العدد : ١٧٥٣٣ - الأربعاء ٢٥ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٣٣ - الأربعاء ٢٥ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

البحرين.. منظومة أمن متكاملة تصنع الأمان

بقلم: د. فاطمة المالكي

الأربعاء ٢٥ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬الأوضاع‭ ‬الاستثنائية‭ ‬التي‭ ‬نعيشها‭ ‬هذه‭ ‬الأيام،‭ ‬كنت‭ ‬أرى‭ ‬الصورة‭ ‬مكبّرة‭ ‬أمام‭ ‬عيني،‭ ‬تتجلى‭ ‬فيها‭ ‬عمقُ‭ ‬عمل‭ ‬الفريق‭ ‬الواحد،‭ ‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬بصمت‭ ‬وبتناسقٍ‭ ‬محسوبٍ‭ ‬ودقيق،‭ ‬والعملُ‭ ‬بمفهوم‭ ‬الأمن‭ ‬والأمان‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬كركيزةٍ‭ ‬أساسية‭ ‬لاستقرار‭ ‬المجتمع‭ ‬وحماية‭ ‬حياة‭ ‬الأفراد‭.‬

إن‭ ‬الأمن‭ ‬والأمان‭ ‬ليسا‭ ‬مجرد‭ ‬مفاهيم‭ ‬نظرية،‭ ‬بل‭ ‬حاجتين‭ ‬أساسيتين‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تصور‭ ‬تنمية‭ ‬حقيقية‭ ‬للفرد،‭ ‬أو‭ ‬ازدهار‭ ‬مستدام،‭ ‬أو‭ ‬إبداع،‭ ‬أو‭ ‬تعلم،‭ ‬أو‭ ‬عمل‭ ‬بفاعلية،‭ ‬إذا‭ ‬غاب‭ ‬الشعور‭ ‬بالحماية‭ ‬والطمأنينة‭.‬

ويُفهم‭ ‬الأمن‭ ‬عادةً‭ ‬بوصفه‭ ‬منظومة‭ ‬الإجراءات‭ ‬والتدابير‭ ‬التي‭ ‬تتخذها‭ ‬الدولة‭ ‬لحماية‭ ‬الأفراد‭ ‬والممتلكات‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬العام،‭ ‬ليتبين‭ ‬كيف‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬الفرد‭ ‬اليومية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬شعور‭ ‬بالأمان،‭ ‬كالأمن‭ ‬الجسدي‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬حماية‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭ ‬المباشرة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬وجود‭ ‬فرق‭ ‬الشرطة‭ ‬والدفاع‭ ‬المدني‭ ‬وأنظمة‭ ‬الإنذار‭ ‬المبكر،‭ ‬مما‭ ‬يضمن‭ ‬سلامة‭ ‬الإنسان‭ ‬وممتلكاته‭.‬

في‭ ‬حين‭ ‬يُعبّر‭ ‬الأمان‭ ‬عن‭ ‬الإحساس‭ ‬الداخلي‭ ‬بالراحة‭ ‬والثقة‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬فاعلية‭ ‬تلك‭ ‬المنظومة‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬العلاقة‭ ‬بينهما‭ ‬علاقة‭ ‬تكامل‭ ‬لا‭ ‬انفصال؛‭ ‬فالأمن‭ ‬يمثل‭ ‬الإطار‭ ‬الخارجي‭ ‬المنظم،‭ ‬بينما‭ ‬الأمان‭ ‬هو‭ ‬الأثر‭ ‬النفسي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬الذي‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬سلوك‭ ‬الأفراد‭ ‬واستقرارهم‭.‬

إن‭ ‬تحقق‭ ‬الأمن‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬به‭ ‬الإنسان‭ ‬لا‭ ‬يكتمل‭ ‬أثره،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الإحساس‭ ‬بالأمان‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يستمر‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬نظام‭ ‬أمني‭ ‬فعّال‭ ‬يدعمه‭. ‬ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬الأمن‭ ‬بمفهومه‭ ‬الشامل‭ ‬الأمني،‭ ‬الصحي،‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬والغذائي‭ ‬هي‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬مجتمعات‭ ‬مطمئنة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الإنتاج‭ ‬والعطاء‭. ‬ويؤكد‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬أشار‭ ‬إليه‭ ‬ماسلو‭ ‬في‭ ‬هرمه‭ ‬للاحتياجات،‭ ‬حيث‭ ‬يأتي‭ ‬الأمن‭ ‬كحاجة‭ ‬أساسية‭ ‬تسبق‭ ‬تحقيق‭ ‬الاستقرار‭ ‬النفسي‭ ‬والاجتماعي‭ (‬Maslow‭, ‬1943‭).‬

ففي‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬تكاملت‭ ‬جهود‭ ‬جميع‭ ‬الوزارات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬لتوفير‭ ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬الحيوي،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬تعمل‭ ‬بشكل‭ ‬متكامل‭ ‬لضمان‭ ‬الحماية‭ ‬والطمأنينة‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬

فقد‭ ‬أسهمت‭ ‬منظومة‭ ‬الإنذار‭ ‬المبكر‭ ‬في‭ ‬منح‭ ‬السكان‭ ‬الوقت‭ ‬الكافي‭ ‬للتوجه‭ ‬إلى‭ ‬أماكن‭ ‬آمنة،‭ ‬فيما‭ ‬عززت‭ ‬أنظمة‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬المتطورة‭ ‬قدرة‭ ‬قوة‭ ‬دفاع‭ ‬البحرين‭ ‬على‭ ‬اعتراض‭ ‬الصواريخ‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬من‭ ‬العدوان‭ ‬الغاشم‭ ‬قبل‭ ‬وصولها‭ ‬إلى‭ ‬أهدافها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬جاهزية‭ ‬البحرين‭ ‬على‭ ‬أعلى‭ ‬مستوى‭ ‬عند‭ ‬وقوع‭ ‬أي‭ ‬اعتداءات‭ ‬أو‭ ‬تهديدات‭ ‬على‭ ‬مناطق‭ ‬سكنية‭. ‬

كذلك‭ ‬برز‭ ‬دور‭ ‬فرق‭ ‬الدفاع‭ ‬المدني‭ ‬والإسعاف‭ ‬في‭ ‬تأمين‭ ‬المواقع‭ ‬وإخلاء‭ ‬السكان‭ ‬وتطويق‭ ‬المناطق‭ ‬المتضررة،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬الاستجابة‭ ‬الفورية‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬الأزمات‭ ‬الصحية‭ ‬الطارئة‭ ‬أو‭ ‬الإصابات‭ ‬البليغة،‭ ‬في‭ ‬مستشفيات‭ ‬مجهزة‭ ‬بالكامل‭ ‬لتقديم‭ ‬الرعاية‭ ‬الطبية‭ ‬الفورية‭ ‬للمصابين‭ ‬بكفاءة‭ ‬عالية،‭ ‬مما‭ ‬يضمن‭ ‬استمرار‭ ‬الطمأنينة‭ ‬رغم‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬بها،‭ ‬ويعكس‭ ‬قوة‭ ‬منظومة‭ ‬الأمن‭ ‬الصحي‭ ‬ويعزز‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬الأرواح،‭ ‬وأن‭ ‬حماية‭ ‬حياته‭ ‬وممتلكاته‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬كلام،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬واقع‭ ‬ملموس‭.‬

ولم‭ ‬يقتصر‭ ‬الدور‭ ‬على‭ ‬الجوانب‭ ‬الأمنية‭ ‬والصحية،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬إلى‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالجانب‭ ‬التعليمي،‭ ‬حيث‭ ‬أسهمت‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الأمن‭ ‬التعليمي‭ ‬عبر‭ ‬تفعيل‭ ‬أنظمة‭ ‬التعليم‭ ‬عن‭ ‬بُعد،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬استمرارية‭ ‬العملية‭ ‬التعليمية‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬آمنة،‭ ‬ويخفف‭ ‬من‭ ‬تعرض‭ ‬الطلبة‭ ‬للمخاطر،‭ ‬ويمنح‭ ‬الأهل‭ ‬شعورًا‭ ‬بالاطمئنان‭ ‬على‭ ‬أبنائهم‭ ‬وهم‭ ‬بجوارهم،‭ ‬وامتدادًا‭ ‬لهذا‭ ‬الدور،‭ ‬بادرت‭ ‬الجامعات‭ ‬الحكومية‭ ‬والخاصة‭ ‬إلى‭ ‬تحويل‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬النمط‭ ‬الإلكتروني،‭ ‬وتأجيل‭ ‬الامتحانات‭ ‬الحضورية،‭ ‬وإعادة‭ ‬جدولة‭ ‬التدريب‭ ‬العملي‭ ‬بما‭ ‬يراعي‭ ‬سلامة‭ ‬الطلبة‭ ‬وأعضاء‭ ‬هيئة‭ ‬التدريس،‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬المخرجات‭ ‬التعليمية‭.‬

يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬تأمين‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي،‭ ‬والتأكد‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬المخزون‭ ‬الغذائي‭ ‬والمياه‭ ‬والطاقة‭ ‬بشكل‭ ‬منتظم‭ ‬دون‭ ‬انقطاع،‭ ‬مما‭ ‬يضمن‭ ‬استمرار‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬بشكل‭ ‬طبيعي‭. ‬وكذلك‭ ‬العمل‭ ‬عن‭ ‬بُعد‭ ‬بما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬استمرارية‭ ‬ديمومة‭ ‬العمل‭ ‬وعدم‭ ‬تعطيل‭ ‬مصالح‭ ‬الشعب‭. ‬

كما‭ ‬لعبت‭ ‬وزارة‭ ‬الإعلام‭ ‬دورًا‭ ‬محوريًا‭ ‬في‭ ‬توصيل‭ ‬المعلومات‭ ‬الرسمية‭ ‬الموثوقة‭ ‬عبر‭ ‬القنوات‭ ‬الرسمية،‭ ‬ومواجهة‭ ‬الشائعات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تثير‭ ‬القلق،‭ ‬والحرص‭ ‬على‭ ‬تنبيه‭ ‬المواطنين‭ ‬بعدم‭ ‬نشر‭ ‬المعلومات‭ ‬المغلوطة،‭ ‬بما‭ ‬يخفف‭ ‬من‭ ‬الهلع‭ ‬ويعزز‭ ‬الثقة‭ ‬المجتمعية‭. ‬كما‭ ‬أسهمت‭ ‬الوزارات‭ ‬المعنية‭ ‬بتأمين‭ ‬الغذاء‭ ‬والطاقة‭ ‬والنقل‭ ‬في‭ ‬ضمان‭ ‬استمرار‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬دون‭ ‬انقطاع،‭ ‬فيما‭ ‬وفرت‭ ‬الجمعيات‭ ‬الخيرية‭ ‬الدعم‭ ‬للفئات‭ ‬الأكثر‭ ‬هشاشة،‭ ‬بما‭ ‬يرسخ‭ ‬شعور‭ ‬الأمان‭ ‬لدى‭ ‬الجميع،‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬أن‭ ‬الأمان‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬الأمن‭ ‬العسكري‭ ‬أو‭ ‬الصحي‭.‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬التكامل‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬وليد‭ ‬اللحظة،‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬وجود‭ ‬منظومة‭ ‬متماسكة‭ ‬عُمل‭ ‬على‭ ‬جاهزيتها‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬بهذه‭ ‬الانسيابية‭ ‬والدقة‭ ‬والكفاءة،‭ ‬فلم‭ ‬تكتفِ‭ ‬بحماية‭ ‬الإنسان‭ ‬جسديًا،‭ ‬بل‭ ‬سعت‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬شعوره‭ ‬بالأمان‭ ‬والاستقرار‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬جوانب‭ ‬حياته‭.‬

فالتكامل‭ ‬بين‭ ‬الجهود‭ ‬الأمنية‭ ‬والصحية‭ ‬والتعليمية‭ ‬والإعلامية،‭ ‬والخدمات‭ ‬الأساسية،‭ ‬يُظهر‭ ‬أن‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬حماية‭ ‬جسدية،‭ ‬بل‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬شعور‭ ‬حقيقي‭ ‬بالطمأنينة‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬المواطنين‭ ‬والمقيميين‭.‬

فالأفراد‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬شركاء‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬مجتمعهم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وعيهم‭ ‬والتزامهم‭ ‬وتكاتفهم‭ ‬مع‭ ‬الآخرين،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬نموذجًا‭ ‬يُحتذى‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬تكامل‭ ‬الأمن‭ ‬والأمان،‭ ‬ويؤكد‭ ‬أن‭ ‬قوة‭ ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬فقط‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬التهديدات،‭ ‬بل‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬إلى‭ ‬شعور‭ ‬بالسلامة‭ ‬يعزز‭ ‬استقرار‭ ‬المجتمع‭ ‬وصموده‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬أصعب‭ ‬الظروف‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا