العدد : ١٧٥٤٠ - الأربعاء ٠١ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٤٠ - الأربعاء ٠١ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

خمسون عاما على «يوم الأرض» الخالد في فلسطين المحتلة

بقلم: وليد العوض.

الأربعاء ٠١ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

تمثل‭ ‬ذكرى‭ ‬يوم‭ ‬الأرض‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬وخاصة‭ ‬أراضي‭ ‬1948‭ ‬المحتلة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬اللحظات‭ ‬حسمًا‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬شعبنا‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬وهنا‭ ‬نستذكر‭ ‬روايةً‭ ‬حيّة‭ ‬عن‭ ‬اجتماع‭ ‬رؤساء‭ ‬السلطات‭ ‬المحلية‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬بلدة‭ ‬شفا‭ ‬عمرو‭ ‬عشية‭ ‬الثلاثين‭ ‬من‭ ‬مارس‭ ‬1976،‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬السلطة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬لإلغاء‭ ‬الإضراب‭. ‬يومها،‭ ‬دوّى‭ ‬صوت‭ ‬المناضل‭ ‬والشاعر‭ ‬الوطني‭ ‬توفيق‭ ‬زياد‭ ‬معلنًا‭: ‬‮«‬لا‭ ‬حق‭ ‬لكم‭ ‬بإلغاء‭ ‬الإضراب‭ ‬الشعب‭ ‬قرر‭ ‬الإضراب‮»‬‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬مجرد‭ ‬موقف‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬لحظة‭ ‬فاصلة‭ ‬انتقل‭ ‬فيها‭ ‬القرار‭ ‬من‭ ‬الغرف‭ ‬المغلقة‭ ‬إلى‭ ‬إرادة‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬الشارع‭.‬

ويرى‭ ‬ويشاهد‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬كيف‭ ‬تحوّل‭ ‬الانتظار‭ ‬خارج‭ ‬قاعة‭ ‬الاجتماع‭ ‬إلى‭ ‬فعلٍ‭ ‬مباشر،‭ ‬حين‭ ‬اقتحم‭ ‬المحتشدون‭ ‬المكان‭ ‬دفاعًا‭ ‬عن‭ ‬القرار‭ ‬الوطني،‭ ‬لتندلع‭ ‬المواجهات‭ ‬مع‭ ‬الشرطة،‭ ‬وتُكتب‭ ‬الصفحة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬انتفاضة‭ ‬يوم‭ ‬الأرض‭.‬

وفي‭ ‬السياق‭ ‬ذاته،‭ ‬أشار‭ ‬المناضل‭ ‬برهوم‭ ‬جرايسة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬القرار‭ ‬التاريخي‭ ‬بالإضراب‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬عفويًّا،‭ ‬بل‭ ‬جاء‭ ‬ثمرة‭ ‬تنظيم‭ ‬سياسي‭ ‬واعٍ،‭ ‬حين‭ ‬عقد‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬اجتماعًا‭ ‬سريًا‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬الفنان‭ ‬عبد‭ ‬عابدي‭ ‬في‭ ‬حيفا،‭ ‬وأُقرّ‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬إعلان‭ ‬الإضراب‭ ‬عبر‭ ‬لجنة‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الأراضي‭. ‬وكان‭ ‬الثمن‭ ‬دمًا،‭ ‬حين‭ ‬ارتقى‭ ‬الشهيد‭ ‬خير‭ ‬ياسين‭ ‬عشية‭ ‬الثلاثين‭ ‬من‭ ‬مارس،‭ ‬ليكون‭ ‬أول‭ ‬شهداء‭ ‬تلك‭ ‬الملحمة‭.‬

هكذا‭ ‬انفجرت‭ ‬انتفاضة‭ ‬يوم‭ ‬الأرض،‭ ‬بمبادرة‭ ‬الأحرار‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬وخاصة‭ ‬من‭ ‬تيار‭ ‬اليسار‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وبمشاركة‭ ‬شعبية‭ ‬واسعة،‭ ‬لتؤكد‭ ‬أن‭ ‬الفعل‭ ‬الوطني‭ ‬المنظم،‭ ‬حين‭ ‬يلتقي‭ ‬مع‭ ‬الإرادة‭ ‬الجماهيرية،‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬المعادلات‭. ‬وهؤلاء،‭ ‬امتدادًا‭ ‬عبر‭ ‬الأجيال،‭ ‬ما‭ ‬زالوا‭ ‬يشكّلون‭ ‬رافعة‭ ‬العمل‭ ‬الوطني‭ ‬داخل‭ ‬أراضي‭ ‬الـ48،‭ ‬ويسعون‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬أطر‭ ‬سياسية‭ ‬جامعة،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬القائمة‭ ‬المشتركة،‭ ‬لمواجهة‭ ‬تصاعد‭ ‬الجريمة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬العربي‭ ‬والتصدي‭ ‬للعنصرية‭ ‬والفاشية‭ ‬الصهيونية‭ ‬المتنامية‭.‬

إن‭ ‬استحضار‭ ‬تلك‭ ‬التجربة‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬للتباهي‭ ‬بالماضي،‭ ‬بل‭ ‬لاستخلاص‭ ‬دروسه‭ ‬في‭ ‬الحاضر‭. ‬ففي‭ ‬الثلاثين‭ ‬من‭ ‬مارس‭ ‬1976،‭ ‬خرج‭ ‬شعبنا‭ ‬في‭ ‬الجليل‭ ‬والمثلث‭ ‬والنقب‭ ‬استجابةً‭ ‬لنداء‭ ‬وطني‭ ‬موحّد،‭ ‬رفضًا‭ ‬لمصادرة‭ ‬آلاف‭ ‬الدونمات‭ ‬من‭ ‬أراضيه‭. ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬تحولت‭ ‬تلك‭ ‬الهبَّة‭ ‬إلى‭ ‬انتفاضة‭ ‬شعبية‭ ‬شاملة،‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬أماكن‭ ‬وجود‭ ‬شعبنا،‭ ‬حيث‭ ‬تلاحمت‭ ‬الأيادي‭ ‬وتوحدت‭ ‬الصفوف‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مشروع‭ ‬الاقتلاع‭ ‬والتهويد‭.‬

وقد‭ ‬دفع‭ ‬شعبنا‭ ‬ثمنًا‭ ‬باهظًا،‭ ‬حين‭ ‬ارتقى‭ ‬الشهداء‭: ‬خضر‭ ‬خلايلة،‭ ‬رجا‭ ‬أبو‭ ‬ريا،‭ ‬خديجة‭ ‬شواهنة،‭ ‬أسعد‭ ‬طه،‭ ‬خير‭ ‬ياسين،‭ ‬ورأفت‭ ‬زهري،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مئات‭ ‬الجرحى‭ ‬والمعتقلين‭. ‬لكن‭ ‬تلك‭ ‬التضحيات‭ ‬لم‭ ‬تذهب‭ ‬سدى؛‭ ‬إذ‭ ‬سقط‭ ‬مشروع‭ ‬المصادرة‭ ‬تحت‭ ‬أقدام‭ ‬الصمود‭ ‬الشعبي،‭ ‬وتكرّس‭ ‬يوم‭ ‬الأرض‭ ‬بوصفه‭ ‬محطة‭ ‬مفصلية‭ ‬أعادت‭ ‬الاعتبار‭ ‬إلى‭ ‬وحدة‭ ‬الشعب‭ ‬والأرض‭ ‬والهوية‭.‬

اليوم‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬تغيّر؟‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتغيّر؟

نحيي‭ ‬الذكرى‭ ‬الخمسين‭ ‬ليوم‭ ‬الأرض‭ ‬الخالد‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬واقع‭ ‬أشد‭ ‬قسوة‭ ‬وتعقيدًا‭: ‬حرب‭ ‬إبادة‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬شعبنا‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬وتسارع‭ ‬محموم‭ ‬لفرض‭ ‬الوقائع‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬وتصاعد‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬سياسات‭ ‬الضم‭ ‬والاستيطان،‭ ‬وترسيخ‭ ‬نظام‭ ‬فصل‭ ‬عنصري،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬محاولات‭ ‬مستمرة‭ ‬للاقتلاع‭ ‬والتهجير،‭ ‬واستهداف‭ ‬مباشر‭ ‬للوجود‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أماكن‭ ‬وجوده،‭ ‬من‭ ‬غزة‭ ‬إلى‭ ‬الضفة،‭ ‬ومن‭ ‬الداخل‭ ‬إلى‭ ‬الشتات‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬الماضي‭ ‬قد‭ ‬علَّمنا‭ ‬شيئًا،‭ ‬فهو‭ ‬أن‭ ‬الخطر‭ ‬الأكبر‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬سياسات‭ ‬الاحتلال،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬ضعف‭ ‬وتشتت‭ ‬الموقف‭ ‬الوطني،‭ ‬وعجزه‭ ‬عن‭ ‬الارتقاء‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬التحدي‭. ‬فكما‭ ‬انتصر‭ ‬شعبنا‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬الأرض‭ ‬بوحدة‭ ‬قراره‭ ‬وتنظيم‭ ‬فعله،‭ ‬فإن‭ ‬استعادة‭ ‬هذه‭ ‬الوحدة‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬وطني‭ ‬مستقل،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الرهانات‭ ‬والارتباطات‭ ‬الخارجية،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬خيارًا،‭ ‬بل‭ ‬شرطًا‭ ‬للبقاء‭. ‬إن‭ ‬دروس‭ ‬يوم‭ ‬الأرض‭ ‬تقول‭ ‬بوضوح‭: ‬إن‭ ‬الإرادة‭ ‬الشعبية،‭ ‬حين‭ ‬تُنظَّم،‭ ‬تصبح‭ ‬قوة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬كسرها‭. ‬وإن‭ ‬الأطر‭ ‬الوطنية‭ ‬الجامعة،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬نواقصها،‭ ‬تبقى‭ ‬صمام‭ ‬أمان‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مشاريع‭ ‬التفتيت‭. ‬وإن‭ ‬حماية‭ ‬الأرض‭ ‬تبدأ‭ ‬بحماية‭ ‬الموقف‭ ‬الوطني‭ ‬من‭ ‬الانقسام‭ ‬والتآكل‭.‬

خمسون‭ ‬عاماً‭ ‬تفصلنا‭ ‬عن‭ ‬يوم‭ ‬الأرض‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬مسافة‭ ‬بين‭ ‬حالين‭: ‬بين‭ ‬شعبٍ‭ ‬موحّد‭ ‬فرض‭ ‬إرادته‭ ‬عام‭ ‬1976،‭ ‬وشعبٍ‭ ‬يواجه‭ ‬اليوم‭ ‬تحديات‭ ‬الوجود‭ ‬ذاته‭. ‬وبين‭ ‬قيادةٍ‭ ‬التحمت‭ ‬مع‭ ‬نبض‭ ‬الشارع،‭ ‬وواقعٍ‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬ديمقراطية‭ ‬وكفاحية‭.‬

إن‭ ‬إحياء‭ ‬يوم‭ ‬الأرض‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الفعاليات‭ ‬الرمزية،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬لحظة‭ ‬مراجعة‭ ‬وطنية‭ ‬شاملة،‭ ‬تعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬إلى‭ ‬وحدة‭ ‬الشعب،‭ ‬كل‭ ‬الشعب،‭ ‬وتطلق‭ ‬مسارًا‭ ‬فعليًا‭ ‬لاستعادة‭ ‬المبادرة‭ ‬السياسية‭ ‬والكفاحية‭. ‬فالأرض‭ ‬التي‭ ‬رُويت‭ ‬بالدم،‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يتغنى‭ ‬بها،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يدافع‭ ‬عنها‭ ‬بوحدة‭ ‬الصف‭ ‬وصلابة‭ ‬الموقف‭.‬

 

{‭ ‬عضو‭ ‬المكتب‭ ‬السياسي

‭ ‬لحزب‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا