عندما قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الدخول في حرب ضد إيران يوم 28 فبراير الماضي، بدا وكأنهما مقتنعان بأن الحرب ستكون بلا شك خاطفة.
وقد ذكرت التقارير أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكد لسلطات واشنطن أن الحملة ستحقق نصراً استراتيجياً حاسماً يؤدي إلى إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط واستعادة قوة الردع الإسرائيلية المنهكة. لا نعلم ما إذا كان نتنياهو نفسه قد صدق هذا الوعد أم لا. على أي حال ذلك أمر آخر.
لم تسعَ الدوائر المؤثرة داخل المؤسسة الاستراتيجية الإسرائيلية على مدى عقود من الزمن، بالضرورة إلى تحقيق الاستقرار، بل إنها ظلت تعمل باستمرار على تكثيف ما يمكن أن نسميه «التدمير الإبداعي»، الذي يرمي وفق المنطق الإسرائيلي إلى تفكيك القوى الإقليمية المعادية والسماح للمشهد السياسي المشتت بالحلول محلها.
وفي الحقيقة، فإن هذه الفكرة لم تظهر بين عشية وضحاها، بل إنه تم التعبير عنها بشكل أوضح في ورقة صياغة السياسات التي صدرت عام 1996 بعنوان «قطيعة تامة: استراتيجية جديدة» أعدتها مجموعة من الاستراتيجيين المحافظين الجدد الأمريكيين، بمن فيهم ريتشارد بيرل، وقدمت من ثم إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتنياهو.
لقد أكدت تلك الوثيقة على ضرورة تخلي إسرائيل عن سياسة «الأرض مقابل السلام»، واتباع استراتيجية تهدف إلى إضعاف أو إزالة الأنظمة المعادية في المنطقة، ولا سيما في العراق وسوريا. لم يكن الهدف مجرد تحقيق نصر عسكري، بل إعادة تشكيل جيوسياسي لكامل منطقة الشرق الأوسط بما يخدم مصلحة إسرائيل.
لقد جاءت الأحداث والتطورات الكبيرة التي شهدتها العقود القليلة الماضية، التي كانت حافلة بالهزات والتحولات، وكأنها تحمل في طياتها تأكيدا لصحة تلك النظرية – على الأقل من وجهة نظر سلطات تل أبيب.
هل تعيد الحرب ضد إيران تشكيل الشرق الأوسط؟
يعد الغزو العسكري الأمريكي للعراق الذي تم في سنة 2003 على نطاق واسع كارثة بالنسبة إلى سلطات واشنطن. فقد لقي مئات الآلاف حتفهم، وتم إنفاق تريليونات الدولارات، وتورطت الولايات المتحدة الأمريكية في واحدة من أكثر عمليات الاحتلال زعزعة للاستقرار في التاريخ الحديث.
لقد أدى ذلك الغزو العسكري الأمريكي إلى الإطاحة بنظام صدام حسين وتفكيك حزب البعث الحاكم، بالإضافة إلى تدمير ما كان يُعدّ أقوى جيش عربي في المنطقة. وبطبيعة الحال فقد كانت تلك النتائج التي أفرزتها تلك الحرب بالغة الأهمية الاستراتيجية بالنسبة إلى إسرائيل.
لقد كان ينظر إلى العراق تاريخياً في تلك الفترة على أنه من الدول العربية القليلة القادرة على مواجهة إسرائيل عسكرياً، غير إن الغزو العسكري الأمريكي قد حوله من قوة إقليمية متماسكة إلى دولة مفككة تعاني من عدم الاستقرار، حيث يظل النظام السياسي الحاكم في بغداد يكابد من أجل الحفاظ على التماسك الوطني.
أما سوريا، التي كانت تُعدّ مصدر قلق محوري آخر في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، فقد انزلقت لاحقاً إلى حرب داخلية مدمرة بدأت في سنة 2011، كما انهارت ليبيا في وقت سابق بعد تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في عام 2011. وفي مختلف أنحاء المنطقة، تفككت دول قومية عربية كانت ذات يوم قوية وتحولت إلى أنظمة ضعيفة أو منقسمة داخلياً.
ومن وجهة نظر إسرائيل، بدت نظرية التفتت الإقليمي وكأنها تؤتي ثمارها وتحقق الأهداف التي رسمت لها. لقد بدا وكأن التحول الجيوسياسي الذي تم تصوره والتخطيط له قبل عقود قد تحقق، لكن التاريخ نادرًا ما يسير في خطوط مستقيمة. لم تُحقق حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة النصر الاستراتيجي الذي توقعه القادة الإسرائيليون. بل كشفت تلك الحرب عن مواطن ضعف عميقة في مكانة إسرائيل العسكرية والسياسية.
والأهم من ذلك، أثبتت المقاومة الفلسطينية أن القوة العسكرية الساحقة لا تُترجم إلى سيطرة سياسية حاسمة، كما امتدت تداعيات تلك الحرب المدمرة إلى ما هو أبعد من غزة نفسها. لقد أدت الحرب إلى حشد القوى المعادية لإسرائيل في المنطقة، وعمّقت الانقسامات داخل المجتمعات العربية والإسلامية وأشعلت موجة غير مسبوقة من التضامن العالمي مع الفلسطينيين، فيما تضررت صورة إسرائيل بشكل كبير على الصعيد العالمي.
لقد ظلت الخطابات السياسية الغربية على مدى عقود تصور إسرائيل على أنها معقل ديمقراطي محاط بقوى معادية، إلا أن هذه الرواية تلاشت تدريجياً، وباتت إسرائيل تُوصف بشكل متزايد – حتى من قبل منظمات دولية كبرى – بأنها دولة تمارس قمعاً ممنهجا، وفي حالة غزة، تشن حرب إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني.
لا يُمكن المُبالغة في تقدير التكلفة الاستراتيجية لهذا الانهيار في سمعة إسرائيل أو الضرر الذي لحق بصورتها. فالقوة العسكرية لا تعتمد على الأسلحة فحسب، بل على الشرعية أيضاً، والشرعية، إذا فُقدت، يصعب استعادتها.
في هذا السياق، برزت الحرب على إيران كأخطر مغامرة يقدم عليها بنيامين نتنياهو. فإن تكللت هذه الحرب بالنجاح فإن إسرائيل ستكون قادرة على استعادة هيمنتها الإقليمية وتعزيز قدرتها على الردع، ذلك أن هزيمة إيران، أو حتى إضعافها بشدة، من شأنه أن يُعيد تشكيل موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط.
أما الفشل في الحرب الراهنة ضد إيران فإنه سيحمل في طياته الكثير من العواقب الوخيمة التي لن تقل خطورة، خاصة وأن بنيامين نتنياهو، الذي يواجه الآن مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية في عام 2024 بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة، بقاؤه السياسي بوعد تحقيق نصر استراتيجي كبير في منطقة الشرق الأوسط.
في مقابلات عديدة خلال العام الماضي، صاغ نتنياهو المواجهة مع إيران بأسلوبٍ يكاد يكون تاريخياً. وفي خطابٍ متلفز عام 2025، أعلن أن إسرائيل منخرطة في «مهمة تاريخية» لضمان مستقبل الدولة اليهودية لأجيالٍ قادمة. قيل إن ذلك الخطاب لا ينم عن ثقة بقدر ما كان يعكس حالة من اليأس.
لا تستطيع إسرائيل خوض مثل هذه الحرب بمفردها، ولم يكن بوسعها ذلك قط. لذلك، فقد سعى نتنياهو بلا كلل إلى جرّ الولايات المتحدة الأمريكية مباشرةً إلى الحرب ضد إيران وأذرعها، وهو نمط مألوف في حروب الشرق الأوسط الحديثة.
يبقى السؤال مطروحاً بالنسبة إلى الأمريكيين: لماذا سمح الرئيس دونالد ترامب – الذي شنّ حملات انتخابية مراراً وتكراراً ضد «الحروب التي لا تنتهي» – للولايات المتحدة الأمريكية بالدخول في حرب جديدة في منطقة الشرق الأوسط؟
خلال حملته الرئاسية عام 2016، صرّح ترامب تصريحًا شهيرًا: «ما كان ينبغي لنا أبدًا أن نكون في العراق. لقد زعزعنا استقرار الشرق الأوسط».
وبعد ما يقرب من عقد من الزمان، زجّت إدارته بالولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة تفوق عواقبها المحتملة عواقب الحروب السابقة. لا تهمّ الدوافع الدقيقة أولئك الذين يعيشون تحت وطأة القصف.
وفي جميع أنحاء المنطقة، تبدو المشاهد مألوفة ومؤلمة: مدن مدمرة، مقابر جماعية، عائلات ثكلى، ومجتمعات تُجبر مرة أخرى على تحمل عنف التدخل الأجنبي، غير أن هذه الحرب تدور رحاها اليوم في بيئة جيوسياسية مختلفة تمامًا. فالولايات المتحدة الأمريكية لا تتمتع بالهيمنة المطلقة التي كانت تتمتع بها سابقًا.
لقد برزت الصين على مدى الأعوام الماضية كفاعل اقتصادي واستراتيجي رئيسي، فيما تواصل روسيا محاولاتها الرامية إلى استعادة بعض من نفوذها التليد، بينما اكتسبت بعض القوى الإقليمية ثقة أكبر في مقاومة إملاءات سلطات واشنطن. لقد شهد الشرق الأوسط نفسه تغيراً ملموسا.
لكن هل تسير الحرب ضد إيران على نحو خاطئ؟
تشير المؤشرات الأولية إلى أن الحرب لا تسير وفقاً لتوقعات واشنطن أو تل أبيب. لذلك فإن ما كان من المفترض أن يكون حملة عسكرية سريعة قد يتحول تدريجياً إلى صراع مطول لا تعرف عواقبه.
توفر أسواق الطاقة مؤشراً آخر على تغير العوامل الديناميكية في المنطقة والعالم بصفة عامة. فبدلاً من تأمين سيطرة أكبر على تدفقات الطاقة العالمية، أدت الحرب إلى تعطيل الإمدادات وعرقلة الحركة على الطرق البحرية الرئيسية.
تصطدم الافتراضات الاستراتيجية المبنية على عقود من القوة العسكرية الأمريكية غير المتنازع عليها بواقع أكثر تعقيدًا. فحتى الخطاب السياسي الصادر من واشنطن أصبح دفاعيًا بشكل ملحوظ، ويزداد غضبًا، وهو ما يُعد غالبًا مؤشرًا على أن الأحداث لا تسير وفقًا للخطة الموضوعة.
هل نحن بصدد نهاية حقبة تاريخية؟
يسعى بنيامين نتنياهو إلى تكريس هيمنة إسرائيل على منطقة الشرق الأوسط، فيما تسعى واشنطن إلى ترسيخ مكانتها كقوة عظمى لا تُضاهى في العالم. لا يبدو أي من الهدفين في متناول اليد.
وبدلاً من ذلك، قد تؤدي الحرب إلى تسريع التحولات التي كان من المفترض أن تمنعها: تراجع الدور الاستراتيجي الأمريكي، وضعف موقف الردع الإسرائيلي، وشرق أوسط يتشكل بشكل متزايد من قبل جهات فاعلة إقليمية بدلاً من القوى الخارجية.
وعلى الرغم من طبيعة خطابه الواثق، فقد تكون إدارة الرئيس ترامب قد بالغت في تقدير القدرة العسكرية الأمريكية المطلقة، وتسببت في تقويض تحالفاتها وأثارت العداوة، بدخولها في حرب لا تكاد تُفهم أبعادها التاريخية والسياسية والاستراتيجية.
بالطبع، سيواصل ترامب وأركان إدارته البحث عن أي «نصر» لتسويقه لجمهوره على أنه أعظم انتصار في التاريخ، كما سيظل هناك دائمًا متعصبون مستعدون لتصديق ذلك، لكن معظم الأمريكيين – والغالبية العظمى من الناس حول العالم – وأغلب الدول، بما في ذلك حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية الأوروبيون، يعارضون هذه الحرب.
{ أكاديمي وكاتب فلسطيني.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك