في أواخر التسعينيات، ناقش معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، الذي يتمتّع اللوبي الإسرائيلي بنفوذ واسع فيه، أطروحة جسَّدت الأطماع الإسرائيلية في المنطقة، كان عنوانها «الاحتواء المزدوج للعراق وإيران».
وكل ما رأيناه لاحقاً سار في ذلك الاتجاه، بعد أن كشفت الطغمة الصهيونية الحاكمة في إسرائيل نياتها، ليس فقط بضم كل الأراضي المحتلة، وتهويدها، بل أن تصبح القوة الإمبريالية المهيمنة في المنطقة عسكرياً واستخبارياً وسياسياً، واقتصادياً بالسيطرة على ثرواتها بالشراكة مع الولايات المتحدة.
ولم يعد نتنياهو يتورع أو يتردد عن إعلان تأييده رؤية إسرائيل الكبرى التي تضم كل فلسطين والأردن ولبنان وثلثي سورية ونصف العراق وثلث السعودية ونصف مصر. ولا يتورّع سفير ترامب الأمريكي في إسرائيل عن تأييد تلك الرؤية التوراتية المحرّفة، في ما يجسّد التحالف بين المسيحانية الصهيونية والصهيونية المشيخانية المتطرّفة، وكلاهما تياران أصوليان يريدان إفناء الفلسطينيين وتكريس كل فلسطين لليهود فقط.
وبعد فنزويلا وإيران، تبدو الأهداف الإمبريالية الأمريكية المتحالفة مع إسرائيل واضحة بالسيطرة على أهم مصادر الطاقة في العالم، وعلى ثروات شعوب المنطقة ودولها، في إطار ما أعلنته بجلاء في وثيقة «استراتيجية الأمن الوطني للولايات المتحدة» التي صدرت في نوفمبر الماضي، وأشارت صراحة إلى هدف «استعادة الهيمنة الأمريكية في مجال الطاقة باعتبارها أولوية استراتيجية قصوى». كما ذكرت أن هدفها «منع أي قوة معادية من الهيمنة على الشرق الأوسط وعلى موارد النفط والغاز فيه ونقاط عبور هذه الموارد»، فالغرض من كل هذه الحرب العدوانية ليس حماية العالم من سلاح نووي جديد، قد ينافس ترسانتي الأسلحة النووية الأمريكية والإسرائيلية الهائلة، بل تكريس الهيمنة الأمريكية على ثروات المنطقة ومصادر الطاقة فيها للحدّ من ظهور أي قوة عالمية منافسة، وضمن ذلك كله، دعم أطماع إسرائيل لتكون القوة المهيمنة على المنطقة وتصفية القضية الفلسطينية، وفرض التطبيع القسْري على الدول العربية مع دولة الاحتلال التي تواصل ارتكاب جرائم الحرب.
وقد أشار إلى هذه المخاطر كثيرون من مفكري المنطقة وقادتها صراحة أو ضمناً، فالحقائق لم تعد خافية على أحد، والمسار أوضح من أن تخفيه الادعاءات الأيديولوجية، وحتى ما يختفي أحياناً بعض الوقت، يسارع الرئيس الأمريكي إلى فضحه بتصريحاته المتغطرسة.
أما الادعاءات الكاذبة بمناصرة الحقوق الديمقراطية للشعوب، فتعريها الوثيقة الأمريكية نفسها التي تنصّ، تحت عنوان «الواقعية المرنة»، على «السعي إلى علاقات تجارية سلمية مع دول العالم من دون فرض الديمقراطية أو أي تغييرات اجتماعية أخرى عليهم تختلف جذرياً عن تقاليدهم وتاريخهم».
وإذاً، يدور الحديث عن «تغيير الأنظمة» لصالح المصالح الإسرائيلية والأمريكية، وليس لصالح حق الشعب الإيراني وباقي الشعوب في ممارسة الديمقراطية كما يُدعى. ولو كان هناك أي أساس أخلاقي لكل هذه السياسات والاعتداءات، لذُكرت حقوق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير، وهي حقوقٌ لا مكان لها في تلك السياسات.
لم يعد هناك خلاف على أن المحرّك والمخطّط لهذه الحرب التي تعصف بشعوب ومصالح المنطقة، وفي مقدمتها الشعوب والدول العربية، هو نتنياهو والطغمة الحاكمة في إسرائيل. ولذلك تتعاظم في الولايات المتحدة الاحتجاجات على هذه الحرب، ليس فقط في مجلسي الكونجرس، بل وداخل إدارة ترامب نفسها. وجاءت استقالة رئيس المركز الوطني لمكافحة الإرهاب في الإدارة الأمريكية جو كينت لتكون خير معبر عن هذا، وقد قال في بيانها إنه «يرفض تأييد الحرب الدائرة مع إيران لأنه من الواضح أننا بدأنا هذه الحرب نتيجة ضغوط إسرائيل ولوبيها القوي في الولايات المتحدة».
وبعد رفض حلفاء الولايات المتحدة الانجرار وراء انجرار ترامب وإدارته خلف نتنياهو ومؤامراته، وصل الأمر بترامب إلى مهاجمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ووصفه بارتكاب «خطأ غبيٍّ للغاية»، لعدم رغبته مشاركة الولايات المتحدة هذه الحرب لفتح مضيق هرمز. بل وصل الأمر بأحد أقرب حلفاء إسرائيل وترامب الأوروبيين، المستشار النمساوي كريستيان شتوكر، إلى القول «إن أوروبا لن تخضع للابتزاز للانخراط في الحرب الأمريكية الإسرائيلية في الشرق الأوسط». أما وزير خارجية البلد الوسيط، سلطنة عُمان، بدر بن حميد البوسعيدي، فكتب في مقال له في صحيفة إيكونوميست ملمّحاً إلى التحريض الإسرائيلي «الولايات المتحدة فقدت السيطرة على سياستها، وواشنطن انجرّت إلى الحرب، وارتكبت أخطاء جسيمة في التقدير بشكل كبير. هذه الحرب لا يمكن اعتبارها مشروعة، ولا يمكن تبريرها».
وإثر هذا الرفض للانجرار إلى الحرب، تعمَّد نتنياهو ارتكاب تصعيد خطير جديد بقصف حقل الغاز المشترك بين إيران وقطر، وهو من أهم مصادر الطاقة في العالم، بغرض إلحاق الأذى بالبلدين، وكل دول المنطقة والاقتصاد العالمي. وهو فعل أدّى إلى إدانات عالمية، بما في ذلك من إسبانيا ودول عديدة أخرى.
يقول زبيجنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي السابق في إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر، في كتابه «الفرصة الثانية»، إن «الولايات المتحدة تواجه المعضلة نفسها التي تواجهها إسرائيل مع المحيط العربي، ولكن على نطاق أوسع، إذ إن كليهما يفتقر إلى الوسائل لفرض حل أحادي دائم يمليه تعريفه الخاص لأهدافه ومصالحه»، مؤكّداً «أنه لا يمكن تجاوز طموح الشعوب أولاً إلى الكرامة الإنسانية، وثانياً إلى الديمقراطية والحرية وثالثاً إلى العدالة الاجتماعية، وأن اليقظة السياسية مناهضة للإمبريالية دائما».
ويضيف في الكتاب نفسه إن عصر الإمبراطوريات التقليدية ولّى، وعمر الإمبراطوريات أصبح قصيراً للغاية بالمقارنة مع الماضي، وما استغرق عقداً في السابق أصبح يحدث في سنة واحدة، مؤكّداً أن من سمات الإمبريالية الحديثة أن «قدرتها على التدمير أكبر من قدرتها على السيطرة»، والسيطرة العالمية الخرقاء لدولة واحدة، كما يقول الأمريكي بريجنسكي، لن تدوم.
ليس واضحاً بعد كيف ستنتهي المغامرة الإسرائيلية والأمريكية الجديدة، وإن كان واضحاً أنها تلحق أضراراً خطيرة وجسيمة، ليس فقط بإيران ولبنان بعد فلسطين، بل وأيضاً بدول الخليج العربي ومصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية، بل تلحق دماراً بالاقتصاد العالمي، بما في ذلك الاقتصاد الأمريكي.
أما القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي اللذين سبق أن ذُبحا في غزّة، ويتواصل ذبحهما اليوم في الضفة الغربية والقدس، فلم يعد لهما وجود في العُرف الإسرائيلي، ولا في ممارسات إدارة ترامب. وفي هذه الأثناء، تواصل عصابات الإرهاب الاستيطانية البطش بالضفة الغربية وبسكانها من دون حسيب أو رقيب، ومن دون أي انتباه إعلامي لما يجري. ولولا صمود الشعب الفلسطيني وبسالته وإصراره على البقاء في وطنه لشهدنا تكراراً لجريمة النكبة التي وقعت في 1948.
ما يجري في منطقتنا ليس خلافاً أيديولوجياً، ولا حتى مجرّد تنافس مصالح، إنه الصراع بين الحق والباطل، وبين الظلم والعدل... كثيرون لم يتعلموا من عِبَر التاريخ، ولا من فشل المستعمرين، ولكن البشرية تتعلم. يذكر الناس عمر المختار، ولا يذكر أحد اسم الجنرال الإيطالي الذي أعدمه. ويذكُرون الجنرال جياب الذي هزم الاستعمار الفرنسي في فيتنام ولا يذكرون أسماء الجنرالات الذين واجهوه. يذكر الناس نيلسون مانديلا ولم يعودوا يذكرون قادة الفصل العنصري وحلفاء حكام إسرائيل في ذلك الزمان. وفي النهاية لا يمكن للشرّ أن ينتصر، كما لا يمكن للمستعمرين الكبار، والصغار، أن يفهموا من أين تأتي الشعوب بالقدرة على الصمود، والنضال، والمقاومة.
{ الأمين العام لحركة
المبادرة الوطنية الفلسطينية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك