يقول نتنياهو صراحةً إنه يريد شرق أوسط جديداً لا يكون فيه على إسرائيل قيود. ويقول صراحة إنه يريد مناطق عازلة في سورية ولبنان، وأن «لا تحلموا بدولة فلسطينية» لأن فلسطين التاريخية جميعها هي أرض إسرائيل. وأكثر من ذلك، يقول إن السلام الذي يعرضه على العرب لا مقابل له غير فوز «العرب» بحياتهم حتى لا يصيبهم ما أصاب غزة.
هذه الحرب بدأتها إسرائيل والولايات المتحدة. ولقد قامتا بها أثناء المفاوضات مع إيران ووسط أجواء قالت عنها سلطنة عُمان بأنها كانت إيجابية. ثم علمنا من نتنياهو لاحقاً أن قرار الحرب وموعدها كان تم الاتفاق عليهما مع ترامب أثناء زيارته للولايات المتحدة نهاية شهر يناير الماضي، أي قبل شهر من بدء الحرب على إيران.
وبهذا لم تكن المفاوضات إلا مُجرد تكرار للخديعة التي رافقت حرب إسرائيل وأمريكا على إيران في يونيو الماضي. لقد أعلنت إيران مراراً أنه إذا كانت النية هي التأكد بأنها لن تتمكن من صناعة قنبلة نووية فإنها على استعداد لتقديم كل الضمانات التي تطلبها أمريكا ووكالة الطاقة الذرية، لكن ليس هذا ما تريده إسرائيل وحليفتها أمريكا، ولكن هدفهم الحقيقي هو تغيير النظام في إيران بآخر يقبل بهيمنة إسرائيل على الشرق الأوسط، بمعنى الهيمنة على العالم العربي، وإذا لم يكن تغير النظام ممكناً، فإن الهدف يصبح تدمير البنى التحتية للدولة وإضعاف سلطتها المركزية بما يؤدي مع الوقت لانكفائها على نفسها، وربما سقوطها أو تفسخها.
العرب يعلمون أهداف إسرائيل جيداً، وهم مُدركون أنها تتعارض مع مصالحهم. هيمنة إسرائيل على العالم العربي تعني سيطرتها على مواردهم ومقدراتهم وسياساتهم. كما أن قبول تدمير إيران وتحويلها إلى دولة ضعيفة، ممزقة، ومُفقرة، يشكل تهديداً مباشراً لأمنها: يتمثل في الهجرة، والقرصنة البحرية، والإرهاب، والحروب الدائمة في المنطقة التي يتم فيها استخراج نفطهم.
والعرب كانوا يعلمون بأن أي حرب شاملة على إيران كانت ستصل أطرافها الى استهداف الاهداف العسكرية والمصالح الاقتصادية والسياسية الأميركية في المنطقة، وقد تصل أيضا الى حقول النفط والبنى التحتية إذا كانت الولايات المتحدة طرفاً رئيسياً في هذه الحرب.
ولهذه الأسباب جميعاً، فإن العرب جميعهم رفضوا الحرب على إيران، وحاولوا ثني إدارة ترامب عنها، لكنها لم تكترث برفضهم، ولم تعبأ بمصالحهم، وأدارت ظهرها لهم، وقامت بالحرب التي نسقتها ووقتتها ووضعت أهدافها مسبقاً مع إسرائيل. وهو ما يعني أن العرب لم يتم الاهتمام بمصالحهم في مقابل رغبات إسرائيل التي تريد سحق إيران، لفتح الطريق أمام تكريس واقع هيمنتها وسيطرتها على العالم العربي.
لقد قامت أمريكا بالحرب رغم علمها وإدراكها أن ساحة الصراع لن تكون فقط إسرائيل ولكن كامل الجغرافيا التي تتواجد فيها قواعد مصالح أمريكية في العالم العربي. وقامت بها رغم إدراكها التام بأنها حرب غير ضرورية لأمنها لأن إيران لا يُمكنها، حتى لو امتلكت أسلحة نووية، أن تهدد أمن ومصالح الولايات المتحدة (كوريا الشمالية مثال على ذلك).
والعرب يدركون أن أمريكا أعلنت الحرب على إيران لسبب بسيط وهو أن إدارة ترامب يتحكم بها فريق من المسيحيين الصهاينة الذين قرروا وضع مقدرات الولايات المتحدة كاملة في خدمة إسرائيل ومصالحها.
هم يعلمون مثلاً أن وزير الحرب الأميركي «بيت هيغسيث» أعلن كراهيته للإسلام و«أفتى» بجواز قتل المسلمين ولقد تم استجوابه من لجنة من الكونجرس بشأن تصريحاته. وهذا رجل قال علناً إنه يريد أن يرى بناء (الهيكل) مكان المسجد الأقصى، وأن ذلك «لم يعد حلماً بعد اعتراف ترامب بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل».
ووزير الحرب ليس وحده، معه وزير الخارجية مارك روبيو، وجاريد كوشنر، وستيف ويتكوف، وجميعهم يحملون الجنسية الأمريكية، لكنهم قلباً وقالباً ليسوا أكثر من فريق من الخدم لإسرائيل. لقد ادعى ويتكوف مثلاً بأن إيران كانت على مسافة عشرة أيام من صناعة قنبلة نووية. اوَ لم تسمعوا هذا الادعاء يقال مراراً منذ عام 2015؟ وكأن الكذب سيتحول الى حقيقة إذا تم تكراره.
إن جوهر وجود الإدارة الأمريكية الحالية هو خدمة دولة الاحتلال. وإن الفشل في رؤية ذلك، ليس مُجرد ضيق أفق أو عدم وضوح في الرؤية، ولكنه خداع للنفس.
العرب مطالبون اليوم بالدفاع عن مصالحهم التي ضحت بها الولايات المتحدة لحساب إسرائيل. وهذا يتطلب منهم عدم التورط معها في الحرب على إيران. إن هذا وحده ما سيحمي دولهم من الدمار الناتج عن الحرب، وهو ما سيحميها من هيمنة إسرائيل عليها.
لقد بذل العرب جهودا كبيرة لمنع اندلاع الحرب. لكن إدارة ترامب هي التي قررت التضحية بمصالحهم خدمة لإسرائيل، وبالتالي فإن الرد لا يكون بالدخول في حرب مع الولايات المتحدة ستكون نتيجتها تدمير بلدانهم.
العرب عليهم أن يتعلموا من أوروبا مثلاً التي رفضت مساعدة ترامب وإسرائيل في هذه الحرب، ليس لأنها مع القانون الدولي، ولكن لأن ترامب لم يقم باستشارة دولها والتنسيق معها، ولأنه تعامل مع الأوروبيين ومع مصالحهم بازدراء، وعليهم أن يدركوا أن انضمامهم للحرب لن يغير من نتائجها شيئاً، وهو ما صرحت به ألمانيا عندما رفضت إرسال اسطولها البحري للخليج العربي قائلةً إن بضع فرقاطات لن تغير من واقع الحرب شيئاً.
إن مصلحة العرب الحقيقية هي في منع إسرائيل من تحقيق أهدافها، واستغلال الحرب وتأثيرها على الاقتصاد العالمي، ورفض كل الدول الغربية ومعها تركيا وروسيا والصين واليابان لهذه الحرب، للتقدم بمبادرة سياسية لا تهدف فقط لإنهاء الحرب في الخليج، ولكن لإحلال سلام دائم وشامل في كامل منطقة الشرق الأوسط.
{ كاتب من فلسطين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك