العدد : ١٧٥٣٧ - الأحد ٢٩ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٣٧ - الأحد ٢٩ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

سياسات الهيمنة والدوافع الاستعمارية وراء إشعال الحرب

بقلم: د. مصطفى البرغوثي

السبت ٢٨ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬أواخر‭ ‬التسعينيات،‭ ‬ناقش‭ ‬معهد‭ ‬واشنطن‭ ‬لسياسات‭ ‬الشرق‭ ‬الأدنى،‭ ‬الذي‭ ‬يتمتّع‭ ‬اللوبي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بنفوذ‭ ‬واسع‭ ‬فيه،‭ ‬أطروحة‭ ‬جسَّدت‭ ‬الأطماع‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬كان‭ ‬عنوانها‭ ‬‮«‬الاحتواء‭ ‬المزدوج‭ ‬للعراق‭ ‬وإيران‮»‬‭. ‬

وكل‭ ‬ما‭ ‬رأيناه‭ ‬لاحقاً‭ ‬سار‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الاتجاه،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كشفت‭ ‬الطغمة‭ ‬الصهيونية‭ ‬الحاكمة‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬نياتها،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بضم‭ ‬كل‭ ‬الأراضي‭ ‬المحتلة،‭ ‬وتهويدها،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬القوة‭ ‬الإمبريالية‭ ‬المهيمنة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬عسكرياً‭ ‬واستخبارياً‭ ‬وسياسياً،‭ ‬واقتصادياً‭ ‬بالسيطرة‭ ‬على‭ ‬ثرواتها‭ ‬بالشراكة‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

ولم‭ ‬يعد‭ ‬نتنياهو‭ ‬يتورع‭ ‬أو‭ ‬يتردد‭ ‬عن‭ ‬إعلان‭ ‬تأييده‭ ‬رؤية‭ ‬إسرائيل‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬كل‭ ‬فلسطين‭ ‬والأردن‭ ‬ولبنان‭ ‬وثلثي‭ ‬سورية‭ ‬ونصف‭ ‬العراق‭ ‬وثلث‭ ‬السعودية‭ ‬ونصف‭ ‬مصر‭. ‬ولا‭ ‬يتورّع‭ ‬سفير‭ ‬ترامب‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬عن‭ ‬تأييد‭ ‬تلك‭ ‬الرؤية‭ ‬التوراتية‭ ‬المحرّفة،‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يجسّد‭ ‬التحالف‭ ‬بين‭ ‬المسيحانية‭ ‬الصهيونية‭ ‬والصهيونية‭ ‬المشيخانية‭ ‬المتطرّفة،‭ ‬وكلاهما‭ ‬تياران‭ ‬أصوليان‭ ‬يريدان‭ ‬إفناء‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬وتكريس‭ ‬كل‭ ‬فلسطين‭ ‬لليهود‭ ‬فقط‭.‬

وبعد‭ ‬فنزويلا‭ ‬وإيران،‭ ‬تبدو‭ ‬الأهداف‭ ‬الإمبريالية‭ ‬الأمريكية‭ ‬المتحالفة‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬واضحة‭ ‬بالسيطرة‭ ‬على‭ ‬أهم‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وعلى‭ ‬ثروات‭ ‬شعوب‭ ‬المنطقة‭ ‬ودولها،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬ما‭ ‬أعلنته‭ ‬بجلاء‭ ‬في‭ ‬وثيقة‭ ‬‮«‬استراتيجية‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭ ‬الماضي،‭ ‬وأشارت‭ ‬صراحة‭ ‬إلى‭ ‬هدف‭ ‬‮«‬استعادة‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الطاقة‭ ‬باعتبارها‭ ‬أولوية‭ ‬استراتيجية‭ ‬قصوى‮»‬‭. ‬كما‭ ‬ذكرت‭ ‬أن‭ ‬هدفها‭ ‬‮«‬منع‭ ‬أي‭ ‬قوة‭ ‬معادية‭ ‬من‭ ‬الهيمنة‭ ‬على‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وعلى‭ ‬موارد‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬فيه‭ ‬ونقاط‭ ‬عبور‭ ‬هذه‭ ‬الموارد‮»‬،‭ ‬فالغرض‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬العدوانية‭ ‬ليس‭ ‬حماية‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬سلاح‭ ‬نووي‭ ‬جديد،‭ ‬قد‭ ‬ينافس‭ ‬ترسانتي‭ ‬الأسلحة‭ ‬النووية‭ ‬الأمريكية‭ ‬والإسرائيلية‭ ‬الهائلة،‭ ‬بل‭ ‬تكريس‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬ثروات‭ ‬المنطقة‭ ‬ومصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬فيها‭ ‬للحدّ‭ ‬من‭ ‬ظهور‭ ‬أي‭ ‬قوة‭ ‬عالمية‭ ‬منافسة،‭ ‬وضمن‭ ‬ذلك‭ ‬كله،‭ ‬دعم‭ ‬أطماع‭ ‬إسرائيل‭ ‬لتكون‭ ‬القوة‭ ‬المهيمنة‭ ‬على‭ ‬المنطقة‭ ‬وتصفية‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬وفرض‭ ‬التطبيع‭ ‬القسْري‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬مع‭ ‬دولة‭ ‬الاحتلال‭ ‬التي‭ ‬تواصل‭ ‬ارتكاب‭ ‬جرائم‭ ‬الحرب‭.‬

وقد‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المخاطر‭ ‬كثيرون‭ ‬من‭ ‬مفكري‭ ‬المنطقة‭ ‬وقادتها‭ ‬صراحة‭ ‬أو‭ ‬ضمناً،‭ ‬فالحقائق‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬خافية‭ ‬على‭ ‬أحد،‭ ‬والمسار‭ ‬أوضح‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تخفيه‭ ‬الادعاءات‭ ‬الأيديولوجية،‭ ‬وحتى‭ ‬ما‭ ‬يختفي‭ ‬أحياناً‭ ‬بعض‭ ‬الوقت،‭ ‬يسارع‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬إلى‭ ‬فضحه‭ ‬بتصريحاته‭ ‬المتغطرسة‭.‬

أما‭ ‬الادعاءات‭ ‬الكاذبة‭ ‬بمناصرة‭ ‬الحقوق‭ ‬الديمقراطية‭ ‬للشعوب،‭ ‬فتعريها‭ ‬الوثيقة‭ ‬الأمريكية‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬تنصّ،‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬الواقعية‭ ‬المرنة‮»‬،‭ ‬على‭ ‬‮«‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬علاقات‭ ‬تجارية‭ ‬سلمية‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬فرض‭ ‬الديمقراطية‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬تغييرات‭ ‬اجتماعية‭ ‬أخرى‭ ‬عليهم‭ ‬تختلف‭ ‬جذرياً‭ ‬عن‭ ‬تقاليدهم‭ ‬وتاريخهم‮»‬‭. ‬

وإذاً،‭ ‬يدور‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬تغيير‭ ‬الأنظمة‮»‬‭ ‬لصالح‭ ‬المصالح‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬والأمريكية،‭ ‬وليس‭ ‬لصالح‭ ‬حق‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬وباقي‭ ‬الشعوب‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬كما‭ ‬يُدعى‭. ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬أي‭ ‬أساس‭ ‬أخلاقي‭ ‬لكل‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬والاعتداءات،‭ ‬لذُكرت‭ ‬حقوق‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬الحرية‭ ‬وتقرير‭ ‬المصير،‭ ‬وهي‭ ‬حقوقٌ‭ ‬لا‭ ‬مكان‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬السياسات‭.‬

لم‭ ‬يعد‭ ‬هناك‭ ‬خلاف‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المحرّك‭ ‬والمخطّط‭ ‬لهذه‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬تعصف‭ ‬بشعوب‭ ‬ومصالح‭ ‬المنطقة،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬الشعوب‭ ‬والدول‭ ‬العربية،‭ ‬هو‭ ‬نتنياهو‭ ‬والطغمة‭ ‬الحاكمة‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭. ‬ولذلك‭ ‬تتعاظم‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الحرب،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬مجلسي‭ ‬الكونجرس،‭ ‬بل‭ ‬وداخل‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬نفسها‭. ‬وجاءت‭ ‬استقالة‭ ‬رئيس‭ ‬المركز‭ ‬الوطني‭ ‬لمكافحة‭ ‬الإرهاب‭ ‬في‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬جو‭ ‬كينت‭ ‬لتكون‭ ‬خير‭ ‬معبر‭ ‬عن‭ ‬هذا،‭ ‬وقد‭ ‬قال‭ ‬في‭ ‬بيانها‭ ‬إنه‭ ‬‮«‬يرفض‭ ‬تأييد‭ ‬الحرب‭ ‬الدائرة‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬لأنه‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬أننا‭ ‬بدأنا‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬نتيجة‭ ‬ضغوط‭ ‬إسرائيل‭ ‬ولوبيها‭ ‬القوي‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‮»‬‭.‬

وبعد‭ ‬رفض‭ ‬حلفاء‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الانجرار‭ ‬وراء‭ ‬انجرار‭ ‬ترامب‭ ‬وإدارته‭ ‬خلف‭ ‬نتنياهو‭ ‬ومؤامراته،‭ ‬وصل‭ ‬الأمر‭ ‬بترامب‭ ‬إلى‭ ‬مهاجمة‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭ (‬الناتو‭)‬،‭ ‬ووصفه‭ ‬بارتكاب‭ ‬‮«‬خطأ‭ ‬غبيٍّ‭ ‬للغاية‮»‬،‭ ‬لعدم‭ ‬رغبته‭ ‬مشاركة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬لفتح‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭. ‬بل‭ ‬وصل‭ ‬الأمر‭ ‬بأحد‭ ‬أقرب‭ ‬حلفاء‭ ‬إسرائيل‭ ‬وترامب‭ ‬الأوروبيين،‭ ‬المستشار‭ ‬النمساوي‭ ‬كريستيان‭ ‬شتوكر،‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬‮«‬إن‭ ‬أوروبا‭ ‬لن‭ ‬تخضع‭ ‬للابتزاز‭ ‬للانخراط‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬‭. ‬أما‭ ‬وزير‭ ‬خارجية‭ ‬البلد‭ ‬الوسيط،‭ ‬سلطنة‭ ‬عُمان،‭ ‬بدر‭ ‬بن‭ ‬حميد‭ ‬البوسعيدي،‭ ‬فكتب‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬إيكونوميست‭ ‬ملمّحاً‭ ‬إلى‭ ‬التحريض‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬‮«‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬فقدت‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬سياستها،‭ ‬وواشنطن‭ ‬انجرّت‭ ‬إلى‭ ‬الحرب،‭ ‬وارتكبت‭ ‬أخطاء‭ ‬جسيمة‭ ‬في‭ ‬التقدير‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭. ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبارها‭ ‬مشروعة،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬تبريرها‮»‬‭.‬

وإثر‭ ‬هذا‭ ‬الرفض‭ ‬للانجرار‭ ‬إلى‭ ‬الحرب،‭ ‬تعمَّد‭ ‬نتنياهو‭ ‬ارتكاب‭ ‬تصعيد‭ ‬خطير‭ ‬جديد‭ ‬بقصف‭ ‬حقل‭ ‬الغاز‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬وقطر،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬بغرض‭ ‬إلحاق‭ ‬الأذى‭ ‬بالبلدين،‭ ‬وكل‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬العالمي‭. ‬وهو‭ ‬فعل‭ ‬أدّى‭ ‬إلى‭ ‬إدانات‭ ‬عالمية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬إسبانيا‭ ‬ودول‭ ‬عديدة‭ ‬أخرى‭.‬

يقول‭ ‬زبيجنيو‭ ‬بريجنسكي،‭ ‬مستشار‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬السابق‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الأسبق‭ ‬كارتر،‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬الفرصة‭ ‬الثانية‮»‬،‭ ‬إن‭ ‬‮«‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تواجه‭ ‬المعضلة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬إسرائيل‭ ‬مع‭ ‬المحيط‭ ‬العربي،‭ ‬ولكن‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬أوسع،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬كليهما‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الوسائل‭ ‬لفرض‭ ‬حل‭ ‬أحادي‭ ‬دائم‭ ‬يمليه‭ ‬تعريفه‭ ‬الخاص‭ ‬لأهدافه‭ ‬ومصالحه‮»‬،‭ ‬مؤكّداً‭ ‬‮«‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوز‭ ‬طموح‭ ‬الشعوب‭ ‬أولاً‭ ‬إلى‭ ‬الكرامة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وثانياً‭ ‬إلى‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والحرية‭ ‬وثالثاً‭ ‬إلى‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وأن‭ ‬اليقظة‭ ‬السياسية‭ ‬مناهضة‭ ‬للإمبريالية‭ ‬دائما‮»‬‭.‬

ويضيف‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭ ‬نفسه‭ ‬إن‭ ‬عصر‭ ‬الإمبراطوريات‭ ‬التقليدية‭ ‬ولّى،‭ ‬وعمر‭ ‬الإمبراطوريات‭ ‬أصبح‭ ‬قصيراً‭ ‬للغاية‭ ‬بالمقارنة‭ ‬مع‭ ‬الماضي،‭ ‬وما‭ ‬استغرق‭ ‬عقداً‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬أصبح‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬واحدة،‭ ‬مؤكّداً‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬سمات‭ ‬الإمبريالية‭ ‬الحديثة‭ ‬أن‭ ‬‮«‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التدمير‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬السيطرة‮»‬،‭ ‬والسيطرة‭ ‬العالمية‭ ‬الخرقاء‭ ‬لدولة‭ ‬واحدة،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬الأمريكي‭ ‬بريجنسكي،‭ ‬لن‭ ‬تدوم‭.‬

ليس‭ ‬واضحاً‭ ‬بعد‭ ‬كيف‭ ‬ستنتهي‭ ‬المغامرة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬والأمريكية‭ ‬الجديدة،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬واضحاً‭ ‬أنها‭ ‬تلحق‭ ‬أضراراً‭ ‬خطيرة‭ ‬وجسيمة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بإيران‭ ‬ولبنان‭ ‬بعد‭ ‬فلسطين،‭ ‬بل‭ ‬وأيضاً‭ ‬بدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬ومصالحها‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والأمنية،‭ ‬بل‭ ‬تلحق‭ ‬دماراً‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭.‬

أما‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬والقانون‭ ‬الإنساني‭ ‬الدولي‭ ‬اللذين‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬ذُبحا‭ ‬في‭ ‬غزّة،‭ ‬ويتواصل‭ ‬ذبحهما‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬والقدس،‭ ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬لهما‭ ‬وجود‭ ‬في‭ ‬العُرف‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬ممارسات‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الأثناء،‭ ‬تواصل‭ ‬عصابات‭ ‬الإرهاب‭ ‬الاستيطانية‭ ‬البطش‭ ‬بالضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وبسكانها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حسيب‭ ‬أو‭ ‬رقيب،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬انتباه‭ ‬إعلامي‭ ‬لما‭ ‬يجري‭. ‬ولولا‭ ‬صمود‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وبسالته‭ ‬وإصراره‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬وطنه‭ ‬لشهدنا‭ ‬تكراراً‭ ‬لجريمة‭ ‬النكبة‭ ‬التي‭ ‬وقعت‭ ‬في‭ ‬1948‭.‬

ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬منطقتنا‭ ‬ليس‭ ‬خلافاً‭ ‬أيديولوجياً،‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬مجرّد‭ ‬تنافس‭ ‬مصالح،‭ ‬إنه‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الحق‭ ‬والباطل،‭ ‬وبين‭ ‬الظلم‭ ‬والعدل‭... ‬كثيرون‭ ‬لم‭ ‬يتعلموا‭ ‬من‭ ‬عِبَر‭ ‬التاريخ،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬فشل‭ ‬المستعمرين،‭ ‬ولكن‭ ‬البشرية‭ ‬تتعلم‭. ‬يذكر‭ ‬الناس‭ ‬عمر‭ ‬المختار،‭ ‬ولا‭ ‬يذكر‭ ‬أحد‭ ‬اسم‭ ‬الجنرال‭ ‬الإيطالي‭ ‬الذي‭ ‬أعدمه‭. ‬ويذكُرون‭ ‬الجنرال‭ ‬جياب‭ ‬الذي‭ ‬هزم‭ ‬الاستعمار‭ ‬الفرنسي‭ ‬في‭ ‬فيتنام‭ ‬ولا‭ ‬يذكرون‭ ‬أسماء‭ ‬الجنرالات‭ ‬الذين‭ ‬واجهوه‭. ‬يذكر‭ ‬الناس‭ ‬نيلسون‭ ‬مانديلا‭ ‬ولم‭ ‬يعودوا‭ ‬يذكرون‭ ‬قادة‭ ‬الفصل‭ ‬العنصري‭ ‬وحلفاء‭ ‬حكام‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الزمان‭. ‬وفي‭ ‬النهاية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للشرّ‭ ‬أن‭ ‬ينتصر،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للمستعمرين‭ ‬الكبار،‭ ‬والصغار،‭ ‬أن‭ ‬يفهموا‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬تأتي‭ ‬الشعوب‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬الصمود،‭ ‬والنضال،‭ ‬والمقاومة‭.‬

 

{‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬لحركة

المبادرة‭ ‬الوطنية‭ ‬الفلسطينية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا