العدد : ١٧٥٣٥ - الجمعة ٢٧ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٣٥ - الجمعة ٢٧ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

الوطن والعزوة في وقت الضيق

بقلم: نبيلة رجب

الجمعة ٢٧ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬خضم‭ ‬الأيام‭ ‬الثقيلة‭ ‬وجدت‭ ‬نفسي‭ ‬أُلغي‭ ‬شيئاً‭ ‬بعد‭ ‬شيء‭. ‬مواعيد،‭ ‬برامج،‭ ‬التزامات‭ ‬كانت‭ ‬تبدو‭ ‬ضرورية‭ ‬قبل‭ ‬أيام،‭ ‬صارت‭ ‬فجأة‭ ‬قابلة‭ ‬للتأجيل‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الأمر‭ ‬قراراً‭ ‬واعياً‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬استجابة‭ ‬طبيعية‭ ‬لظرف‭ ‬غير‭ ‬طبيعي‭. ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬ضيق‭ ‬الخارج‭ ‬يتراجع‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬يشعره‭ ‬بالأمان‭.‬

لكن‭ ‬كان‭ ‬ثمة‭ ‬شيء‭ ‬واحد‭ ‬لم‭ ‬أستطع‭ ‬إلغاءه،‭ ‬ولم‭ ‬أفكر‭ ‬في‭ ‬إلغائه‭ ‬أصلاً،‭ ‬لقاءاتي‭ ‬بإخواني‭ ‬وأخواتي‭. ‬تلك‭ ‬الجلسات‭ ‬التي‭ ‬اعتدنا‭ ‬عليها،‭ ‬والتي‭ ‬صارت‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬تحمل‭ ‬معنىً‭ ‬لم‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬قبل‭. ‬لم‭ ‬نتحدث‭ ‬دائماً‭ ‬عن‭ ‬الأوضاع،‭ ‬وما‭ ‬كنا‭ ‬نملك‭ ‬إجابات‭. ‬لكن‭ ‬الوجود‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬ذاته،‭ ‬والضحكة‭ ‬التي‭ ‬تخرج‭ ‬بيننا‭ ‬وفيها‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬الارتياح،‭ ‬والدفء‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬تفسيراً،‭ ‬كان‭ ‬كافياً‭.‬

تأكدت‭ ‬حينها‭ ‬أن‭ ‬العائلة‭ ‬ليست‭ ‬رابطاً‭ ‬اجتماعياً‭ ‬يجمعنا‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭. ‬هي‭ ‬الملاذ‭ ‬الذي‭ ‬يزداد‭ ‬قيمةً‭ ‬حين‭ ‬يضيق‭ ‬بنا‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬عداه‭. ‬حين‭ ‬تجلس‭ ‬بينهم‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬أن‭ ‬تشرح‭ ‬كيف‭ ‬تشعر،‭ ‬وجودهم‭ ‬يكفي‭. ‬شيء‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الروح‭ ‬يرتاح‭ ‬بين‭ ‬أهلك،‭ ‬ارتياحاً‭ ‬لا‭ ‬تجده‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬الأماكن‭ ‬بهجة‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬أوسع‭ ‬المجالس‭.‬

نحن‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬صار‭ ‬فيه‭ ‬الإنسان‭ ‬يملك‭ ‬آلاف‭ ‬المعارف‭ ‬ومئات‭ ‬المتابعين،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬يشعر‭ ‬بالوحدة‭ ‬في‭ ‬اللحظات‭ ‬الصعبة‭. ‬لأننا‭ ‬في‭ ‬جريان‭ ‬الحياة‭ ‬العادي‭ ‬نركض‭ ‬ونبني‭ ‬ونتوسع،‭ ‬وننسى‭ ‬أحياناً‭ ‬أن‭ ‬نتوقف‭ ‬عند‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬الأقرب‭ ‬إلينا‭. ‬ننسى‭ ‬أن‭ ‬نسأل،‭ ‬أن‭ ‬نزور،‭ ‬أن‭ ‬نجلس‭ ‬دون‭ ‬مناسبة‭.‬

لكن‭ ‬الحياة‭ ‬بما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬ضغوط‭ ‬ومسؤوليات‭ ‬تسرق‭ ‬منا‭ ‬أحياناً‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أغلى‭. ‬تسرقه‭ ‬بهدوء‭ ‬وببطء،‭ ‬والأيام‭ ‬تتراكم‭ ‬والمسافات‭ ‬تكبر‭ ‬ونحن‭ ‬منشغلون‭. ‬ويكتشف‭ ‬الإنسان‭ ‬قيمة‭ ‬هذه‭ ‬اللقاءات‭ ‬العائلية‭ ‬عندما‭ ‬تغيب‭ ‬فجأة،‭ ‬وتفرّقنا‭ ‬الظروف،‭ ‬أو‭ ‬يرحل‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬يجمعنا‭. ‬عندها‭ ‬فقط‭ ‬نتساءل‭: ‬لماذا‭ ‬أجّلنا‭ ‬اللقاء؟

الأزمات‭ ‬قاسية،‭ ‬لكنها‭ ‬صادقة‭. ‬تكشف‭ ‬ما‭ ‬خفي،‭ ‬وتُعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬الأولويات‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تستأذن‭. ‬وما‭ ‬كشفته‭ ‬لي‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬أن‭ ‬أخاً‭ ‬يجلس‭ ‬بجانبك‭ ‬يساوي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬برنامج‭ ‬ألغيته،‭ ‬وأن‭ ‬أختاً‭ ‬تضحك‭ ‬معك‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬ضيق‭ ‬تعيد‭ ‬للقلب‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬توازنه‭.‬

العائلة‭ ‬عزوة،‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬التي‭ ‬نسمعها‭ ‬كثيراً‭ ‬ونرددها،‭ ‬لكننا‭ ‬نفهمها‭ ‬حقاً‭ ‬فقط‭ ‬عند‭ ‬الحاجة‭ ‬إليها‭. ‬العزوة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الأعداد‭ ‬ولا‭ ‬بالحضور‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭ ‬الكبيرة‭. ‬هي‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اللقاء‭ ‬البسيط‭ ‬الذي‭ ‬يخرج‭ ‬منه‭ ‬الإنسان‭ ‬أخف‭ ‬مما‭ ‬دخل‭. ‬في‭ ‬الاطمئنان‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬كلاماً‭ ‬كثيراً‭. ‬في‭ ‬الشعور‭ ‬بأن‭ ‬ثمة‭ ‬من‭ ‬يعرفك‭ ‬حقاً،‭ ‬قبل‭ ‬النجاحات‭ ‬وبعد‭ ‬الإخفاقات،‭ ‬في‭ ‬السعادة‭ ‬وفي‭ ‬القلق‭. ‬ومن‭ ‬امتلك‭ ‬هذا‭ ‬فهو‭ ‬الغني‭ ‬حقاً،‭ ‬ومن‭ ‬افتقده‭ ‬وجد‭ ‬نفسه‭ ‬وحيداً‭ ‬حتى‭ ‬وسط‭ ‬الزحام‭.‬

والتمسك‭ ‬بهذه‭ ‬العلاقات‭ ‬يمثل‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬هويتنا‭ ‬التي‭ ‬حملها‭ ‬البحريني‭ ‬جيلاً‭ ‬بعد‭ ‬جيل‭ ‬عبر‭ ‬دفء‭ ‬البيت‭ ‬المفتوح،‭ ‬وصلة‭ ‬الرحم‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنقطع،‭ ‬والجار‭ ‬قبل‭ ‬الدار‭. ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬ليست‭ ‬عادات‭ ‬موسمية،‭ ‬هي‭ ‬نمط‭ ‬حياة‭ ‬متوارث‭.‬

لذلك‭ ‬عندما‭ ‬نحافظ‭ ‬على‭ ‬لقاءاتنا‭ ‬ونُبقي‭ ‬على‭ ‬صلاتنا‭ ‬رغم‭ ‬ضغوط‭ ‬الحياة،‭ ‬نحن‭ ‬نحافظ‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬أصالتنا‭. ‬والبيت‭ ‬الذي‭ ‬تُصان‭ ‬فيه‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬مدرسة‭ ‬يستقي‭ ‬منها‭ ‬أبناؤه‭ ‬القيم‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬كلام‭ ‬نقوله‭ ‬لهم،‭ ‬فالطفل‭ ‬الذي‭ ‬ينشأ‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكنف،‭ ‬يحمل‭ ‬معه‭ ‬رصيداً‭ ‬من‭ ‬الانتماء‭ ‬والأمان‭ ‬يظل‭ ‬معه‭ ‬طوال‭ ‬حياته‭.‬

المحافظة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬ضرورة‭ ‬إنسانية‭. ‬والوقت‭ ‬الذي‭ ‬نمنحه‭ ‬لأسرتنا‭ ‬لا‭ ‬يضيع،‭ ‬هو‭ ‬يعود‭ ‬إلينا‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬لا‭ ‬نتوقعها،‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬دعم‭ ‬لم‭ ‬نطلبه،‭ ‬وحضور‭ ‬لم‭ ‬ندعُ‭ ‬إليه،‭ ‬ومحبة‭ ‬لا‭ ‬تنتظر‭ ‬مناسبة‭.‬

وما‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬العائلة‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬الوطن،‭ ‬فالوطن‭ ‬عزوة‭ ‬أيضاً‭. ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬أبرزت‭ ‬شعورا‭ ‬كان‭ ‬دائماً‭ ‬في‭ ‬داخلنا‭ ‬لكن‭ ‬الظرف‭ ‬عمّقه،‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬هي‭ ‬الأم‭ ‬الحاضنة‭ ‬التي‭ ‬تجمعنا‭ ‬جميعاً‭. ‬كما‭ ‬يشعر‭ ‬الإنسان‭ ‬بالأمان‭ ‬بين‭ ‬أهله،‭ ‬شعرنا‭ ‬بأمان‭ ‬مختلف‭ ‬حين‭ ‬أدركنا‭ ‬أننا‭ ‬في‭ ‬وطن‭ ‬يحمينا‭ ‬ونحمله‭.‬

الوطن‭ ‬ليس‭ ‬حدوداً‭ ‬جغرافية،‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬الشعور‭ ‬العميق‭ ‬الذي‭ ‬يجمعنا‭ ‬في‭ ‬الشدة‭ ‬والرخاء،‭ ‬والذي‭ ‬يجعل‭ ‬الغريب‭ ‬يشتاق‭ ‬والمقيم‭ ‬يشعر‭ ‬بنعمة‭ ‬لا‭ ‬يدركها‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬عاش‭ ‬بعيداً‭ ‬عنها‭. ‬أما‭ ‬الانتماء‭ ‬الحقيقي‭ ‬فلا‭ ‬يُقاس‭ ‬بالكلام،‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬تمسك‭ ‬الإنسان‭ ‬بأرضه‭ ‬وبمن‭ ‬يحب،‭ ‬وفي‭ ‬إحساسه‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يُحمى‭ ‬ويُصان‭.‬

خرجت‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الأسابيع‭ ‬بيقين‭ ‬راسخ،‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يبقى‭ ‬حين‭ ‬يتزعزع‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬هو‭ ‬الناس‭. ‬فالمال‭ ‬والمنصب‭ ‬والانشغالات‭ ‬تمر‭. ‬أما‭ ‬الأهل‭ ‬والأحبة‭ ‬وإخوتنا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭ ‬فيبقون،‭ ‬هم‭ ‬العزوة‭ ‬الحقيقية‭. ‬ومن‭ ‬يملك‭ ‬هذه‭ ‬العزوة،‭ ‬عائلةً‭ ‬ووطناً،‭ ‬لا‭ ‬يشعر‭ ‬بالضياع‭ ‬مهما‭ ‬اشتدت‭ ‬الأوقات‭.‬

ربما‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬أعمق‭ ‬هدايا‭ ‬الأوقات‭ ‬الصعبة،‭ ‬أنها‭ ‬تُعيدنا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬دائما‭ ‬الأهم،‭ ‬لكننا‭ ‬كنا‭ ‬مشغولين‭ ‬عن‭ ‬رؤيته‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا