العدد : ١٧٥٣٥ - الجمعة ٢٧ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٣٥ - الجمعة ٢٧ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

هل تغير الحرب الراهنة منطقة الشرق الأوسط؟

بقلم: د. رمزي بارود {

الخميس ٢٦ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

عندما‭ ‬قرر‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬ورئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭ ‬يوم‭ ‬28‭ ‬فبراير‭ ‬الماضي،‭ ‬بدا‭ ‬وكأنهما‭ ‬مقتنعان‭ ‬بأن‭ ‬الحرب‭ ‬ستكون‭ ‬بلا‭ ‬شك‭ ‬خاطفة‭.‬

وقد‭ ‬ذكرت‭ ‬التقارير‭ ‬أن‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬أكد‭ ‬لسلطات‭ ‬واشنطن‭ ‬أن‭ ‬الحملة‭ ‬ستحقق‭ ‬نصراً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬حاسماً‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬واستعادة‭ ‬قوة‭ ‬الردع‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المنهكة‭. ‬لا‭ ‬نعلم‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬نتنياهو‭ ‬نفسه‭ ‬قد‭ ‬صدق‭ ‬هذا‭ ‬الوعد‭ ‬أم‭ ‬لا‭. ‬على‭ ‬أي‭ ‬حال‭ ‬ذلك‭ ‬أمر‭ ‬آخر‭.‬

لم‭ ‬تسعَ‭ ‬الدوائر‭ ‬المؤثرة‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬الاستقرار،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬ظلت‭ ‬تعمل‭ ‬باستمرار‭ ‬على‭ ‬تكثيف‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نسميه‭ ‬‮«‬التدمير‭ ‬الإبداعي‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يرمي‭ ‬وفق‭ ‬المنطق‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬إلى‭ ‬تفكيك‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية‭ ‬المعادية‭ ‬والسماح‭ ‬للمشهد‭ ‬السياسي‭ ‬المشتت‭ ‬بالحلول‭ ‬محلها‭.‬

وفي‭ ‬الحقيقة،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬لم‭ ‬تظهر‭ ‬بين‭ ‬عشية‭ ‬وضحاها،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬تم‭ ‬التعبير‭ ‬عنها‭ ‬بشكل‭ ‬أوضح‭ ‬في‭ ‬ورقة‭ ‬صياغة‭ ‬السياسات‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬عام‭ ‬1996‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬قطيعة‭ ‬تامة‭: ‬استراتيجية‭ ‬جديدة‮»‬‭ ‬أعدتها‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الاستراتيجيين‭ ‬المحافظين‭ ‬الجدد‭ ‬الأمريكيين،‭ ‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬ريتشارد‭ ‬بيرل،‭ ‬وقدمت‭ ‬من‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬آنذاك‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭.‬

لقد‭ ‬أكدت‭ ‬تلك‭ ‬الوثيقة‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬تخلي‭ ‬إسرائيل‭ ‬عن‭ ‬سياسة‭ ‬‮«‬الأرض‭ ‬مقابل‭ ‬السلام‮»‬،‭ ‬واتباع‭ ‬استراتيجية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬إضعاف‭ ‬أو‭ ‬إزالة‭ ‬الأنظمة‭ ‬المعادية‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الهدف‭ ‬مجرد‭ ‬تحقيق‭ ‬نصر‭ ‬عسكري،‭ ‬بل‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬جيوسياسي‭ ‬لكامل‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬مصلحة‭ ‬إسرائيل‭.‬

لقد‭ ‬جاءت‭ ‬الأحداث‭ ‬والتطورات‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬العقود‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬حافلة‭ ‬بالهزات‭ ‬والتحولات،‭ ‬وكأنها‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬طياتها‭ ‬تأكيدا‭ ‬لصحة‭ ‬تلك‭ ‬النظرية‭ ‬–‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬سلطات‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭.‬

هل‭ ‬تعيد‭ ‬الحرب‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭ ‬تشكيل‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط؟

يعد‭ ‬الغزو‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬للعراق‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬2003‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬كارثة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬سلطات‭ ‬واشنطن‭. ‬فقد‭ ‬لقي‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬حتفهم،‭ ‬وتم‭ ‬إنفاق‭ ‬تريليونات‭ ‬الدولارات،‭ ‬وتورطت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬عمليات‭ ‬الاحتلال‭ ‬زعزعة‭ ‬للاستقرار‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الحديث‭.‬

لقد‭ ‬أدى‭ ‬ذلك‭ ‬الغزو‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬إلى‭ ‬الإطاحة‭ ‬بنظام‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬وتفكيك‭ ‬حزب‭ ‬البعث‭ ‬الحاكم،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬تدمير‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يُعدّ‭ ‬أقوى‭ ‬جيش‭ ‬عربي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬وبطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬النتائج‭ ‬التي‭ ‬أفرزتها‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭ ‬بالغة‭ ‬الأهمية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬إسرائيل‭. ‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬العراق‭ ‬تاريخياً‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬القليلة‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬إسرائيل‭ ‬عسكرياً،‭ ‬غير‭ ‬إن‭ ‬الغزو‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬قد‭ ‬حوله‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬إقليمية‭ ‬متماسكة‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬مفككة‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار،‭ ‬حيث‭ ‬يظل‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬الحاكم‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬يكابد‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬التماسك‭ ‬الوطني‭.‬

أما‭ ‬سوريا،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُعدّ‭ ‬مصدر‭ ‬قلق‭ ‬محوري‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬فقد‭ ‬انزلقت‭ ‬لاحقاً‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬داخلية‭ ‬مدمرة‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬2011،‭ ‬كما‭ ‬انهارت‭ ‬ليبيا‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬سابق‭ ‬بعد‭ ‬تدخل‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭ (‬الناتو‭) ‬في‭ ‬عام‭ ‬2011‭. ‬وفي‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬المنطقة،‭ ‬تفككت‭ ‬دول‭ ‬قومية‭ ‬عربية‭ ‬كانت‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬قوية‭ ‬وتحولت‭ ‬إلى‭ ‬أنظمة‭ ‬ضعيفة‭ ‬أو‭ ‬منقسمة‭ ‬داخلياً‭.‬

ومن‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬إسرائيل،‭ ‬بدت‭ ‬نظرية‭ ‬التفتت‭ ‬الإقليمي‭ ‬وكأنها‭ ‬تؤتي‭ ‬ثمارها‭ ‬وتحقق‭ ‬الأهداف‭ ‬التي‭ ‬رسمت‭ ‬لها‭. ‬لقد‭ ‬بدا‭ ‬وكأن‭ ‬التحول‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬تصوره‭ ‬والتخطيط‭ ‬له‭ ‬قبل‭ ‬عقود‭ ‬قد‭ ‬تحقق،‭ ‬لكن‭ ‬التاريخ‭ ‬نادرًا‭ ‬ما‭ ‬يسير‭ ‬في‭ ‬خطوط‭ ‬مستقيمة‭. ‬لم‭ ‬تُحقق‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬النصر‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الذي‭ ‬توقعه‭ ‬القادة‭ ‬الإسرائيليون‭. ‬بل‭ ‬كشفت‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭ ‬عن‭ ‬مواطن‭ ‬ضعف‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬مكانة‭ ‬إسرائيل‭ ‬العسكرية‭ ‬والسياسية‭.‬

والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬أثبتت‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬أن‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬الساحقة‭ ‬لا‭ ‬تُترجم‭ ‬إلى‭ ‬سيطرة‭ ‬سياسية‭ ‬حاسمة،‭ ‬كما‭ ‬امتدت‭ ‬تداعيات‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭ ‬المدمرة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬غزة‭ ‬نفسها‭. ‬لقد‭ ‬أدت‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬حشد‭ ‬القوى‭ ‬المعادية‭ ‬لإسرائيل‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وعمّقت‭ ‬الانقسامات‭ ‬داخل‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬وأشعلت‭ ‬موجة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬من‭ ‬التضامن‭ ‬العالمي‭ ‬مع‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬فيما‭ ‬تضررت‭ ‬صورة‭ ‬إسرائيل‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬العالمي‭.‬

لقد‭ ‬ظلت‭ ‬الخطابات‭ ‬السياسية‭ ‬الغربية‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود‭ ‬تصور‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬معقل‭ ‬ديمقراطي‭ ‬محاط‭ ‬بقوى‭ ‬معادية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬تلاشت‭ ‬تدريجياً،‭ ‬وباتت‭ ‬إسرائيل‭ ‬تُوصف‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬–‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬منظمات‭ ‬دولية‭ ‬كبرى‭ ‬–‭ ‬بأنها‭ ‬دولة‭ ‬تمارس‭ ‬قمعاً‭ ‬ممنهجا،‭ ‬وفي‭ ‬حالة‭ ‬غزة،‭ ‬تشن‭ ‬حرب‭ ‬إبادة‭ ‬جماعية‭ ‬ضد‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭.‬

لا‭ ‬يُمكن‭ ‬المُبالغة‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬التكلفة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لهذا‭ ‬الانهيار‭ ‬في‭ ‬سمعة‭ ‬إسرائيل‭ ‬أو‭ ‬الضرر‭ ‬الذي‭ ‬لحق‭ ‬بصورتها‭. ‬فالقوة‭ ‬العسكرية‭ ‬لا‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الأسلحة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬الشرعية‭ ‬أيضاً،‭ ‬والشرعية،‭ ‬إذا‭ ‬فُقدت،‭ ‬يصعب‭ ‬استعادتها‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬برزت‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬كأخطر‭ ‬مغامرة‭ ‬يقدم‭ ‬عليها‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭. ‬فإن‭ ‬تكللت‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬بالنجاح‭ ‬فإن‭ ‬إسرائيل‭ ‬ستكون‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استعادة‭ ‬هيمنتها‭ ‬الإقليمية‭ ‬وتعزيز‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الردع،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬هزيمة‭ ‬إيران،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬إضعافها‭ ‬بشدة،‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يُعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

أما‭ ‬الفشل‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الراهنة‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭ ‬فإنه‭ ‬سيحمل‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬العواقب‭ ‬الوخيمة‭ ‬التي‭ ‬لن‭ ‬تقل‭ ‬خطورة،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو،‭ ‬الذي‭ ‬يواجه‭ ‬الآن‭ ‬مذكرة‭ ‬توقيف‭ ‬صادرة‭ ‬عن‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2024‭ ‬بتهمة‭ ‬ارتكاب‭ ‬جرائم‭ ‬حرب‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬بقاؤه‭ ‬السياسي‭ ‬بوعد‭ ‬تحقيق‭ ‬نصر‭ ‬استراتيجي‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

في‭ ‬مقابلات‭ ‬عديدة‭ ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬صاغ‭ ‬نتنياهو‭ ‬المواجهة‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬بأسلوبٍ‭ ‬يكاد‭ ‬يكون‭ ‬تاريخياً‭. ‬وفي‭ ‬خطابٍ‭ ‬متلفز‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬أعلن‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬منخرطة‭ ‬في‭ ‬‮«‬مهمة‭ ‬تاريخية‮»‬‭ ‬لضمان‭ ‬مستقبل‭ ‬الدولة‭ ‬اليهودية‭ ‬لأجيالٍ‭ ‬قادمة‭. ‬قيل‭ ‬إن‭ ‬ذلك‭ ‬الخطاب‭ ‬لا‭ ‬ينم‭ ‬عن‭ ‬ثقة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يعكس‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬اليأس‭.‬

لا‭ ‬تستطيع‭ ‬إسرائيل‭ ‬خوض‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬بمفردها،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬بوسعها‭ ‬ذلك‭ ‬قط‭. ‬لذلك،‭ ‬فقد‭ ‬سعى‭ ‬نتنياهو‭ ‬بلا‭ ‬كلل‭ ‬إلى‭ ‬جرّ‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬مباشرةً‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭ ‬وأذرعها،‭ ‬وهو‭ ‬نمط‭ ‬مألوف‭ ‬في‭ ‬حروب‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الحديثة‭.‬

يبقى‭ ‬السؤال‭ ‬مطروحاً‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الأمريكيين‭: ‬لماذا‭ ‬سمح‭ ‬الرئيس‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬–‭ ‬الذي‭ ‬شنّ‭ ‬حملات‭ ‬انتخابية‭ ‬مراراً‭ ‬وتكراراً‭ ‬ضد‭ ‬‮«‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‮»‬‭ ‬–‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬بالدخول‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط؟

خلال‭ ‬حملته‭ ‬الرئاسية‭ ‬عام‭ ‬2016،‭ ‬صرّح‭ ‬ترامب‭ ‬تصريحًا‭ ‬شهيرًا‭: ‬‮«‬ما‭ ‬كان‭ ‬ينبغي‭ ‬لنا‭ ‬أبدًا‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬في‭ ‬العراق‭. ‬لقد‭ ‬زعزعنا‭ ‬استقرار‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬‭.‬

وبعد‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬عقد‭ ‬من‭ ‬الزمان،‭ ‬زجّت‭ ‬إدارته‭ ‬بالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬تفوق‭ ‬عواقبها‭ ‬المحتملة‭ ‬عواقب‭ ‬الحروب‭ ‬السابقة‭. ‬لا‭ ‬تهمّ‭ ‬الدوافع‭ ‬الدقيقة‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يعيشون‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬القصف‭.‬

وفي‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬المنطقة،‭ ‬تبدو‭ ‬المشاهد‭ ‬مألوفة‭ ‬ومؤلمة‭: ‬مدن‭ ‬مدمرة،‭ ‬مقابر‭ ‬جماعية،‭ ‬عائلات‭ ‬ثكلى،‭ ‬ومجتمعات‭ ‬تُجبر‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬عنف‭ ‬التدخل‭ ‬الأجنبي،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬تدور‭ ‬رحاها‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬جيوسياسية‭ ‬مختلفة‭ ‬تمامًا‭. ‬فالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬لا‭ ‬تتمتع‭ ‬بالهيمنة‭ ‬المطلقة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تتمتع‭ ‬بها‭ ‬سابقًا‭.‬

لقد‭ ‬برزت‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬الأعوام‭ ‬الماضية‭ ‬كفاعل‭ ‬اقتصادي‭ ‬واستراتيجي‭ ‬رئيسي،‭ ‬فيما‭ ‬تواصل‭ ‬روسيا‭ ‬محاولاتها‭ ‬الرامية‭ ‬إلى‭ ‬استعادة‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬نفوذها‭ ‬التليد،‭ ‬بينما‭ ‬اكتسبت‭ ‬بعض‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية‭ ‬ثقة‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬مقاومة‭ ‬إملاءات‭ ‬سلطات‭ ‬واشنطن‭. ‬لقد‭ ‬شهد‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬نفسه‭ ‬تغيراً‭ ‬ملموسا‭.‬

لكن‭ ‬هل‭ ‬تسير‭ ‬الحرب‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬خاطئ؟

تشير‭ ‬المؤشرات‭ ‬الأولية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬تسير‭ ‬وفقاً‭ ‬لتوقعات‭ ‬واشنطن‭ ‬أو‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬حملة‭ ‬عسكرية‭ ‬سريعة‭ ‬قد‭ ‬يتحول‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬صراع‭ ‬مطول‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬عواقبه‭.‬

توفر‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬مؤشراً‭ ‬آخر‭ ‬على‭ ‬تغير‭ ‬العوامل‭ ‬الديناميكية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬والعالم‭ ‬بصفة‭ ‬عامة‭. ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬تأمين‭ ‬سيطرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬تدفقات‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية،‭ ‬أدت‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬الإمدادات‭ ‬وعرقلة‭ ‬الحركة‭ ‬على‭ ‬الطرق‭ ‬البحرية‭ ‬الرئيسية‭.‬

تصطدم‭ ‬الافتراضات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬المبنية‭ ‬على‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬غير‭ ‬المتنازع‭ ‬عليها‭ ‬بواقع‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭. ‬فحتى‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬الصادر‭ ‬من‭ ‬واشنطن‭ ‬أصبح‭ ‬دفاعيًا‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ،‭ ‬ويزداد‭ ‬غضبًا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُعد‭ ‬غالبًا‭ ‬مؤشرًا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الأحداث‭ ‬لا‭ ‬تسير‭ ‬وفقًا‭ ‬للخطة‭ ‬الموضوعة‭.‬

هل‭ ‬نحن‭ ‬بصدد‭ ‬نهاية‭ ‬حقبة‭ ‬تاريخية؟

يسعى‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬إلى‭ ‬تكريس‭ ‬هيمنة‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬فيما‭ ‬تسعى‭ ‬واشنطن‭ ‬إلى‭ ‬ترسيخ‭ ‬مكانتها‭ ‬كقوة‭ ‬عظمى‭ ‬لا‭ ‬تُضاهى‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬الهدفين‭ ‬في‭ ‬متناول‭ ‬اليد‭.‬

وبدلاً‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬تسريع‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬تمنعها‭: ‬تراجع‭ ‬الدور‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الأمريكي،‭ ‬وضعف‭ ‬موقف‭ ‬الردع‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬وشرق‭ ‬أوسط‭ ‬يتشكل‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬جهات‭ ‬فاعلة‭ ‬إقليمية‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬الخارجية‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬خطابه‭ ‬الواثق،‭ ‬فقد‭ ‬تكون‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬قد‭ ‬بالغت‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬القدرة‭ ‬العسكرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬المطلقة،‭ ‬وتسببت‭ ‬في‭ ‬تقويض‭ ‬تحالفاتها‭ ‬وأثارت‭ ‬العداوة،‭ ‬بدخولها‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬لا‭ ‬تكاد‭ ‬تُفهم‭ ‬أبعادها‭ ‬التاريخية‭ ‬والسياسية‭ ‬والاستراتيجية‭.‬

بالطبع،‭ ‬سيواصل‭ ‬ترامب‭ ‬وأركان‭ ‬إدارته‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬‮«‬نصر‮»‬‭ ‬لتسويقه‭ ‬لجمهوره‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬أعظم‭ ‬انتصار‭ ‬في‭ ‬التاريخ،‭ ‬كما‭ ‬سيظل‭ ‬هناك‭ ‬دائمًا‭ ‬متعصبون‭ ‬مستعدون‭ ‬لتصديق‭ ‬ذلك،‭ ‬لكن‭ ‬معظم‭ ‬الأمريكيين‭ ‬–‭ ‬والغالبية‭ ‬العظمى‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬–‭ ‬وأغلب‭ ‬الدول،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬حلفاء‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الأوروبيون،‭ ‬يعارضون‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭.‬

{‭ ‬أكاديمي‭ ‬وكاتب‭ ‬فلسطيني‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا