العدد : ١٧٥٤٠ - الأربعاء ٠١ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٤٠ - الأربعاء ٠١ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

المشهد العالمي وإعادة تشكيل التحالفات الدولية

بقلم: د. نبيل فهمي

الثلاثاء ٣١ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

شكّل‭ ‬انهيار‭ ‬حلف‭ ‬وارسو‭ ‬عقب‭ ‬تفكك‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬لحظة‭ ‬فارقة‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬الحديثة‭. ‬وبدا‭ ‬وكأنه‭ ‬يؤكد‭ ‬انتصار‭ ‬نظام‭ ‬التحالفات‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬قيم‭ ‬مشتركة‭ ‬مفترضة‭ ‬وعمق‭ ‬مؤسسي‭. ‬أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬حلف‭ ‬الناتو،‭ ‬فإنه‭ ‬لم‭ ‬ينجُ‭ ‬فحسب‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬بل‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬التوسّع‭ ‬شرقاً؛‭ ‬مما‭ ‬عزّز‭ ‬الافتراض‭ ‬بأن‭ ‬التحالفات‭ ‬التي‭ ‬تقودها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ستصبح‭ ‬هي‭ ‬حجر‭ ‬الزاوية‭ ‬للأمن‭ ‬العالمي‭.‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الافتراض‭ - ‬وبعد‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود‭- ‬يواجه‭ ‬ضغوطاً‭ ‬شديدة‭. ‬فقد‭ ‬كشف‭ ‬صعود‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الأحادية‭ ‬الجانب‭ -‬والتي‭ ‬ارتبطت‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬بالرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭- ‬عن‭ ‬نقاط‭ ‬ضعف‭ ‬هيكلية‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬التحالفات‭. ‬وأثار‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬أوروبا‭ ‬تجاه‭ ‬نهج‭ ‬ترامب‭ ‬التصادمي‭ ‬بشأن‭ ‬تقاسم‭ ‬أعباء‭ ‬حلف‭ ‬الناتو،‭ ‬وأوكرانيا،‭ ‬وجرينلاند،‭ ‬ومجلس‭ ‬السلام،‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المتعددة‭ ‬الأطراف،‭ ‬وحتى‭ ‬الضمانات‭ ‬الأمنية‭ ‬الأساسية؛‭ ‬سؤالاً‭ ‬جوهرياً‭ ‬هو‭: ‬هل‭ ‬سيختفي‭ ‬مفهوم‭ ‬التحالف‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يتسم‭ ‬بتصاعد‭ ‬الأحادية‭ ‬والديناميكيات‭ ‬المتعددة‭ ‬الأقطاب،‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬ببساطة‭ ‬سيخضع‭ ‬لتحوُّل‭ ‬كبير؟

لا‭ ‬يمكن‭ ‬استبعاد‭ ‬أي‭ ‬احتمال،‭ ‬ومن‭ ‬السابق‭ ‬لأوانه‭ ‬الجزم‭ ‬بأن‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬سينهار‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬حلف‭ ‬وارسو‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فليس‭ ‬من‭ ‬المبالغة‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬مصداقية‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬صارت‭ ‬موضع‭ ‬تساؤل،‭ ‬وأن‭ ‬مفهوم‭ ‬التحالفات‭ ‬بات‭ ‬بالفعل‭ ‬يُعاد‭ ‬تشكيله‭ ‬جذرياً‭. ‬فمن‭ ‬الملاحظ‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬الابتعاد‭ ‬عن‭ ‬التحالفات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الدائمة‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬القيم،‭ ‬ويتجه‭ ‬نحو‭ ‬ترتيبات‭ ‬أمنية‭ ‬مشروطة‭ ‬ومحددة‭ ‬القضايا‭ ‬وقائمة‭ ‬على‭ ‬المعاملات‭. ‬ومن‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لهذا‭ ‬التحول‭ ‬تداعيات‭ ‬خطرة‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬والإقليمي،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬ومنطقة‭ ‬المحيطين‭ ‬الهندي‭ ‬والهادئ‭.‬

ضغوط‭ ‬هيكلية‭ ‬على‭ ‬‮«‬الناتو‮»‬‭:‬

كان‭ ‬حلف‭ ‬وارسو‭ ‬يمثل‭ ‬نظاماً‭ ‬أمنياً‭ ‬هرمياً‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬أوروبا‭ ‬الشرقية،‭ ‬وتم‭ ‬الإبقاء‭ ‬عليه‭ ‬بالقوة‭ ‬العسكرية‭ ‬والانضباط‭ ‬الأيديولوجي‭. ‬ولكن‭ ‬بمجرد‭ ‬تفكك‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي؛‭ ‬انهار‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬بسرعة‭ ‬وبشكل‭ ‬لا‭ ‬رجعة‭ ‬فيه؛‭ ‬مما‭ ‬اعتبر‭ ‬مؤشراً‭ ‬واضحاً‭ ‬على‭ ‬هشاشة‭ ‬هذا‭ ‬التحالف‭.‬

ولكن‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬حلف‭ ‬الناتو،‭ ‬فإنه‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬أسس‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬حلف‭ ‬وارسو‭ ‬فهو‭ ‬يقوم‭ ‬على‭: ‬العضوية‭ ‬الطوعية،‭ ‬وصنع‭ ‬القرار‭ ‬المؤسسي،‭ ‬وتصورات‭ ‬للتهديد‭ ‬المشترك،‭ ‬وفي‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭ ‬قيادة‭ ‬أمريكية‭. ‬فعلى‭ ‬مدى‭ ‬عقود،‭ ‬قامت‭ ‬واشنطن‭ ‬بتحمل‭ ‬تكاليف‭ ‬باهظة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬تهديدات‭ ‬وجودية‭ ‬محتملة‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬النفوذ‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬والاستقرار‭ ‬النظامي‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬التحالف‭ ‬قائماً‭ ‬على‭ ‬المصالح‭ ‬المادية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬التحالفات‭ ‬تشكل‭ ‬منفعة‭ ‬عامة‭ ‬حقيقية‭.‬

ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬ترامب‭ ‬مؤخراً‭ ‬من‭ ‬زعزعة‭ ‬لاستقرار‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬متعلقاً‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬بالبنية‭ ‬العسكرية‭ ‬للحلف؛‭ ‬بل‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬صدّع‭ ‬الافتراضات‭ ‬المعيارية‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬عليها‭ ‬قيادة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬للحلف‭. ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬تشكيكه‭ ‬علناً‭ ‬في‭ ‬التزامات‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بالمادة‭ ‬الخامسة،‭ ‬ووصفه‭ ‬للحلفاء‭ ‬بأنهم‭ ‬‮«‬مستفيدون‭ ‬مجاناً‮»‬،‭ ‬وربطه‭ ‬الضمانات‭ ‬الأمنية‭ ‬بالمساهمات‭ ‬المالية،‭ ‬وتحديده‭ ‬للمصالح‭ ‬الأمنية‭ ‬الأمريكية‭ ‬بشكل‭ ‬مختلف‭ -‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬حلفاء‭ ‬الناتو‭ ‬الآخرين‭- ‬حوّل‭ ‬ترامب‭ ‬التحالف‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬الناتو‭ ‬من‭ ‬التزامات‭ ‬سياسية‭ ‬استراتيجية‭ ‬إلى‭ ‬وجهات‭ ‬نظر‭ ‬تكتيكية،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬عقود‭ ‬تجارية‭.‬

وقد‭ ‬أوضحت‭ ‬خطابات‭ ‬ترامب‭ ‬وإشاراته‭ ‬السياسية‭ ‬الأخيرة‭ ‬أن‭ ‬الرؤى‭ ‬المشتركة‭ ‬والحماية‭ ‬الجماعية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تلقائية‭ ‬بل‭ ‬مشروطة‭. ‬وقد‭ ‬عكس‭ ‬رفض‭ ‬دول‭ ‬أوروبا‭ ‬لرؤى‭ ‬ترامب‭ ‬بشأن‭ ‬جرينلاند‭ ‬وأوكرانيا‭ ‬ومقترحه‭ ‬بشأن‭ ‬مجلس‭ ‬السلام‭ ‬مدى‭ ‬قلق‭ ‬وتصميم‭ ‬أعضاء‭ ‬الناتو‭ ‬الآخرين‭. ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬مؤسسات‭ ‬الناتو‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬قائمة؛‭ ‬فإن‭ ‬مصداقية‭ ‬الرؤى‭ ‬المشتركة‭ ‬والضمانات‭ ‬الأمريكية‭ ‬غير‭ ‬المشروطة‭ ‬–‭ ‬والتي‭ ‬لطالما‭ ‬شكلت‭ ‬الرادع‭ ‬الأخير‭ ‬للحلف‭- ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬أمراً‭ ‬مسلما‭ ‬به‭.‬

هل‭ ‬يختفي‭ ‬نظام‭ ‬التحالف؟

الجواب‭ ‬هو‭ ‬لا،‭ ‬لن‭ ‬يختفي،‭ ‬ولكن‭ ‬نموذج‭ ‬التحالف‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬الذي‭ ‬طالما‭ ‬عرفناه‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬سيتآكل‭ ‬ويتغير‭. ‬فالتحالفات‭ ‬التقليدية‭ ‬لطالما‭ ‬اتسمت‭ ‬بالالتزامات‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد،‭ ‬والترابط‭ ‬الأيديولوجي‭/‬المعياري،‭ ‬والضمانات‭ ‬الأمنية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬التنبؤ‭ ‬بها،‭ ‬ووضوح‭ ‬الخصوم‭. ‬أما‭ ‬البيئة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الحالية؛‭ ‬فإنها‭ ‬وللأسف‭ ‬تقوض‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭. ‬فالتهديدات‭ ‬منتشرة‭ ‬ومتداخلة،‭ ‬والسلطة‭ ‬موزعة‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬توازناً،‭ ‬والسياسة‭ ‬الداخلية‭ ‬مؤثرة‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية،‭ ‬والقوى‭ ‬الكبرى‭ ‬أقل‭ ‬استعداداً‭ ‬لتحمل‭ ‬التكاليف‭ ‬النظامية‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬العام‭.‬

ولذا،‭ ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تختفي‭ ‬أنظمة‭ ‬التحالفات‭ ‬على‭ ‬الفور،‭ ‬صارت‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬ترتيبات‭ ‬مشروطة‭ ‬وانتقائية‭ ‬وقائمة‭ ‬على‭ ‬الترتيبات‭/‬المصالح‭ ‬المتبادلة‭. ‬ولا‭ ‬يُعد‭ ‬هذا‭ ‬انحرافاً‭/‬اضطراباً‭ ‬مؤقتاً‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬ترامب‭. ‬بل‭ ‬تشير‭ ‬العوامل‭ ‬الهيكلية‭ - ‬كالتراجع‭ ‬النسبي‭ ‬للقوة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وصعود‭ ‬الصين،‭ ‬والضغوط‭ ‬المالية،‭ ‬والاستقطاب‭ ‬الداخلي‭- ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الإدارات‭ ‬المستقبلية‭ ‬ستجد‭ ‬صعوبة‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬التزامات‭ ‬التحالفات‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭.‬

ثمة‭ ‬بدائل‭ ‬ناشئة‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬العالمية‭ ‬للتحالفات‭ ‬التقليدية،‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬أنماطها‭ ‬ما‭ ‬يلي‭:‬

1-‭ ‬التحالفات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والوظيفية‭: ‬تشمل‭ ‬البدائل‭ ‬الناشئة‭ ‬للتحالفات‭ ‬التقليدية‭ ‬التحالفات‭ ‬الصغيرة‭ ‬المتعددة‭ ‬الأطراف‭ ‬والتحالفات‭ ‬الوظيفية‭. ‬وتعطي‭ ‬هذه‭ ‬التجمعات‭ ‬الجديدة‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمرنة‭ ‬التي‭ ‬تتمحور‭ ‬حول‭ ‬تهديدات‭ ‬أو‭ ‬وظائف‭ ‬محددة‭ - ‬مثل‭ ‬أطراف‭ ‬الحوار‭ ‬الأمني‭ ‬الرباعي‭ ‬‮«‬كواد‮»‬‭ (‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬اليابان،‭ ‬الهند،‭ ‬أستراليا‭)‬،‭ ‬وتحالف‭ ‬أوكوس‭ (‬أستراليا،‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة،‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭)‬،‭ ‬وتحالف‭ ‬الراغبين‭ ‬الداعم‭ ‬لأوكرانيا‭- ‬الأولوية‭ ‬للسرعة،‭ ‬وتوافق‭ ‬المصالح،‭ ‬والفعالية‭ ‬العملياتية،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬العضوية‭ ‬الواسعة‭.‬

وتعكس‭ ‬ترتيبات‭ ‬هذه‭ ‬التجمعات‭ ‬الجديدة‭ ‬اعتقاداً‭ ‬بأن‭ ‬التحالفات‭ ‬الكبيرة‭ ‬أصبحت‭ ‬بطيئة‭ ‬للغاية‭ ‬ومقيدة‭ ‬سياسياً‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬الأمنية‭ ‬الراهنة‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬مجموعة‭ ‬بريكس‭ (‬التي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬تضم‭ ‬كلاً‭ ‬من‭: ‬البرازيل،‭ ‬وروسيا،‭ ‬والهند،‭ ‬وجنوب‭ ‬إفريقيا،‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬النمو‭) ‬لا‭ ‬تُصنف‭ ‬كتحالف؛‭ ‬فإنها‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬المواقف‭ ‬الحصرية‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬العالمية‭ ‬ولو‭ ‬جزئياً‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬التحالفات‭ ‬المصغرة‭ ‬تنطوي‭ ‬على‭ ‬مخاطر‭ ‬هي‭ ‬الأخرى،‭ ‬فالتحالفات‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬العمق‭ ‬المؤسسي،‭ ‬وقد‭ ‬تتفكك‭ ‬تحت‭ ‬الضغط،‭ ‬وقد‭ ‬تُفاقم‭ ‬الإقصاء‭ ‬والتنافس‭ ‬بين‭ ‬الكتل‭.‬

2-‭  ‬الاستقلال‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬والتحوط‭: ‬ثمة‭ ‬بديل‭ ‬آخر‭ ‬للتحالفات‭ ‬التقليدية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬المتوسطة،‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬الاستقلال‭ ‬الاستراتيجي‭. ‬ومن‭ ‬أمثلة‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬التركيز‭ ‬المستمر‭ ‬للاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬على‭ ‬القدرات‭ ‬الدفاعية،‭ ‬والنقاشات‭ ‬الدائرة‭ ‬حول‭ ‬ركيزة‭ ‬أمنية‭ ‬أوروبية‭ ‬مستقلة،‭ ‬وتراجع‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬القيادة‭ ‬الأمريكية‭. ‬وتظهر‭ ‬ديناميكيات‭ ‬مماثلة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬وجنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ ‬وجنوب‭ ‬آسيا،‭ ‬حيث‭ ‬تقوم‭ ‬الدول‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬بتعزيز‭ ‬قدرات‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬لديها‭ ‬وتنوع‭ ‬شراكاتها‭ ‬الأمنية‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬قيامها‭ ‬بالاعتماد‭ ‬على‭ ‬جهة‭ ‬واحدة‭. ‬وما‭ ‬يتبلور‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بالحياد‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالتحوّط؛‭ ‬أي‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬المرونة‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬مُجزّأ‭. ‬وبينما‭ ‬يُعزز‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬الاستقلالية؛‭ ‬فإنه‭ ‬يُعرّض‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬لفجوات‭ ‬في‭ ‬القدرات‭ ‬وتحديات‭ ‬في‭ ‬التنسيق‭ ‬أثناء‭ ‬الأزمات‭.‬

تداعيات‭ ‬دولية‭ ‬وإقليمية‭ ‬خطرة‭:‬

على‭ ‬المستوى‭ ‬العالمي،‭ ‬يُؤدي‭ ‬تآكل‭ ‬اليقين‭ ‬في‭ ‬التحالفات‭ ‬إلى‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬نظام‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬القواعد‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬المساومة‭ / ‬التفاوض‭. ‬فتبقى‭ ‬المؤسسات‭ ‬قائمة،‭ ‬ولكن‭ ‬سياسات‭ ‬القوة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تُحدد‭ ‬النتائج‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭. ‬ويصبح‭ ‬الردع‭ ‬أقل‭ ‬استقراراً‭ ‬مع‭ ‬تداخل‭ ‬الخطوط‭ ‬الحمراء‭ ‬وتزايد‭ ‬الشروط‭ ‬على‭ ‬الالتزامات‭. ‬وتصبح‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬تعتمد‭ ‬فيها‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬التصعيد‭ ‬على‭ ‬إشارات‭ ‬غامضة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬ضمانات‭ ‬قاطعة‭. ‬ففي‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬النظام،‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬الخطر‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬الصراع؛‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬سوء‭ ‬التقدير‭ ‬المتكرر،‭ ‬حين‭ ‬قد‭ ‬تُسيء‭ ‬الدول‭ ‬تقدير‭ ‬مدى‭ ‬استعداد‭ ‬حلفائها‭ ‬للتدخل‭ ‬فعلياً‭.‬

في‭ ‬آسيا‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬تتشكل‭ ‬شبكات‭ ‬أمنية‭ ‬كثيفة‭ ‬ولكن‭ ‬هشة‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬تصاعد‭ ‬الصين‭. ‬ويعكس‭ ‬غياب‭ ‬هياكل‭ ‬شبيهة‭ ‬بحلف‭ ‬الناتو‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الحساسيات‭ ‬التاريخية‭ ‬والحذر‭ ‬الاستراتيجي‭. ‬فبينما‭ ‬يتوسع‭ ‬التعاون‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الآسيوية،‭ ‬تبقى‭ ‬الضمانات‭ ‬الرسمية‭ ‬محدودة؛‭ ‬مما‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬سوء‭ ‬الفهم‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بتايوان‭ ‬أو‭ ‬بحر‭ ‬الصين‭ ‬الجنوبي‭. ‬وليس‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬المصادفة‭ ‬أن‭ ‬العلاقات‭ ‬اليابانية‭ ‬الصينية‭ ‬قد‭ ‬بلغت‭ ‬درجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬التوتر‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬المضطربة‭ ‬للتحالفات‭.‬

تحالفات‭ ‬أكثر‭ ‬نفعية‭ ‬وأقل‭ ‬أيديولوجية‭:‬

وفي‭ ‬الختام،‭ ‬إن‭ ‬نظام‭ ‬التحالفات‭ ‬اليوم‭ ‬لن‭ ‬ينهار‭ ‬بالطريقة‭ ‬الدرامية‭ ‬التي‭ ‬انهار‭ ‬بها‭ ‬حلف‭ ‬وارسو‭ ‬سابقاً‭. ‬ولكن‭ ‬التحولات‭ ‬الهيكلية‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬والسياسة‭ ‬الداخلية‭ ‬والثقافة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬تُعيد‭ ‬تشكيله‭ ‬بالفعل‭. ‬فلا‭ ‬يزال‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬قوياً‭ ‬عسكرياً،‭ ‬ولكن‭ ‬أسسه‭ ‬السياسية‭ ‬باتت‭ ‬أضعف‭. ‬فالتحالفات‭ ‬ستستمر،‭ ‬ولكنها‭ ‬ستكون‭ ‬أقل‭ ‬تلقائية،‭ ‬وأقل‭ ‬أيديولوجية،‭ ‬وأكثر‭ ‬نفعية‭. ‬إن‭ ‬النظام‭ ‬الناشئ‭ ‬اليوم‭ ‬يتسم‭ ‬بأنه‭ ‬مُجزّأ،‭ ‬ومشروط،‭ ‬وغامض‭. ‬والدول‭ ‬التي‭ ‬تُحصّن‭ ‬نفسها،‭ ‬وتُنوّع‭ ‬شراكاتها،‭ ‬وتبني‭ ‬قدرات‭ ‬مستقلة‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬ستكون‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬أفضل‭ ‬للتكيف‭ ‬معه‭. ‬أما‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬افتراضات‭ ‬عفا‭ ‬عليها‭ ‬الزمن‭ ‬فقد‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬مكشوفة‭ ‬الظهر‭.‬

إن‭ ‬نظام‭ ‬التحالفات‭ ‬الذي‭ ‬ساد‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬1945‭ ‬لن‭ ‬يختفي،‭ ‬ولكن‭ ‬عهد‭ ‬الضمانات‭ ‬المطلقة‭ ‬واليقين‭ ‬المؤسسي‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬نهايته‭. ‬وما‭ ‬سيحل‭ ‬محله‭ ‬سيحدد‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬والإقليمي‭ ‬لعقود‭ ‬مقبلة‭.‬

 

{‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬الجديد

‭ ‬لجامعة‭ ‬الدول‭ ‬العربية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا