في أثناء العدوان الإيراني الغاشم على دول الخليج والدول العربية الذي أدى إلى المساس بسيادتها وسلامة أراضيها وتقويض استقرارها ووحدة شعوبها، تجد أحد مسؤولي العدوان الإيراني يقول إنهم مستعدون لوقف اعتداءاته على دول المنطقة وفقا لشروط وضمانات محددة والتي تضمنت الالتزام بدفع تعويضات وبعدم تكرار الهجوم مستقبلا.
وهذا أمر يستدعي المثل العربي المأثور -شر البلية ما يضحك- الذي يقال عند وقع مصيبة أو مأساة شديدة غريبة أو مضحكة لدرجة تدفع الإنسان للسخرية والضحك بدلاً من الحزن والبكاء تعبيراً عن العجز أما غرابة الموقف باعتبارها مفارقة غريبة وعجيبة تثير السخرية في ظروف عصيبة يجب أن تكون فيها هذه الحكومة الإيرانية على قدر المسؤولية والحدث، ولا يسعنا إلا أن نقول إن العدو الغاشم بدأ يهذي فخروج هذا المسؤول وصراخه يعبر عن قدر الألم الذي ألم بدولتهم المتخبطة.
فهذه الحالة التي أصابت النظام الإيراني وكثرة الضربات ليلاً ونهاراً جعلت بعض من يمثله لا يدركون أبعاد ما يقولونه في محاولة لتضليل المجتمع الدولي والالتفاف حول أعماله العدائية التي استهدفت المدنيين والمنشآت المدنية والاقتصادية في دول الخليج العربي والدول العربية.
وهذا ما يستدعي تأكيد مسؤولية النظام الإيراني عن هذه الأعمال غير المشروعة دولياً لمخالفتها لأحكام القانون الدولي الآمرة ومنها الاتفاقيات الدولية والعرف الدولي والمبادي العامة للقانون الدولي التي رسخها القضاء الدولي، فالاعتداءات الإيرانية الغاشمة وما سببته من انتهاك لسيادة الدول والمساس بأمنها وتقويض استقرارها تتوافر فيها عناصر المسؤولية الدولية عن الأعمال غير المشروعة دوليا بأنواعها كمسؤوليتها الجنائية أو المسؤولية المدنية بنوعيها العقدية أو التقصيرية وسواء كانت بشكل مباشر أو غير مباشر.
إن النظام القانوني الدولي وضع من القواعد ما يحمل قيام أحد أشخاص القانون الدولي والتي تعتبر الدولة أحد أشخاصها المسؤولية عن أي فعل أو امتناع عن عمل مخالف للالتزامات المقررة وفقاً لأحكام القانون وأساس هذه المسؤولية قد تقوم على أساس الخطأ أو على أساس العمل غير المشروع دولياً أو على أساس المخاطر وتحمل التبعية باعتبارها أسسا أقرها أحكام القانون الدولي وفقه القانون الدولي والسوابق القضائية.
وهذا ما يمكن أن تؤسس عليه الدول التي تعرضت للاعتداءات الإيرانية الغاشمة مواقفها وفق شروط المسؤولية الدولية التي تقتضي أن يكون العمل غير المشروع دولياً انتهاكاً لأحكام القانون الدولي، وهذا شرط عام موضوعي دون النظر إلى الوصف في القانون الداخلي للحكومة الإيرانية المعتدية، فضلاً عن أن هذه العمل غير المشروع والمتمثل في الاعتداءات الغاشمة نتج عنها ضرر ومساس بحق أو مصلحة لأحد أشخاص القانون الدولي سواء كان ضررا ماديا أو معنويا والضرر المادي متوفر في المساس بالممتلكات العامة والخاصة وأرواح المواطنين ورعايا الدول الأخرى.
إن الضرر المعنوي بالمساس بكرامة وسيادة الدول المعتدى عليها واستقلالها، وإن كان العمل غير المشروع كافيا وحده لتقرير المسؤولية الدولية باعتبار أن المسؤولية ما هي إلا نتيجة لهذا الفعل، فضلاً عن أسناد الفعل غير المشروع إلي فاعله وهي الحكومة الإيرانية المعتدية، وهذا ما أوصت به المادة الرابعة من مشروع مسودة مواد الأفعال غير المشروعة دولياً الذي أعدته اللجنة الدولية للقانون الدولي سنة 2001 وأقرته الجمعية العامة بالأمم المتحدة بالقرار رقم 83/56 بقولها إن كل تصرف لجهاز من أجهزة الدولة يعد تصرفا صادرا من هذه الدولة وسواء كان التصرف صادرا من أجهزة الحكومة المركزية أو وحداتها الإقليمية.
بذلك فإن المبدأ الأساسي بشأن مسؤولية الدولة يقوم على كل فعل غير مشروع دولياً تقوم به دولة في مواجهة دولة أو أكثر يستتبع مسؤوليتها الدولية ينسب للدولة أو الدول المعتدى عليها ولا يتماشى مع التزاماتها الدولية ولا يتطلب هذا الالتزام أي تقصير أو سوء نية من جانب الحكومة الإيرانية المعتدية كسبب لإثبات الفعل غير المشروع، وهذا يعني أن عنصر التقصير وسوء النية لا محل له في القانون المتعلقة بمسؤولية الدولة، وهذا ما عبرت عنه مواد قرار الأفعال غير المشروعة دولياً الذي أعدته اللجنة الدولية للقانون الدولي بشكل صريح.
فقد أكدت أن نشوء المسؤولية الدولية لا يستدعي بالضرورة عنصر التقصير في كل حالة من حالات العدوان، الأمر الذي يتطلب من الدول المعتدى عليها بعد أن حصلت دول الخليج العربي والمملكة الأردنية الهاشمية على إدانة المجتمع الدولي من خلال قرار مجلس الأمن رقم 2817 والذي شاركت في التصويت عليه 136 دولة عضو في الأمم المتحدة والذي تضمن مطالبة الحكومة الإيرانية المعتدية بالوقف الفوري وغير المشروط لأية استفزازات أو تهديدات موجهة لدول الجوار وأن المجتمع الدولي لن يتسامح مع هذه الاعتداءات على سيادة الدول أو استهداف المدنيين والبنية التحتية الحيوية، مما يتعين أن على دولنا أن توثق هذه الاعتداءات تمهيداً لمسارات اللجوء إلى الوسائل القانونية كمحكمة العدل الدولية لجبر الضرر والتعويض سواء كان عينياً أو مادياً أو الترضية كالاعتذار والاعتراف بعدم مشروعية الفعل الضار والتعهد بعدم تكراره وملاحقة المتسببين في العمل غير المشروع.
{ أستاذ القانون العام
المشارك بجامعة البحرين

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك