مازال الرأي العام الأمريكي يتحدث عما قاله وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو حين أقرّ أمام مجلس الشيوخ بأن الولايات المتحدة دخلت الحرب بعد قرار إسرائيلي بمهاجمة إيران، وأنه «لم يكن بالإمكان ترك إسرائيل وحدها».
جدير بالذكر أن كلفة الحرب حتى الآن تجاوزت 20 مليار دولار، وتضيف مليار دولار يوميًا، كما أسفرت عن مقتل 13 جنديًا أمريكيًا حتى الآن، وهو ما يزيد من الضغوط الداخلية على إدارة ترامب. ومع قرب دخول الحرب أسبوعها الخامس من دون حسم عسكري واضح، ومع زيادة شعور الأمريكيين بتأثير القتال في الشرق الأوسط على حياتهم اليومية مع ارتفاع كلفة وقود السيارات بما يقرب من 30%، وما يتبعه من ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمعيشية الأساسية، أصبح ملفتًا علنية إلقاء اللوم على إسرائيل بالاسم، وهو ما يمثل سابقة مهمة لم تعد مقتصرة على أحاديث الغرف المغلقة.
من جانبها، ومنذ بدء الهجمات على إيران، عبأت شبكات اللوبي الإسرائيلي، المباشرة وغير المباشرة، والممثلة في عدد من مراكز الأبحاث منها معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، أو مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أو منظمات حقوقية وغير حزبية، تدعم السرديات الإسرائيلية كمؤسسة مكافحة التشويه، أو جهات إعلامية كمجلس تحرير صحيفة وول ستريت جورنال، لتكرر عدة نقاط مهمة لإبعاد شبهة توريط إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو للولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترامب في حرب بالاختيار وليست حربًا بالاضطرار.
وتكرر هذه الجهات ما تعتبره واحدة من أكثر الأكاذيب استمرارًا وتداولًا في الخطاب السياسي الأمريكي، وهي الادعاء بأن هذه الحرب هي «من أجل إسرائيل». وتؤكد هذه اللوبيات أن «هذه ليست حرب إسرائيل، بل هي حرب أمريكا، فرضها ما يقرب من نصف قرن من العدوان الإيراني، وسفك الدماء، وأخذ الرهائن، والكراهية الأيديولوجية الموجهة أولًا وقبل كل شيء نحو الولايات المتحدة».
كما تستدعي هذه اللوبيات حديث التاريخ المنتقى بعناية، ويقولون: «لم تبدأ الجمهورية الإسلامية الإيرانية عداءها لأمريكا بسبب إسرائيل، بل بدأ العداء منذ أيام الثورة الأولى في عام 1979، في اللحظة التي استولى فيها رجال الدين على السلطة، قبل وقت طويل من اتهام أي رئيس أمريكي حديث بالتصرف بناء على طلب إسرائيل. وانه منذ اليوم الأول عرف النظام الإيراني نفسه من خلال كراهيته للولايات المتحدة، واصفًا إياها بالشيطان الأكبر، وجعل المواجهة مع أمريكا ركيزة مركزية لهويته الثورية».
ولا يتوقف هذا التيار عن استدعاء أزمة رهائن السفارة الأمريكية بطهران، وصولًا الى ما يعتبرونه دعمًا إيرانيًا لهجمات أسفرت عن تفجير ثكنات مشاة البحرية الأمريكية في بيروت عام 1983، وقتل فيه 241 جنديًا أمريكيًا، إضافة الى ما يرونه دورًا إيرانيًا من خلال تزويد المليشيات المدعومة من إيران بقنابل توضع على جانب الطريق، قتلت وشوهت مئات الجنود الأمريكيين.
ويتهم اللوبي اليهودي معارضيه بأنهم، مع هذا السجل الإيراني المعادي لأمريكا، مازالوا يصرون على أن تحرك ترامب العسكري جاء «من أجل إسرائيل».
ومن بين الأصوات التي تركز إسرائيل على مهاجمتها شخصيات إعلامية نافذة مثل تاكر كارلسون، وكانديس أوينز، ونيكولاس فوينتس، وميجين كيلى، الذين روجوا بشكل مباشر أو غير مباشر لسردية أن السياسة الأمريكية تجاه إيران مدفوعة بمصالح إسرائيلية وليست أمريكية.
ويكرر أنصار إسرائيل أن الإيرانيين على مدار ما يقرب من نصف قرن لا يهتفون «الموت لإسرائيل» وحدها، بل يهتفون كذلك «الموت لأمريكا» بحماس مماثل.
ويدعي اللوبي أن المنتقدين الذين يدعون أن الحرب على إيران تهدف إلى حماية إسرائيل يتجاهلون النقطة الأساسية، وهي أن «أمريكا تحمي نفسها»، إذ لا يمكن لأي دولة ذات سيادة أن تتسامح مع نظام قتل مواطنيه مرارًا، وهاجم مصالحه، وأخذهم كرهائن، وفي الوقت نفسه يسعى نحو امتلاك القدرة النووية.
وتدعى إسرائيل أن أنصار تيار «حرب إسرائيل» يهدفون إلى تشويه شرعية الهجمات الأمريكية على إيران، وتحويل اللوم بعيدًا عن المعتدي الحقيقي، وهو النظام الإيراني. ولا يغيب عن سرديات إسرائيل ولوبياتها الأمريكية التطرق إلى اتهام منتقديها بتغذية الشك والانقسام، وبالطبع «معاداة السامية».
وفي النهاية، من المثير أن تتزامن الحرب الأمريكية الإسرائيلية الجارية على إيران مع ذكرى مرور عشرين عامًا على نشر كتاب «لوبي إسرائيل وسياسة أمريكا الخارجية» لجون ميرشايمر وستيف والت في مارس 2006، والذي ركز على الدور الذي تلعبه جماعات اللوبي اليهودي في تشكيل «الخطاب السياسي» و«السياسات» الأمريكية تجاه إسرائيل.
وبعد عشرين عامًا، لم تتغير سياسات واشنطن الداعمة لإسرائيل مع استمرار هيمنة نفوذ اللوبي على دائرة صنع القرار الأمريكي، إلا أنه من المؤكد أن اللوبي اليهودي لم يتوقع أن تتغير السرديات داخل الولايات المتحدة لتصل الى درجة انحدار الدعم الشعبي الأمريكي لإسرائيل، خاصة بين الشباب الأمريكي، ما يبشر بتبعات عبء دعم إسرائيل على المرشحين من كلا الحزبين في السنوات القليلة القادمة.
{ كاتب صحفي متخصص
في الشؤون الأمريكية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك