شكّل انهيار حلف وارسو عقب تفكك الاتحاد السوفيتي لحظة فارقة في العلاقات الدولية الحديثة. وبدا وكأنه يؤكد انتصار نظام التحالفات القائم على قيم مشتركة مفترضة وعمق مؤسسي. أما بالنسبة إلى حلف الناتو، فإنه لم ينجُ فحسب من الحرب الباردة، بل تمكن من التوسّع شرقاً؛ مما عزّز الافتراض بأن التحالفات التي تقودها الولايات المتحدة ستصبح هي حجر الزاوية للأمن العالمي.
إلا أن هذا الافتراض - وبعد ثلاثة عقود- يواجه ضغوطاً شديدة. فقد كشف صعود الدبلوماسية الأحادية الجانب -والتي ارتبطت بشكل واضح بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب- عن نقاط ضعف هيكلية في نظام التحالفات. وأثار رد فعل أوروبا تجاه نهج ترامب التصادمي بشأن تقاسم أعباء حلف الناتو، وأوكرانيا، وجرينلاند، ومجلس السلام، والمؤسسات المتعددة الأطراف، وحتى الضمانات الأمنية الأساسية؛ سؤالاً جوهرياً هو: هل سيختفي مفهوم التحالف في عالم يتسم بتصاعد الأحادية والديناميكيات المتعددة الأقطاب، أم أنه ببساطة سيخضع لتحوُّل كبير؟
لا يمكن استبعاد أي احتمال، ومن السابق لأوانه الجزم بأن حلف الناتو سينهار على غرار حلف وارسو. ومع ذلك، فليس من المبالغة القول إن مصداقية حلف الناتو صارت موضع تساؤل، وأن مفهوم التحالفات بات بالفعل يُعاد تشكيله جذرياً. فمن الملاحظ أن العالم اليوم يتجه نحو الابتعاد عن التحالفات الاستراتيجية الدائمة القائمة على القيم، ويتجه نحو ترتيبات أمنية مشروطة ومحددة القضايا وقائمة على المعاملات. ومن المتوقع أن يكون لهذا التحول تداعيات خطرة على النظام العالمي والإقليمي، ولا سيما في أوروبا والشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ضغوط هيكلية على «الناتو»:
كان حلف وارسو يمثل نظاماً أمنياً هرمياً بين دول أوروبا الشرقية، وتم الإبقاء عليه بالقوة العسكرية والانضباط الأيديولوجي. ولكن بمجرد تفكك الاتحاد السوفيتي؛ انهار هذا النظام بسرعة وبشكل لا رجعة فيه؛ مما اعتبر مؤشراً واضحاً على هشاشة هذا التحالف.
ولكن بالنظر إلى حلف الناتو، فإنه يستند إلى أسس مختلفة عن حلف وارسو فهو يقوم على: العضوية الطوعية، وصنع القرار المؤسسي، وتصورات للتهديد المشترك، وفي المقام الأول قيادة أمريكية. فعلى مدى عقود، قامت واشنطن بتحمل تكاليف باهظة في مواجهة تهديدات وجودية محتملة من الاتحاد السوفيتي في مقابل الإبقاء على النفوذ الاستراتيجي والاستقرار النظامي. ولم يكن هذا التحالف قائماً على المصالح المادية فحسب، بل على الاعتقاد بأن التحالفات تشكل منفعة عامة حقيقية.
ومن ثم فإن ما قام به ترامب مؤخراً من زعزعة لاستقرار حلف الناتو لم يكن متعلقاً بشكل خاص بالبنية العسكرية للحلف؛ بل الأهم من ذلك أنه صدّع الافتراضات المعيارية التي تقوم عليها قيادة الولايات المتحدة للحلف. فمن خلال تشكيكه علناً في التزامات الولايات المتحدة بالمادة الخامسة، ووصفه للحلفاء بأنهم «مستفيدون مجاناً»، وربطه الضمانات الأمنية بالمساهمات المالية، وتحديده للمصالح الأمنية الأمريكية بشكل مختلف -حتى ولو على حساب حلفاء الناتو الآخرين- حوّل ترامب التحالف بين دول الناتو من التزامات سياسية استراتيجية إلى وجهات نظر تكتيكية، بل وحتى عقود تجارية.
وقد أوضحت خطابات ترامب وإشاراته السياسية الأخيرة أن الرؤى المشتركة والحماية الجماعية لم تعد تلقائية بل مشروطة. وقد عكس رفض دول أوروبا لرؤى ترامب بشأن جرينلاند وأوكرانيا ومقترحه بشأن مجلس السلام مدى قلق وتصميم أعضاء الناتو الآخرين. وبالرغم من أن مؤسسات الناتو ما زالت قائمة؛ فإن مصداقية الرؤى المشتركة والضمانات الأمريكية غير المشروطة – والتي لطالما شكلت الرادع الأخير للحلف- لم تعد أمراً مسلما به.
هل يختفي نظام التحالف؟
الجواب هو لا، لن يختفي، ولكن نموذج التحالف الكلاسيكي الذي طالما عرفناه في السابق سيتآكل ويتغير. فالتحالفات التقليدية لطالما اتسمت بالالتزامات طويلة الأمد، والترابط الأيديولوجي/المعياري، والضمانات الأمنية التي يمكن التنبؤ بها، ووضوح الخصوم. أما البيئة الاستراتيجية الحالية؛ فإنها وللأسف تقوض كل هذه العناصر. فالتهديدات منتشرة ومتداخلة، والسلطة موزعة بشكل أكثر توازناً، والسياسة الداخلية مؤثرة بشكل متزايد في السياسة الخارجية، والقوى الكبرى أقل استعداداً لتحمل التكاليف النظامية للحفاظ على النظام العام.
ولذا، فبدلاً من أن تختفي أنظمة التحالفات على الفور، صارت تتحول إلى ترتيبات مشروطة وانتقائية وقائمة على الترتيبات/المصالح المتبادلة. ولا يُعد هذا انحرافاً/اضطراباً مؤقتاً في عهد ترامب. بل تشير العوامل الهيكلية - كالتراجع النسبي للقوة الأمريكية، وصعود الصين، والضغوط المالية، والاستقطاب الداخلي- إلى أن الإدارات المستقبلية ستجد صعوبة أكبر في الحفاظ على التزامات التحالفات على غرار الحرب الباردة.
ثمة بدائل ناشئة في السياسة العالمية للتحالفات التقليدية، من أبرز أنماطها ما يلي:
1- التحالفات الصغيرة والوظيفية: تشمل البدائل الناشئة للتحالفات التقليدية التحالفات الصغيرة المتعددة الأطراف والتحالفات الوظيفية. وتعطي هذه التجمعات الجديدة الصغيرة والمرنة التي تتمحور حول تهديدات أو وظائف محددة - مثل أطراف الحوار الأمني الرباعي «كواد» (الولايات المتحدة، اليابان، الهند، أستراليا)، وتحالف أوكوس (أستراليا، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة)، وتحالف الراغبين الداعم لأوكرانيا- الأولوية للسرعة، وتوافق المصالح، والفعالية العملياتية، بدلاً من العضوية الواسعة.
وتعكس ترتيبات هذه التجمعات الجديدة اعتقاداً بأن التحالفات الكبيرة أصبحت بطيئة للغاية ومقيدة سياسياً في مواجهة التحديات الأمنية الراهنة. ورغم أن مجموعة بريكس (التي كانت في الأصل تضم كلاً من: البرازيل، وروسيا، والهند، وجنوب إفريقيا، وما زالت في طور النمو) لا تُصنف كتحالف؛ فإنها في نهاية المطاف تسعى إلى مواجهة المواقف الحصرية في الشؤون العالمية ولو جزئياً. ومع ذلك، فإن التحالفات المصغرة تنطوي على مخاطر هي الأخرى، فالتحالفات من هذا النوع تفتقر إلى العمق المؤسسي، وقد تتفكك تحت الضغط، وقد تُفاقم الإقصاء والتنافس بين الكتل.
2- الاستقلال الاستراتيجي والتحوط: ثمة بديل آخر للتحالفات التقليدية، ولا سيما بين القوى المتوسطة، يتمثل في السعي إلى تحقيق الاستقلال الاستراتيجي. ومن أمثلة هذا الاتجاه التركيز المستمر للاتحاد الأوروبي على القدرات الدفاعية، والنقاشات الدائرة حول ركيزة أمنية أوروبية مستقلة، وتراجع الاعتماد على القيادة الأمريكية. وتظهر ديناميكيات مماثلة في منطقة الخليج وجنوب شرق آسيا وجنوب آسيا، حيث تقوم الدول بشكل متزايد بتعزيز قدرات الأمن القومي لديها وتنوع شراكاتها الأمنية بدلاً من قيامها بالاعتماد على جهة واحدة. وما يتبلور هنا لا يتعلق بالحياد بقدر ما يتعلق بالتحوّط؛ أي الحفاظ على المرونة في نظام مُجزّأ. وبينما يُعزز هذا النهج الاستقلالية؛ فإنه يُعرّض الدول في الوقت نفسه لفجوات في القدرات وتحديات في التنسيق أثناء الأزمات.
تداعيات دولية وإقليمية خطرة:
على المستوى العالمي، يُؤدي تآكل اليقين في التحالفات إلى التحول من نظام قائم على القواعد إلى نظام قائم على المساومة / التفاوض. فتبقى المؤسسات قائمة، ولكن سياسات القوة هي التي تُحدد النتائج بشكل متزايد. ويصبح الردع أقل استقراراً مع تداخل الخطوط الحمراء وتزايد الشروط على الالتزامات. وتصبح إدارة الأزمات أكثر صعوبة في بيئة تعتمد فيها السيطرة على التصعيد على إشارات غامضة بدلاً من ضمانات قاطعة. ففي مثل هذا النظام، لا يكمن الخطر في استمرار الصراع؛ بل في سوء التقدير المتكرر، حين قد تُسيء الدول تقدير مدى استعداد حلفائها للتدخل فعلياً.
في آسيا على سبيل المثال، تتشكل شبكات أمنية كثيفة ولكن هشة في مقابل تصاعد الصين. ويعكس غياب هياكل شبيهة بحلف الناتو في المنطقة الحساسيات التاريخية والحذر الاستراتيجي. فبينما يتوسع التعاون بين الدول الآسيوية، تبقى الضمانات الرسمية محدودة؛ مما يزيد من مخاطر سوء الفهم في أوقات الأزمات المتعلقة بتايوان أو بحر الصين الجنوبي. وليس من قبيل المصادفة أن العلاقات اليابانية الصينية قد بلغت درجة عالية من التوتر خلال هذه الفترة المضطربة للتحالفات.
تحالفات أكثر نفعية وأقل أيديولوجية:
وفي الختام، إن نظام التحالفات اليوم لن ينهار بالطريقة الدرامية التي انهار بها حلف وارسو سابقاً. ولكن التحولات الهيكلية في السلطة والسياسة الداخلية والثقافة الاستراتيجية تُعيد تشكيله بالفعل. فلا يزال حلف الناتو قوياً عسكرياً، ولكن أسسه السياسية باتت أضعف. فالتحالفات ستستمر، ولكنها ستكون أقل تلقائية، وأقل أيديولوجية، وأكثر نفعية. إن النظام الناشئ اليوم يتسم بأنه مُجزّأ، ومشروط، وغامض. والدول التي تُحصّن نفسها، وتُنوّع شراكاتها، وتبني قدرات مستقلة هي من ستكون في وضع أفضل للتكيف معه. أما تلك التي تعتمد على افتراضات عفا عليها الزمن فقد تجد نفسها مكشوفة الظهر.
إن نظام التحالفات الذي ساد من بعد عام 1945 لن يختفي، ولكن عهد الضمانات المطلقة واليقين المؤسسي هو من يقترب من نهايته. وما سيحل محله سيحدد النظام العالمي والإقليمي لعقود مقبلة.
{ الأمين العام الجديد
لجامعة الدول العربية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك