بعد مرور نحو ثلاثة أسابيع على بدء الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، لا تبدو الأمور واضحة بأي اتجاه يمكن أن تذهب على المدى القصير. ففي الوقت الذي يتحدث فيه الرئيس دونالد ترامب عن إمكانية إنهاء الحرب خلال فترة قصيرة تتحدث الحكومة الإسرائيلية عن احتمال استمرار الحرب شهرا إضافيا على الأقل. والأهداف التي وضعتها كل من أمريكا وإسرائيل باتت الآن مشوشة وغير محددة بدقة.
فقد كان الحديث يدور عن القضاء على القدرة النووية وصناعة وتطوير الصواريخ ومنع إيران من الامتداد في الإقليم بالإضافة إلى تغيير النظام الإيراني. ولكن بعد أن استمرت الحرب ربما أكثر من المتوقع لم يعد الحديث عن البرنامج النووي الإيراني حاضراً، وحتى تغيير النظام أصبح ضمنياً وليس في إطار الإعلان سوى بعض التصريحات الإسرائيلية. حتى إن ألمانيا باتت تطالب أمريكا وإسرائيل بتحديد أهداف الحرب في ظل القلق من حرب لا تعرف نهايتها.
الأمور في إيران بدت أكثر تعقيداً مما تخيل الإسرائيليون والأمريكيون، فبالرغم من الخسائر الفادحة التي لحقت بالنظام الإيراني سواء باغتيال عدد كبير من القادة السياسيين والعسكريين الإيرانيين أم بالدمار الكبير الذي لحق بالبنية التحتية العسكرية وكذلك المدنية لا يبدو أن النظام على وشك السقوط ولا يزال يعمل عسكرياً وسياسياً. وخاصة في الهجمات التي تشنها إيران على إسرائيل والاعتداءات على دول الجوار الخليجي وحتى على دول تبعد عن الخليج العربي مسافات بعيدة.
وهنا يظهر مأزق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يكرر إعلان القضاء على القدرات العسكرية الإيرانية والتصاعد في نسبة هذه العملية من 70% و80% إلى 100% بحسب آخر تصريحات ترامب.
ولكن بعد هذا القضاء المزعوم على القوة العسكرية الإيرانية، يطلب ترامب من دول «الناتو» مساعدة القوات الأمريكية والمساهمة في حماية ناقلات النفط للعبور من مضيق هرمز. فيظهر الأمر أشبه بمسرحية هزلية. بل إن ترامب يهدد إيران بأنها إذا منعت عبور الناقلات من مضيق هرمز سيقوم بضرب المنشآت النفطية في جزيرة «خرج». وهذا يتناقض مع إعلان تدمير كامل القوة العسكرية الإيرانية.
والواضح أن ترامب ليس مرتاحاً لسير الحرب مع إيران، فهي لم تستسلم وهو يحاول الوصول إلى اتفاق معها لضمان السيطرة على إيران وخاصة على مصادر الطاقة فيها وتحقيق نصر بتغيير النظام أو على الأقل شخصيات مركزية فيه لصالح قيادة «معتدلة» تسلم أمريكا مقاليد الأمور.
وهذا لا يحصل بل هناك عناد وتشدد إيراني يزدادان مع الوقت وخاصة في ظل استمرار القدرة الإيرانية على إطلاق الصواريخ والمسيّرات بكل الاتجاهات. وهناك نوع من الاختلاف بين موقف ترامب الذي يعاني من ضغوط داخلية لجهة إنهاء الحرب بسرعة وموقف بنيامين نتنياهو والحكومة الإسرائيلية الذي يريد إطالة الحرب أطول فترة ممكنة لتحقيق هدف إسقاط النظام من خلال الضغط العسكري المتواصل وتدمير البنية التحتية والمرافق الحيوية الإيرانية للدفع باتجاه خروج الناس للشوارع وتولي قيادات معارضة مقاليد الحكم في إيران.
الانسجام الأمريكي-الإسرائيلي في بداية هذه الحرب لم يعد كذلك الآن حتى لو لم يظهر للعلن وجود خلافات بين الطرفين. فعندما تستهدف إسرائيل بنى تحتية نفطية ويوقفها ترامب عن الاستمرار في ذلك لأن هذا سيؤثر على إمدادات الطاقة دولياً ويؤثر على المواطنين الأمريكان، يظهر الخلاف في طبيعة إدارة المعركة وحتى في بعض الأهداف التي يريدها كل طرف.
ويمكن القول إن قيام إسرائيل باغتيال علي لاريجاني رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي يعتبر محاولة إسرائيلية جديدة لمنع التوصل إلى اتفاق بين الإدارة الأمريكية والقيادة الإيرانية، فهذه الخطوة ليس فقط استهدفت شخصية سياسية وازنة يمكن عقد صفقة معها، بل هدفت إلى المزيد من التصعيد في هذه الحرب.
إن استمرار الحرب وتصعيدها وزج أطراف أخرى فيها يمثل مصلحة إسرائيلية واضحة، على الرغم من أن الخسائر الاقتصادية الإسرائيلية هي كبيرة بحجم الضربات التي تلقتها وتتلقاها الجبهة الإسرائيلية الداخلية ونوع الصواريخ المستخدمة التي تتجاوز الصواريخ الاعتراضية التي تستخدمها إسرائيل لإسقاط الصواريخ والمسيّرات الإيرانية. فما يعني نتنياهو شخصياً هو أن يسجل لنفسه إنجازات داخلية تساعده في الانتخابات القادمة التي قد تحدث بعد ثلاثة شهور. وكل عملية قصف أو اغتيال لشخصية إيرانية تمثل مدعاة للتفاخر بالنسبة إلى نتنياهو الذي يجر المعارضة خلفه في تأييد الحرب.
من المتوقع أن تزيد عملية اغتيال لاريجاني من حدة الرد الإيراني على إسرائيل والولايات المتحدة وقد تشمل عملية الرد والانتقام دولاً كثيرة في المنطقة. ومن غير الواضح إذا كانت إيران تمتلك أسلحة نوعية جديدة لاستخدامها، لكنها ستحاول إيقاع أكبر الخسائر في صفوف الإسرائيليين والأمريكان، وهذا قد لا يغير شيئاً في الواقع. وعملياً، إسرائيل تقود الولايات المتحدة والمنطقة إلى مصير مجهول سيؤدي إلى مزيد من العنف والدمار. وأصبح ترامب في مشكلة حقيقية مع ارتفاع أسعار الوقود والتضخم القادم وهو ما قد يؤثر سلباً على فرص الجمهوريين في الانتخابات النصفية للكونجرس في خريف هذا العام، الذين إذا خسروا الانتخابات فسيفقد ترامب القدرة على تنفيذ سياساته غير الشعبية.
{ كاتب من فلسطين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك