أن تتحول أهداف النزاع الحالي (مارس 2026) ما بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى من اليورانيوم المخصب والصواريخ البالستية إلى التحكم في مضيق هرمز، فهذا يعني أحد أمرين؛ أولهما: إن أطراف النزاع لا يعرفون ما أهدافهم من كل هذا الذي يجري، والثانية: إن أهداف أطراف الصراع كانت تدور في المقام الأول حول التحكم والسيطرة على دول الخليج العربي وثرواتها وإنسانها، فلا نعتقد أنه من قبيل الصدفة أن تتحول أهداف الصراع بهذه الطريقة الدراماتيكية من غير رؤية ولا وضوح.
فمضيق هرمز يُعد واحدًا من أهم الممرات المائية في العالم من الناحيتين التاريخية والاستراتيجية. فهذا المضيق يربط بين الخليج العربي وخليج عمان، مشكلاً المنفذ البحري الوحيد لدول الخليج نحو المحيط الهندي والعالم الخارجي. وتشير الدراسات التاريخية أنه عبر آلاف السنين، لم يكن المضيق مجرد ممر للسفن، بل كان مسرحًا لصراعات القوى العظمى وموطنًا لممالك بحرية أثرت التجارة العالمية.
ما أهمية مضيق هرمز من الناحية الاقتصادية والجيوسياسية؟
أولاً: الأهمية الاقتصادية، يُصنف مضيق هرمز كأهم نقطة اختناق مائي في العالم لتجارة النفط والغاز، فهو شريان الطاقة العالمي، وتتجلى أهميته الاقتصادية في النقاط التالية:
{ حجم تدفقات الطاقة؛ تعبر المضيق يوميًا ما بين 17 إلى 21 مليون برميل من النفط الخام والمكثفات، وهو ما يعادل نحو من 20% إلى 25% من إجمالي استهلاك النفط العالمي المنقول بحرًا.
{ الغاز الطبيعي المسال؛ يُعد المضيق الممر الوحيد لصادرات الغاز الطبيعي المسال من دولة قطر، وهي واحدة من أكبر المصدرين في العالم، مما يجعله حيويًا لأمن الطاقة في أوروبا وآسيا.
{ الوجهات الرئيسية؛ يتجه نحو 80% من النفط الذي يمر عبر المضيق إلى الأسواق الآسيوية، وخاصة الصين، الهند، اليابان، وكوريا الجنوبية، مما يربط استقرار هذه الاقتصادات الكبرى بسلامة الملاحة في المضيق.
{ تأثير الأسعار: أي تهديد بإغلاق المضيق يؤدي فورًا إلى قفزات حادة في أسعار النفط العالمية، مما قد يتسبب في أزمات تضخمية عالمية وهزات في أسواق المال.
ثانيًا: الأهمية السياسية والجيوسياسية، من الناحية السياسية فإن مضيق هرمز يُعد ترمومترًا للتوترات الدولية في منطقة الشرق الأوسط، وتبرز أهميته السياسية من خلال:
{ أداة ضغط استراتيجي؛ تستخدم الدول المطلة على المضيق، وخاصة إيران، موقعها الجغرافي كأداة للضغط السياسي في مفاوضاتها الدولية، ملوِّحة بقدرتها على تعطيل الملاحة في حال تعرض مصالحها للخطر.
{ الصراع الدولي والإقليمي؛ المضيق هو نقطة تماس مباشرة بين المصالح الإقليمية (دول الخليج وإيران) والمصالح الدولية (الولايات المتحدة، الصين، والاتحاد الأوروبي). وتوجد القوى البحرية الدولية بشكل مستمر في المنطقة لتأمين حرية الملاحة.
{ القانون الدولي للبحار؛ يخضع المضيق لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تضمن (حق المرور العابر) للسفن التجارية والحربية، وهو مبدأ سياسي وقانوني يثير نقاشات مستمرة حول سيادة الدول الساحلية مقابل حرية التجارة العالمية.
{ التحالفات الأمنية؛ أدى القلق من إغلاق المضيق إلى تشكيل تحالفات أمنية بحرية دولية مثل التحالف الدولي لأمن وحماية الملاحة البحرية بهدف ضمان تدفق الطاقة، مما يعكس البعد السياسي العميق لهذا الممر المائي.
وباختصار، فقد اكتسب المضيق أهمية جيوسياسية لا مثيل لها، فهو يمثل الممر الرئيسي لناقلات النفط المتجهة من دول الخليج العربي إلى الأسواق العالمية، مما يجعله نقطة حساسة جدًا في الأمن القومي لدول الخليج العربية والعالمي.
أهمية مضيق هرمز لدول الخليج العربي.. قلنا إن المضيق يُعد الممر الاستراتيجي الوحيد الذي يربط الخليج العربي ببحر عمان والمحيط الهندي، ولا يقتصر تأثير إغلاق المضيق على صادرات النفط والغاز فحسب، بل يمتد ليشمل الأمن الغذائي لدول الخليج، إذ تستورد هذه الدول ما يتراوح ما بين 85% إلى 90% من احتياجاتها الغذائية عبر هذا المضيق، وهذا يعني أن أي تعطيل للملاحة فيه سيؤدي إلى نقص حاد في الإمدادات الغذائية وارتفاع كبير في الأسعار، مما يشكل تهديدًا مباشرًا لاستقرار المنطقة.
تعتبر إيران مضيق هرمز جزءًا من مياهها الإقليمية، وتستند في موقفها إلى أنها لم تصادق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982. وبناءً على ذلك، فإنها لا تعترف بمبدأ (حق المرور العابر) للسفن الحربية أو التجارية غير الصديقة أو المعادية في مياهها الإقليمية بالمضيق.
وفي مارس 2026، قامت إيران بفرض (نظام عبور انتقائي)، وهذا يتطلب تنسيقًا مسبقًا لعبور السفن، ووصلت تقديراتها في بعض التقارير إلى دفع مبلغ قدره حوالي 2 مليون دولار لكل رحلة، وتشير التقديرات أن هذا المطلب ليس مجرد إجراء مالي، بل هو تحول جذري في الجيوسياسة البحرية، مما يمثل تهديدًا مباشرًا لحرية الملاحة الدولية والسيطرة الاقتصادية للدول الخليجية الأخرى، وهذه الإجراءات تتعارض مع مبادئ القانون الدولي التي تضمن حرية الملاحة في المضائق الدولية.
ماذا يعني ذلك من الناحية القانونية والسياسية؟
أولاً: ماذا يعني هذا المطلب من الناحية القانونية؟
يصطدم المطلب الإيراني بشكل مباشر مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) لعام 1982، وتحديدًا المبادئ التالية:
{ حق المرور العابر؛ تنص المادة 38 من الاتفاقية على أن لجميع السفن والطائرات حق (المرور العابر) الذي لا يجوز إعاقته في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية.
{ حظر فرض الرسوم؛ تمنع المادة 26 من الاتفاقية الدول الساحلية من فرض أي رسوم على السفن الأجنبية لمجرد مرورها في البحر الإقليمي، إلا في حالة تقديم خدمات محددة (مثل الإرشاد أو الإنقاذ) وبشكل غير تمييزي.
{ التبرير الإيراني؛ تحاول طهران الالتفاف على القانون الدولي بادعاء أن هذه الرسوم هي مقابل خدمات أمنية وحماية الملاحة من الأخطار، وهو تبرير يرفضه المجتمع الدولي كونه يشير إلى الجباية القسرية في ممر دولي.
ثانياً: الأبعاد السياسية والاستراتيجية.. يعكس هذا المطلب رغبة إيران في تحقيق عدة أهداف، منها:
{ تكريس السيطرة الكاملة؛ تسعى إيران إلى تحويل المضيق من ممر دولي إلى ممر إيراني يخضع لإرادتها المنفردة، مما يمنحها سلطة الفيتو على من يمر ومن لا يمر.
{ أداة للالتفاف على العقوبات؛ تمثل هذه الرسوم – إذا فُرضت – موردًا ماليًا ضخمًا بمليارات الدولارات سنويًا، بعيدًا عن الرقابة الدولية على صادرات النفط، مما يساعدها في تمويل ميزانيتها في ظل الحصار الاقتصادي.
{ الانتقام الجيوسياسي؛ استهداف سفن الدول المعادية أو حلفاء الولايات المتحدة بفرض رسوم باهظة عليها، بينما يتم إعفاء سفن الدول الصديقة، مما يخلق نظام ملاحة انتقائي وتمييزي.
ثالثاً: التداعيات الاقتصادية العالمية
إذا نجحت إيران في فرض هذه الرسوم، فسيؤدي ذلك إلى:
{ ارتفاع تكاليف الطاقة؛ ستضاف هذه الرسوم مباشرة إلى سعر برميل النفط وتكلفة شحن الغاز، مما يرفع أسعار الوقود والكهرباء عالميًا.
{ زيادة تكاليف التأمين البحري؛ مجرد وجود نظام جباية قسري مدعوم بتهديد عسكري سيرفع أقساط التأمين على السفن لمستويات قياسية.
{ اضطراب سلاسل الإمداد؛ قد تلجأ شركات الشحن إلى مسارات أطول وأكثر تكلفة لتجنب المضيق، أو تدخل في نزاعات قانونية تعطل تدفق البضائع.
وهذا يعني بكل بساطة أن المطلب الإيراني بفرض رسوم في مضيق هرمز هو محاولة لإعادة تعريف القانون الدولي بالقوة الجغرافية، وهو ليس مجرد ضريبة عبور، بل هو (إعلان سيادة) يهدف إلى انتزاع اعتراف دولي بمكانة إيران كشرطي وحيد للمضيق، وهو ما يضع العالم أمام خيارين: إما القبول بنظام ملاحي جديد تقوده طهران، أو المواجهة العسكرية لكسر هذا الحصار القانوني والمالي.
ما الذي يجب أن تفعله دول الخليج العربي؟
في ظل هذه الرغبة المتعطشة للسيطرة على هذا الممر البحري الضيق، فإن على دول مجلس التعاون أن تفكر هي الأخرى في مستقبلها ومستقبل شعوبها، فليس من المقبول أن تتحكم فيه دولة واحدة مثل إيران، بينما تبقى دول مجلس التعاون الستة بالإضافة للعراق تحت رحمة هذه السيطرة غير المنصفة، إذن ماذا يمكنها أن تفعل؟
وإن كنا لا نشك في قدرات قادتنا في دول مجلس التعاون على تقديم الاقتراحات والآراء المنصفة المستدامة، إلا أنه لا يمنع من ضرورة التفكير في بعض البدائل الاستراتيجية (الحلول الجيو – اقتصادية)؛ وتتمثل هذه الحلول في تطوير مسارات بديلة لنقل النفط والغاز والسلع بعيدًا عن مضيق هرمز، لتقليل الاعتماد عليه. وتشمل هذه البدائل توسيع خطوط الأنابيب القائمة، وإنشاء مشاريع جديدة، وتطوير موانئ بديلة. وهذا يعني تقليل الاعتماد على المضيق، إلا أن تكاليف الإنشاء باهظة، وتحتاج إلى وقت طويل لعمل البنية التحتية، وتبقى الحاجة إلى المضيق مستمرة.
إن مضيق هرمز ليس مجرد قضية تقنية أو ملاحية، بل هو قلب الصراع الحالي على النفوذ في الشرق الأوسط، وإن غياب الدور العربي الفاعل في المفاوضات يعني ترك مصير شريان الحياة الاقتصادي لدول المنطقة بيد قوى خارجية، وهو ما لم يعد مقبولاً في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة.
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك