بغض النظر عن طول مدة الحرب، فإنها ستنتهي في إطار صفقة. وما يحدد طبيعة وصيغة هذه الصفقة النتيجة النهائية للحرب، وبعد أن تكون الأطراف قد أصبحت ناضجة أو يجبرها الواقع الذي تفرضه الحرب، ولكن مهما كان الأمر ستكون نهاية الحرب بصفقة ما، والسؤال هنا: كيف ستكون عليه هذه الصفقة؟
الرئيس ترامب بالطبع يفضل الصيغة الفنزويلية، بأن يبقى جزء من النظام الإيراني القائم، لكنه يرضخ لما تريده واشنطن منه، أو إذا أمكن تغيير النظام كليا وبالتالي ستصبح إيران تدور في الفلك الأمريكي، هذه الصيغ تبدو بعيدة المنال حتى الآن، ولكن ليس بالضرورة أن تنتهي الحرب قبل أن يحقق ترامب أهدافه كلها أو معظمها من خلال الضغط العسكري المتواصل، ولكن هذا الأمر لم يحدث بعد.
أما فيما يتعلق بالشريك الآخر في الحرب، أي إسرائيل، فالصيغة الأنسب التي تريدها تل أبيب هي أن تكون إيران صديقة لها. وبالتالي الهدف الأفضل بالنسبة إلى إسرائيل هي تغيير النظام، أو إيران التي تكون قد فقدت كل مخالبها العسكرية سنوات عديدة قادمة.
بالنسبة إلى إيران، فهذا البلد فيه النظام وفيه المعارضة، وفيه المتشددون والمعتدلون داخل النظام نفسه، أو الموالون له، وبالتالي كل طرف من هذه الأطراف يرغب في أن تنتهي الحرب على هواه، أو بالطريقة التي تناسبه، إنما هنا نتحدث عن النظام القائم، الذي يسيطر عليه المتشددون من الحرس الثوري حتى اللحظة، فهذا النظام يدافع عن بقائه مهما كانت الكلفة، حتى لو لحق بإيران دمار شامل لمقدراتها، فهم يدركون أنهم إذا فقدوا السلطة الآن فلن يعودوا إليها بعد عقود طويلة.
إن صيغة الصفقة بالنسبة إلى هذا النظام هي أي صيغة يمكن أن تبقيه بالسلطة ولو عبر تنازلات مؤلمة، حتى يتمكن مجددا من بناء نفسه ويقفز على كل اتفاق ويعود ليمارس الأسلوب ذاته لتحقيق الإمبراطورية الفارسية على حساب الجغرافية العربية.
أما دول الخليج العربية، التي تتعرض للعدوان الإيراني البشع فإنها أصبحت تعتقد بأنه مهما كانت كلفة الحرب الحالية، ومهما تكن صيغة الصفقة فإنها ستتعامل معها لاحقا وحسب الوقائع الجديدة. لقد حاولت هذه الدول سابقا أن تتلافى شرور طهران من خلال خلق صيغ للعلاقة تؤمّن حدًّا أدنى من التفاهم والتعاون، ولكن هذه الدول كانت تدرك أنها ستكون الميدان الرئيسي لأي حرب أمريكية إسرائيلية مع إيران، لأن رهان طهران كان دائما على إحداث أزمة طاقة عالمية شديدة تردع بها واشنطن وتل أبيب عن إكمال أي حرب يمكن من خلالها إسقاط النظام الإيراني.
وبغض النظر عن النتيجة النهائية للحرب، وسواء بقي النظام الإيراني أم لم يبقَ، فإن صيغة أي صفقة بالضرورة أن تشمل مصالح جميع الأطراف بشكل أو بآخر، وأن تأتي للمنطقة بهدوء يدوم سنوات عديدة، هكذا هو منطق الأمور. فأي صيغة لصفقة بالضرورة أن تتضمن استيعاب إيران في المنطقة من دون طموحات مجنونة، تضمن فتح مضيق هرمز كل الوقت وفي كل الظروف، باعتباره الشريان الذي يحافظ على تدفق الطاقة، وتسوية لا تهديدا إيرانيا فيها لجيرانها العرب،، هذه الصيغة التي قد تبقي جزءا من النظام الإيراني يقبل بهذه التسوية، وترضي جيران إيران، وتضمن استقرار سوق الطاقة العالمي.
هنا تأتي أهمية المبادرة العربية للسلام، والتي أصبحت أيضا مبادرة إسلامية بعد أن وافقت عليها جميع الدول الإسلامية بما فيها إيران، يمكن تطوير هذه المبادرة، أو توسيعها لتشمل ضبط العلاقات بين جميع دول المنطقة، بحيث تشمل بنودا تضمن عدم اللجوء إلى القوة لحل الخلافات، وتعميق العلاقات الاقتصادية بين الدول، ولكن ما يجب التركيز عليه هو الدولة الفلسطينية، فمن دون وجود هذه الدولة لن يستقر الشرق الأوسط، والمبادرة العربية جوهرها دولة فلسطينية مقابل التطبيع الكامل بين الدول العربية والإسلامية من جهة وإسرائيل من جهة أخرى. إحياء المبادرة العربية الإسلامية واعتبارها جوهر أي صفقة، أو صيغة صفقة لوقف الحرب وتحقيق الأمن والاستقرار للشرق الأوسط، يفتح صفحة جديدة من العلاقات بين جميع الأطراف.
إن تحقيق الاستقرار في المنطقة يتطلب أن تتوقف إيران عن تهديد جيرانها. وصيغة تنزع كل مبررات استخدام القضية الفلسطينية كورقة من أجل تحقيق طموحات خاصة للدول الإقليمية. دول الخليج التي تتعرض لهجمات إيرانية غادرة هي أكثر الأطراف التي تدرك شروط التسوية الحقيقية أكثر من أي طرف آخر.
يجب أن يكون للعرب مشروعهم لليوم التالي بعد الحرب.، أو صيغتهم لصفقة شاملة في المنطقة تحقق الاستقرار، وتنهي أيضا المشاريع التوسعية لإسرائيل، التي بدورها تهدد هذا الاستقرار.
{ كاتب من فلسطين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك