ما الذي يعنيه أن يتعرّض قلب نظام سياسي شديد الانغلاق لاختراقات متكرّرة في زمن الحرب والتوتر الإقليمي؟ هل نحن أمام تفوّق استخباري وتقني لخصوم إيران فحسب، أم أن هذه الضربات تكشف شيئًا أعمق في البنيتين، الاجتماعية والسياسية، للسلطة داخل الدولة الإيرانية؟ لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال عبر التحليل الأمني وحده، لأن العمليات الأمنية، مهما بدت دقيقة ومحدّدة، غالباً ما تكون مجرّد سطح لظاهرة أكثر تعقيداً تتعلق بكيفية تشكّل السلطة داخل المجتمعات، وكيف تعمل مؤسّساتها في لحظات الضغط.
ينطلق التحليل السوسيولوجي من فكرة بسيطة، لكنها عميقة: الدولة ليست جهازاً إدارياً فحسب، ولا منظومة قوانين أو أجهزة أمنية، بل شبكة من العلاقات الاجتماعية والسياسية التي تربط بين النخب والمؤسّسات والمجتمع. السلطة، في هذا المعنى، ليست مجرّد قرار يصدر من قمة الهرم، بل نتيجة توازن دقيق بين قوى متعدّدة تتفاعل داخل النظام السياسي. وقد رأى عالم الاجتماع الألماني، ماكس فيبر، أن استقرار أي نظام سياسي يعتمد على توازن بين القدرة على فرض السلطة والشرعية التي تمنح هذه السلطة قبولاً داخل المجتمع. عندما يختل هذا التوازن، لا ينهار النظام بالضرورة، لكنه يصبح أكثر عرضة للهزّات والاختراقات.
بهذا المعنى، لا يمكن أن تقتصر قراءة ما يجري في طهران اليوم على تفسير تقني أو استخباري. صحيحٌ أن الولايات المتحدة وحلفاءها يمتلكون تفوّقاً كبيراً في مجال التكنولوجيا الاستخبارية، من الأقمار الصناعية إلى قدرات التنصّت الإلكتروني وتحليل البيانات الضخمة، وهي أدوات تمنح قدرة غير مسبوقة على تتبع الأهداف، وبناء صورة دقيقة عن تحرّكات الأفراد والمؤسّسات، لكن هذه التكنولوجيا، مهما بلغت من تطوّر، لا تعمل في فراغ، فهي تحتاج دائماً إلى ثغراتٍ في البيئة التي تستهدفها، مؤسّسية كانت أو تنظيمية أو بشرية.
هنا تظهر المفارقة التي تقف في قلب هذا النقاش: هل الاختراق نتيجة تفوق تقني خارجي، أم نتيجة هشاشة داخلية في بنية النظام؟ في الواقع، غالباً ما يكون الجواب مزيجاً بين الاثنين. التكنولوجيا قد توفر الوسيلة لتنفيذ العملية، لكنها لا تفسّر وحدها كيف تمكّنت من الوصول إلى أهداف حسّاسة في قلب نظام سياسي شديد المركزية والحذر.
يمثل النظام الإيراني نموذجاً معقّداً للتركيبة السياسية، فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، تشكّلت الدولة الإيرانية حول معادلة تجمع بين الشرعية الدينية والسلطة السياسية والمؤسّسات العسكرية والأمنية. الحرس الثوري، والمؤسّسة الدينية، والأجهزة الأمنية، والبيروقراطية السياسية، كلها مكوّنات أساسية في هذا النظام. هذه البنية المتعددة المراكز منحت إيران قدرة كبيرة على الصمود أمام الضغوط الدولية والعقوبات الاقتصادية، لكنها، في الوقت نفسه، أوجدت شبكة دقيقة من التوازنات بين مراكز القوى المختلفة.
في مثل هذه الأنظمة، تلعب الشخصيات القيادية دوراً محوريّاً في الحفاظ على التوازن بين المؤسّسات المختلفة. منصب المرشد الأعلى، على سبيل المثال، ليس مجرّد موقع دستوري، بل يمثل نقطة التقاء بين الشرعية الدينية والسلطة السياسية والإشراف على المؤسّسات العسكرية. وجود شخصية قوية في هذا الموقع كان طوال عقود عامل استقرار داخل النظام، لأنه وفّر مرجعية نهائية لحسم الخلافات بين المؤسّسات المختلفة.. ولكن الأنظمة التي تعتمد، بدرجة كبيرة، على شخصية قيادية مركزية تواجه تحدّياً كبيراً عندما يتعرّض هذا المركز للاهتزاز، فالمشكلة لا تتعلق فقط بغياب شخصٍ معين، بل بإعادة ترتيب العلاقات بين المؤسّسات التي كانت تتوازن في ظل وجوده. السؤال في هذه اللحظة يصبح: كيف يمكن إعادة إنتاج التوازن داخل النظام؟ وهل تستطيع المؤسّسات أن تحافظ على استقرارها من دون المرجعية التي كانت تضبط علاقاتها؟
إلى جانب ذلك، يضيف استهداف شخصيات سياسية بارزة، مثل علي لاريجاني، بعداً آخر إلى الصورة، فهذه الشخصيات لا تمثل مجرّد مواقع رسمية داخل الدولة، بل تلعب دوراً مهمّاً في إدارة العلاقات بين مراكز القوى المختلفة. في علم الاجتماع السياسي، يُنظر إلى هذا النوع من القيادات بوصفه جزءاً مما يمكن تسميته «نخبة التوازن»، أي الفاعلين الذين يمتلكون القدرة على التواصل مع أطراف متعدّدة داخل النظام، ويساعدون على تخفيف حدّة التنافس بين المؤسّسات. عندما تختفي هذه الشخصيات فجأة، يفقد النظام إحدى أدواته في إدارة التوازنات الداخلية، فالعلاقات الشخصية بين القادة تلعب دوراً مهمّاً في الأنظمة السياسية المعقدة، وخصوصاً عندما تكون المؤسّسات نفسها متداخلة الصلاحيات.
في الحالة الإيرانية، يتداخل العامل الخارجي مع التحولات الداخلية في بنية الدولة، فالتوتر الإقليمي والحرب غير المباشرة مع خصوم متعدّدين يضعان النظام تحت ضغط دائم، بينما تفرض التغيرات الاجتماعية والاقتصادية تحدّيات جديدة على أي نظام سياسي قائم منذ أكثر من أربعة عقود. وتجعل هذه الظروف إدارة التوازنات الداخلية أكثر تعقيداً مما كانت عليه في مراحل سابقة.
من هنا يمكن فهم الاختراقات أخيراً بوصفها جزءاً من صراع متعدّد المستويات؛ فهي من جهة نتيجة تفوق تقني واستخباري لدى خصوم إيران، لكنها من جهة أخرى تعكس أيضاً طبيعة البنية السياسية للنظام نفسه. ليست الدول مجرّد أدوات قوة، بل منظومات اجتماعية وسياسية تتشكّل من شبكات من العلاقات والمصالح والتوازنات. عندما تتعرّض هذه الشبكات للضغط، تظهر نقاط ضعف قد لا تكون مرئية في الأوقات العادية.
لهذا، السؤال الذي تطرحه الضربات على إيران لا يتعلق فقط بكيفية اختراق النظام الأمني الإيراني، بل بما إذا كانت الجمهورية الإيرانية تدخل مرحلة جديدة من تاريخها السياسي. مرحلة قد لا تكون فيها التحدّيات الخارجية وحدها هي العامل الحاسم، بل أيضاً التحولات التي تضرب البنية الداخلية التي قامت عليها الدولة منذ الثورة. ففي عالم تتداخل فيه التكنولوجيا مع السياسة والمجتمع، لم يعد الصراع بين الدول يدور فقط في ساحات الحرب، بل أيضاً في عمق البنى الاجتماعية التي تقوم عليها السلطة نفسها.
{ كاتب من اليمن.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك