العدد : ١٧٦١١ - الخميس ١١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦١١ - الخميس ١١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

حتمية فشل مخططات «الشرق الأوسط الجديد»

بقلم: د. محمد عبدالشفيع عيسى

الثلاثاء ٢٤ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

‮«‬الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬‭ ‬مصطلح‭ ‬جديد‭ ‬نسبيا،‭ ‬صكّه‭ ‬المفكرون‭ ‬والساسة‭ ‬الغربيون،‭ ‬كزاوية‭ ‬للنظر‭ ‬إلى‭ ‬منطقتنا‭ (‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬–‭ ‬الإسلامية،‭ ‬المركزية‭)‬،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬بدأ‭ ‬يضيف‭ ‬–‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬‮«‬حكماء‮»‬‭ ‬البنك‭ ‬الدولي،‭ ‬المنطقة‭ ‬الفرعية‭ ‬للمغرب‭ ‬العربي‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الغرب‭ ‬الإسلامي‮»‬‭ ‬ليقول‭ ‬‮«‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وشمال‭ ‬إفريقيا‮»‬،‭ ‬وخاصة‭ ‬منذ‭ ‬أوائل‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭.‬

وإن‭ ‬كان‭ ‬‮«‬الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬‭ ‬قد‭ ‬تمّ‭ ‬صكّه‭ ‬في‭ ‬خضمّ‭ ‬احتدام‭ ‬التنافس‭ ‬والصراع‭ ‬الدولي‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الأوروبية‭ ‬الاستعمارية‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬وأوائل‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬فهو‭ ‬إذن،‭ ‬بمعنى‭ ‬ما،‭ (‬قديم‭).‬

لا‭ ‬نقصد‭ ‬بالقديم‭ ‬هنا،‭ ‬العصور‭ ‬القديمة،‭ ‬فتلك‭ ‬لها‭ ‬مداها‭ ‬الزمنى‭ ‬الخاص‭ (‬قبل‭ ‬الميلاد‭) ‬حين‭ ‬سادت‭ ‬دول‭ ‬وإمبراطوريات،‭ ‬ثم‭ ‬بادت‭ ‬غالبًا،‭ ‬لأسباب‭ ‬مختلفة،‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬قدماء‭ ‬المصريين‮»‬،‭ ‬وقدماء‭ ‬العراقيين‭ ‬وقدماء‭ ‬‮«‬سوريا‭ ‬الطبيعية‮»‬،‭ ‬وقل‭ ‬مثل‭ ‬ذلك‭ ‬عن‭ ‬الصين‭ ‬شرقًا،‭ ‬والرومان‭ ‬غربًا‭.‬

والشيء‭ ‬بالشيء‭ ‬يذكر،‭ ‬فإن‭ ‬‮«‬العصور‭ ‬الوسطى‮»‬‭ ‬قد‭ ‬بدأت‭ ‬فيما‭ ‬يسمى‭ ‬الآن‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بمعناه‭ ‬الواسع،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬–‭ ‬الإسلامية،‭ ‬المركزية‮»‬‭ ‬بتعبيرنا،‭ ‬باستبعاد‭ ‬التخوم‭ ‬والمناطق‭ ‬الفرعية‭ ‬من‭ ‬‮«‬عالم‭ ‬الإسلام‮»‬‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬الشرقية‭ ‬ووسط‭ ‬إفريقيا‭ ‬بالذات‭. ‬ونقصد‭ ‬بعالم‭ ‬الإسلام‭ ‬هنا‭ ‬‮«‬العالم‭ ‬الإسلامي‮»‬‭ ‬حضاريا،‭ ‬ومثل‭ ‬ذلك‭ ‬ديموجرافيا،‭ ‬بحسب‭ ‬الخطوط‭ ‬الأفقية‭ ‬والرأسية‭ ‬قبل‭ ‬اكتشاف‭ ‬الأمريكتين‭ ‬مع‭ ‬مطالع‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬الميلادي‭.‬

كانت‭ ‬–ولم‭ ‬تزل–‭ ‬نواة‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي،‭ ‬بالمدلولين‭ ‬الديموجرافي‭ ‬والحضاري‭ ‬–‭ ‬هي‭ ‬منطقتنا‭ ‬المتمركزة‭ ‬حول‭ ‬عوالم‭ ‬وأمم‭ ‬العرب‭ ‬والفرس‭ ‬والترك،‭ ‬بوجه‭ ‬عام‭.‬

وكما‭ ‬أشرنا،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬بدايات‭ ‬العصر‭ ‬الوسيط،‭ ‬إبان‭ ‬ظهور‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامي‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السادس،‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬‮«‬القطبية‭ ‬الثنائية‮»‬‭ ‬إن‭ ‬صح‭ ‬التعبير،‭ ‬للفرس‭ ‬والروم‭. ‬وكان‭ ‬عرب‭ (‬شبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭) ‬وامتدادها‭ ‬شرقًا‭ ‬وغربًا،‭ ‬يحاصرهم‭ ‬ضغط‭ ‬من‭ ‬الجهتين،‭ ‬وكانوا‭ ‬أكثر‭ ‬ميلاً‭ ‬للروم‭ ‬دون‭ ‬الفرس‭ ‬لخشيتهم‭ ‬من‭ ‬عواقب‭ ‬القرب‭ ‬الجغرافي‭ ‬الشديد‭. ‬

وقد‭ ‬عبرّ‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬سورة‭ ‬‮«‬الروم‮»‬‭ ‬بالذكْر‭: ‬‮«‬غُلبت‭ ‬الروم،‭ ‬في‭ ‬أدْنى‭ ‬الأرض‭ ‬وهم‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬غلبهم‭ ‬سيغْلبُون،‭ ‬في‭ ‬بضْع‭ ‬سنين،‭ ‬لله‭ ‬الأمر‭ ‬من‭ ‬قبلُ‭ ‬ومن‭ ‬بعدُ،‭ ‬ويومئذ‭ ‬يفرحُ‭ ‬المُؤمنُون‮»‬،‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬استيعاب‭ ‬الفرس‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الإسلام‭ ‬بعد‭ ‬فتح‭ ‬العراق،‭ ‬بينما‭ ‬انتظر‭ ‬بعض‭ ‬الروم‭ ‬زمنًا،‭ ‬ليتغلغل‭ ‬الترك‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬نسيج‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬خلال‭ ‬العصر‭ ‬العباسي‭ ‬الثاني‭ ‬بالذات،‭ ‬وظل‭ ‬الأمر‭ ‬سجالاً‭ ‬حتى‭ ‬حين‭.‬

وجاء‭ ‬هذا‭ ‬الحين‭ ‬لما‭ ‬تغلغل‭ ‬‮«‬السلاجقة‮»‬‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬المحيط‭ ‬بشبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬شمالاً،‭ ‬وأخذ‭ ‬الترك‭ ‬بأسباب‭ ‬القوة،‭ ‬وخاصة‭ ‬من‭ (‬آل‭ ‬عثمان‭) ‬حتى‭ ‬تم‭ ‬فتح‭ ‬القسطنطينية‭ ‬عام‭ ‬1453‭ ‬وهي‭ ‬عاصمة‭ ‬الدولة‭ ‬الرومانية‭ ‬الشرقية،‭ ‬أو‭ ‬الدولة‭ ‬‮«‬البيزنطية‮»‬،‭ ‬فبدأت‭ ‬حقبة‭ ‬السيطرة،‭ ‬بل‭ ‬الهيمنة‭ ‬التركية‭ ‬–‭ ‬العثمانية،‭ ‬حتى‭ ‬دقت‭ ‬أبواب‭ ‬‮«‬فيينا‮»‬‭ ‬–‭ ‬عاصمة‭ ‬دولة‭ ‬النمسا‭ ‬–‭ ‬المجر‭ ‬–‭ ‬أو‭ ‬إمبراطوريتها،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يقال‭. ‬وأخذ‭ ‬عالم‭ ‬الإسلام‭ ‬المتمركز‭ ‬تركيّا‭ ‬بالتعمق‭ ‬وبالتوسع،‭ ‬حتى‭ ‬هضم‭ ‬تقريبًا‭ ‬منطقة‭ ‬البلقان‭ ‬وبعض‭ ‬أوروبا‭ ‬الشرقية،‭ ‬وكامل‭ ‬‮«‬البر‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬مشرقًا‭ ‬ومغربًا،‭ ‬عدا‭ ‬المغرب‭ ‬الأقصى‭ ‬الحالي‭.‬

ظلت‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية‭ ‬تتوسّع،‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬خشية‭ ‬متنامية‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬العالم‭ ‬الأوروبي‭ ‬الذي‭ ‬استيقظ‭ ‬قويًا،‭ ‬مع‭ ‬النهضة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬الكشوف‭ ‬الجغرافية،‭ ‬فظهور‭ ‬‮«‬الرأسمالية‮»‬‭ ‬الزراعية‭ ‬ثم‭ ‬التجارية،‭ ‬وبعدها‭ ‬الصناعية‭. ‬ومنذئذ‭ ‬بدأ‭ ‬ظل‭ ‬الأتراك‭ ‬في‭ ‬الأفول،‭ ‬حتى‭ ‬لقبت‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬بالرجل‭ ‬المريض‭ ‬لأوروبا‭.‬

مع‭ ‬نهوض‭ ‬حركة‭ ‬القوميات‭ ‬في‭ ‬البلقان،‭ ‬ثم‭ ‬بلاد‭ ‬العرب‭ ‬المشرقية،‭ ‬بدأ‭ ‬تقلص‭ ‬عالم‭ ‬الترك‭ ‬في‭ ‬عمقه‭ ‬الثقافي‭ ‬والحضاري،‭ ‬مقابل‭ ‬التوسع‭ ‬العملاق‭ ‬لأوروبا‭ ‬الغربية‭ (‬بريطانيا،‭ ‬فرنسا‭ ‬خاصة‭) ‬بعد‭ ‬انحسار‭ ‬ظل‭ ‬الإسبان‭ ‬والبرتغاليين‭ ‬والإيطاليين‭. ‬

وكان‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬من‭ ‬تقدم‭ ‬أوروبا،‭ ‬وتقلص‭ ‬دولة‭ ‬آل‭ ‬عثمان‭ ‬في‭ ‬عاصمتهم‭ (‬الآستانة‭) ‬حتى‭ ‬بلغ‭ ‬التنافس‭ ‬والتطاحن‭ ‬الدولي‭ ‬مداه،‭ ‬إثر‭ ‬توحيد‭ ‬ألمانيا‭ ‬عام‭ ‬1871،‭ ‬فتكونت‭ ‬كتلتان‭ ‬تصارعتا‭ ‬دمويًا‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭: ‬أولاهما‭ ‬تمركزت‭ ‬حول‭ ‬روسيا‭ ‬وتركيا،‭ ‬والثانية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بريطانيا‭ ‬وفرنسا،‭ ‬وانتهت‭ ‬بسقوط‭ ‬الإمبراطوريين‭ ‬الروسية‭ ‬والعثمانية‭. ‬وكان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬توزيع‭ ‬الغنائم‭ ‬والأسلاب،‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬فرساي‭ ‬عام‭ ‬1919،‭ ‬وكان‭ ‬أن‭ ‬أُعيد‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬العالم،‭ ‬غير‭ ‬‮«‬الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬‭ ‬بمدلوله‭ ‬المعاصر،‭ ‬مقسمًا‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الاستعمارية‭ ‬المنتصرة‭ ‬–‭ ‬بريطانيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬الانتداب‮»‬‭ ‬خاصة،‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الدول‭ ‬المنهزمة‭ ‬–‭ ‬ألمانيا‭ ‬وإيطاليا‭ ‬وتركيا‭. ‬بينما‭ ‬أفلتت‭ ‬روسيا‭ ‬وأقامت‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬الثورة‭ ‬البلشفية،‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي،‭ ‬مكونًا‭ ‬من‭ ‬المركز‭ ‬الروسي‭ ‬وما‭ ‬حوله‭ ‬في‭ ‬كامل‭ ‬أوروبا‭ ‬الشرقية‭ ‬بالذات‭.‬

تحت‭ ‬ظلال‭ ‬‮«‬الانتداب‭ ‬البريطاني‮»‬،‭ ‬المشرعن‭ ‬من‭ ‬‮«‬عصبة‭ ‬الأمم‮»‬‭ ‬تسللت‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬الناشئة‭ ‬ــ‭ ‬عقب‭ ‬المؤتمر‭ ‬اليهودي‭ ‬الأول‭ ‬عام‭ ‬1897،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬حصلت‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬وعد‭ ‬بلفور‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1917،‭ ‬ثم‭ ‬ليولد‭ ‬‮«‬ملاذ‭ ‬يهودي‮»‬‭ ‬برعاية‭ ‬الدولة‭ ‬المنتدبة‭ ‬على‭ ‬فلسطين‭ ‬–‭ ‬وهي‭ ‬بريطانيا،‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬1919‭-‬1947‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬ربع‭ ‬قرن‭ ‬تقريبًا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬تقليديًا‭ ‬بالوطن‭ (‬القومي‭..!) ‬لليهود‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬بوطن‭ ‬بل‭ ‬ملاذ،‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬بقومي‭ ‬حقيقة،‭ ‬بل‭ ‬عنصري‭ ‬أكيد‭.‬

ذلك‭ ‬إذن‭ ‬هو‭ ‬عالم‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬ثم‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الحربين،‭ ‬حتى‭ ‬1945،‭ ‬ليتلوه‭ ‬الزحف‭ ‬الصهيوني‭ ‬لإقامة‭ ‬الملاذ‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬ثم‭ ‬نكبة‭ ‬1948‭. ‬إنه‭ ‬إذن‭ ‬‮«‬الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬‭ ‬كما‭ ‬رسمته‭ ‬بريطانيا‭ ‬عقب‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬فرنسا‭ ‬فيما‭ ‬يسمى‭ (‬اتفاق‭ ‬سايكس‭ ‬–‭ ‬بيكو‭) ‬لتوزيع‭ ‬بلدان‭ ‬المشرق‭ ‬العربي‭ ‬المجزّأ‭ ‬بالذات،‭ ‬فيما‭ ‬بينهما،‭ ‬مع‭ ‬تكريس‭ ‬احتلال‭ ‬تونس‭ ‬لعام‭ ‬1881،‭ ‬والجزائر‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬عام‭ ‬1830،‭ ‬وليبيا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬إيطاليا‭ ‬منذ‭ ‬1911‭ ‬وبين‭ ‬الحربين‭.‬

كانت‭ ‬نكبة‭ ‬1948‭ ‬علامة‭ ‬على‭ ‬بدء‭ ‬تمركز‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬ـ‭ ‬وسط‭ ‬شرق‭ ‬أوسط،‭ ‬مقسّم‭ ‬استعماريًا‭ ‬ومسيطر‭ ‬عليه‭ ‬كليًا‭ ‬تقريبًا،‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬إلى‭ ‬المغرب‭.‬

ذلكم‭ ‬هو‭ ‬إذن‭ ‬‮«‬الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬‭ ‬القديم،‭ ‬الذي‭ ‬قامت‭ ‬في‭ ‬مواجهته‭ ‬ثورة‭ ‬23‭ ‬يوليه‭ ‬العربية،‭ ‬من‭ ‬مصر‭ ‬القاهرة،‭ ‬عام‭ ‬1952‭ ‬ــ‭ ‬فأوقفت‭ ‬نموّه‭ ‬وحولت‭ ‬وجهته‭ ‬تمامًا،‭ ‬حتى‭ ‬حين،‭ ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬الحين‭ ‬بعد‭ ‬عدوان‭ ‬ونكسة‭ ‬الخامس‭ ‬من‭ ‬يونيو‭ ‬1967‭ ‬ثم‭ ‬وفاة‭ ‬عبدالناصر‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬سبتمبر‭ ‬1970‭.‬

وأخذ‭ ‬تكرّ‭ ‬حبْات‭ ‬المسبحة‭ ‬–‭ ‬غير‭ ‬المقدسة‭ ‬–‭ ‬عبر‭ ‬تطورات‭ ‬متلاحقة‭ ‬ومتغيرات‭ ‬لولبية‭ ‬لاهثة،‭ ‬وكان‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬بعد‭ ‬سيطرة‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية،‭ ‬على‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬لنهر‭ ‬الأردن،‭ ‬وشبه‭ ‬جزيرة‭ ‬سيناء‭ ‬التي‭ ‬استردت‭ ‬على‭ ‬مراحل‭ ‬بعد‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973‭.‬

ولكن‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭ ‬–‭ ‬طوفان‭ ‬الأقصى‭ ‬–‭ ‬قلب‭ ‬الموازين‭ ‬جزئيًا‭ ‬ومؤقتًا،‭ ‬حتى‭ ‬عادت‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬العنصرية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬‮«‬اسرائيل‮»‬‭ ‬فأخذت‭ ‬تحاول‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬المنطقة‭ ‬بكاملها،‭ ‬حتى‭ ‬رفع‭ ‬دعاتها‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الجديد‮»‬،‭ ‬ويقصدون‭ ‬به‭ ‬‮«‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬صهيوني‭ ‬التمركز‮»‬‭ ‬Zionism‭-‬centered‭.. ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬حلم‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬للتحقق‭ ‬بحكم‭ ‬طبائع‭ ‬الأمور‭. ‬إنها‭ ‬محاولة‭ ‬لاستعادة‭ ‬‮«‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬القديم‮»‬‭ ‬كما‭ ‬أشرنا،‭ ‬في‭ ‬ثوب‭ ‬جديد،‭ ‬من‭ ‬حول‭ ‬اسرائيل‭ ‬والحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬العنصرية‭ ‬النهمة‭ ‬للتوسيع‭ ‬الاستعماري‭ ‬بغير‭ ‬انقطاع‭.‬

لن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬مكان‭ ‬لشرق‭ ‬أوسط‭ ‬صهيوني‭ ‬التمركز‭ ‬–‭ ‬أي‭ ‬جديد‭ ‬–‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬امتدت‭ ‬يد‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬الأمريكية‭ ‬إليها‭ ‬بالمال‭ ‬والسلاح‭ ‬وغيرهما‭.‬

هذا‭ ‬حكم‭ ‬التاريخ،‭ ‬وحتميته‭ ‬الواعية،‭ ‬ليعود‭ ‬عالم‭ ‬‮«‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬–‭ ‬الإسلامية‭ ‬المركزية‭ ‬قويًا‭ ‬لامعًا،‭ ‬ولن‭ ‬يعود‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬القديم‭ ‬ولو‭ ‬في‭ ‬ثوب‭ ‬جديد،‭ ‬مهمًا‭ ‬كان‭..!‬‮»‬‭.‬

{‭ ‬أستاذ‭ ‬في‭ ‬اقتصاديات

التنمية‭ ‬والعلاقات‭ ‬الدولية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا