنة‭ ‬الدولية‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭ ‬بشكل‭ ‬صريح‭.‬

فقد‭ ‬أكدت‭ ‬أن‭ ‬نشوء‭ ‬المسؤولية‭ ‬الدولية‭ ‬لا‭ ‬يستدعي‭ ‬بالضرورة‭ ‬عنصر‭ ‬التقصير‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬حالات‭ ‬العدوان،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يتطلب‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬المعتدى‭ ‬عليها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬حصلت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬والمملكة‭ ‬الأردنية‭ ‬الهاشمية‭ ‬على‭ ‬إدانة‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قرار‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬رقم‭ ‬2817‭ ‬والذي‭ ‬شاركت‭ ‬في‭ ‬التصويت‭ ‬عليه‭ ‬136‭ ‬دولة‭ ‬عضو‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬والذي‭ ‬تضمن‭ ‬مطالبة‭  ‬الحكومة‭ ‬الإيرانية‭ ‬المعتدية‭ ‬بالوقف‭ ‬الفوري‭ ‬وغير‭ ‬المشروط‭ ‬لأية‭ ‬استفزازات‭ ‬أو‭ ‬تهديدات‭ ‬موجهة‭ ‬لدول‭ ‬الجوار‭ ‬وأن‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬لن‭ ‬يتسامح‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الاعتداءات‭ ‬على‭ ‬سيادة‭ ‬الدول‭ ‬أو‭ ‬استهداف‭ ‬المدنيين‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬الحيوية،‭ ‬مما‭ ‬يتعين‭ ‬أن‭ ‬على‭ ‬دولنا‭ ‬أن‭ ‬توثق‭ ‬هذه‭ ‬الاعتداءات‭  ‬تمهيداً‭ ‬لمسارات‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬الوسائل‭ ‬القانونية‭ ‬كمحكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية‭ ‬لجبر‭ ‬الضرر‭ ‬والتعويض‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬عينياً‭ ‬أو‭ ‬مادياً‭ ‬أو‭ ‬الترضية‭ ‬كالاعتذار‭ ‬والاعتراف‭ ‬بعدم‭ ‬مشروعية‭ ‬الفعل‭ ‬الضار‭ ‬والتعهد‭ ‬بعدم‭ ‬تكراره‭ ‬وملاحقة‭ ‬المتسببين‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬غير‭ ‬المشروع‭.‬

 

{‭ ‬أستاذ‭ ‬القانون‭ ‬العام

المشارك‭ ‬بجامعة‭ ‬البحرين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا