العدد : ١٧٥٣٤ - الخميس ٢٦ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٣٤ - الخميس ٢٦ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

نهاية المنطقة الرمادية

بقلم: مؤنس المردي

الأربعاء ٢٥ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

يدخل‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬اليوم‭ ‬مرحلة‭ ‬سياسية‭ ‬وتاريخية‭ ‬بالغة‭ ‬الدقة،‭ ‬تتسم‭ ‬بالثقل‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬وضرورة‭ ‬الحسم‭. ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة‭ ‬تفرض‭ ‬واقعاً‭ ‬يقلص‭ ‬المساحات‭ ‬التي‭ ‬سمحت‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬بإدارة‭ ‬التوازنات‭ ‬الهادئة‭ ‬واعتماد‭ ‬سياسة‭ ‬التصعيد‭ ‬المضبوط‭. ‬المنطقة‭ ‬اليوم‭ ‬تتجاوز‭ ‬مرحلة‭ ‬‮«‬التقاط‭ ‬الأنفاس‮»‬‭ ‬التقليدية،‭ ‬لتجد‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬استحقاقات‭ ‬أمنية‭ ‬وجيوسياسية‭ ‬تفرض‭ ‬أنماطاً‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الواقع‭ ‬المحيط‭.‬

تُشكل‭ ‬الهجمات‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬استهدفت‭ ‬منشآت‭ ‬الطاقة‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬الحيوية‭ ‬تحولاً‭ ‬جذرياً‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬التهديد‭. ‬هي‭ ‬مؤشر‭ ‬حاسم‭ ‬على‭ ‬انتقال‭ ‬الصراعات‭ ‬الإقليمية‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬تقنية‭ ‬وميدانية‭ ‬متقدمة،‭ ‬ما‭ ‬يقلص‭ ‬هوامش‭ ‬الوقوف‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الرمادية‭. ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬يضع‭ ‬السلوك‭ ‬السياسي‭ ‬الخليجي،‭ ‬المعروف‭ ‬بميله‭ ‬التقليدي‭ ‬للاستقرار‭ ‬وتجنب‭ ‬الصدامات،‭ ‬أمام‭ ‬اختبارات‭ ‬قاسية‭ ‬تتعلق‭ ‬بحدود‭ ‬الاستمرار‭ ‬خارج‭ ‬دوائر‭ ‬الصراع‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬بيئة‭ ‬إقليمية‭ ‬مضطربة‭.‬

لقد‭ ‬كانت‭ ‬المعادلة‭ ‬القديمة‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬دعامتين‭ ‬أساسيتين‭: ‬تحالفات‭ ‬دولية‭ ‬توفر‭ ‬مظلة‭ ‬من‭ ‬الردع،‭ ‬وانفتاح‭ ‬اقتصادي‭ ‬يعمل‭ ‬كصمام‭ ‬أمان‭ ‬لتخفيف‭ ‬الاحتقان‭ ‬السياسي‭. ‬اليوم،‭ ‬تواجه‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬ضغوطاً‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬نتيجة‭ ‬تبدل‭ ‬طبيعة‭ ‬المخاطر‭. ‬التهديدات‭ ‬الحالية‭ ‬أصبحت‭ ‬أقرب‭ ‬مسافة‭ ‬وأكثر‭ ‬تعقيداً،‭ ‬حيث‭ ‬تدمج‭ ‬بين‭ ‬الهجمات‭ ‬السيبرانية،‭ ‬والصواريخ‭ ‬البالستية،‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيرة،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬ضغوط‭ ‬اقتصادية‭ ‬مكثفة‭. ‬هذا‭ ‬المزيج‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬‮«‬عنصر‭ ‬القرار‮»‬‭ ‬المحرك‭ ‬الأساسي‭ ‬والوحيد‭ ‬للمرحلة‭ ‬المقبلة‭.‬

تدرك‭ ‬العواصم‭ ‬الخليجية‭ ‬بعمق‭ ‬أن‭ ‬كلفة‭ ‬تأجيل‭ ‬القرارات‭ ‬السيادية‭ ‬والخيارات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬ترتفع‭ ‬طرديا‭ ‬مع‭ ‬تسارع‭ ‬الأحداث‭. ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬امتلاك‭ ‬زمام‭ ‬المبادرة‭ ‬ورسم‭ ‬حدود‭ ‬الدور‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬لقد‭ ‬أصبح‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بشكل‭ ‬عضوي‭ ‬بقدرة‭ ‬دوله‭ ‬على‭ ‬الفعل‭ ‬الاستباقي‭ ‬وحماية‭ ‬مصالحها‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬دولية‭ ‬سريعة‭ ‬التغير‭ ‬ولا‭ ‬تعترف‭ ‬إلا‭ ‬بالقوة‭ ‬والوضوح‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يبرز‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬كأهم‭ ‬نقاط‭ ‬الاختبار‭ ‬لتوازنات‭ ‬القوى‭ ‬العالمية‭ ‬وأصبح‭ ‬ساحة‭ ‬لتحديد‭ ‬ملامح‭ ‬القوة‭ ‬والنفوذ‭. ‬أي‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬قواعد‭ ‬المرور‭ ‬أو‭ ‬الوضع‭ ‬القائم‭ ‬فيه‭ ‬سيؤدي‭ ‬حتماً‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬شاملة‭ ‬للمعادلات‭ ‬الدولية‭ ‬الكبرى‭.‬

يقف‭ ‬الخليج‭ ‬الآن‭ ‬أمام‭ ‬مفترق‭ ‬طرق‭ ‬يتطلب‭ ‬دقة‭ ‬متناهية‭ ‬في‭ ‬التنفيذ‭ ‬وشجاعة‭ ‬في‭ ‬الرؤية‭. ‬المرحلة‭ ‬الحالية‭ ‬تحسمها‭ ‬جودة‭ ‬التصرف‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬صياغة‭ ‬الواقع‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬مراقبته‭. ‬هنا‭ ‬يبدأ‭ ‬الفارق‭ ‬الجوهري‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬مستقبل‭ ‬المنطقة،‭ ‬حيث‭ ‬تذوب‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬الترقب‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬التاريخي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا